مختلون ومحتلون

| |


هل المختل أول الطريق إلى المحتل؟

تساؤل ظل يلح علي منذ حادث الاعتداء على كنائس الإسكندرية.. مرة أخرى تحاول الحكومة المصرية أن تبيع لنا سلعة معطوبة اسمها "المختل" الذي يتحمل وزر كل ما جرى.. ليسدل الستار على المشهد وسط تصفيق حاد من الجمهور

لكننا هذه المرة لم نصفق لأن الرواية مكررة والبطل كان كبش فداء والنقاد الذين امتدحوا المخرج قبضوا الثمن مقدماً

ومختل الإسكندرية محمود صلاح الدين عبد الرازق الذي لم يكن يطعن غير المسيحيين في طريقه إلى ثلاث كنائس تفصل بينها كيلومترات عدة يبدو بهذه الانتقائية الدقيقة لضحاياه أعقل منا جميعاً.. وهو يشبه في ذلك علاء عبد العظيم الأفندي مدرس الثانوي في بلدة برديس الذي قالت عنه سلطات الأمن قبل ست سنوات إنه مختل عقليا بعد أن اتهمته بطعن قمص في كتفه ويده وصدره

ومحمود وعلاء لا يختلفان في ذلك عن صابر فرحات الذي ارتكب حادث
فندق سميراميس في السادس والعشرين من أكتوبر تشرين أول من العام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين والذي أسفر عن مقتل أمريكيين وفرنسي وإيطالي وجرح سائحين آخرين.. وبفضل بعد نظر أجهزة الأمن فقد أودع صابر العنبر رقم تسعة في مستشفى الخانكة الذي يضم المتهمين بجرائم وحصلوا على البراءة بعد أن ثبت بطرق وأساليب ملتوية اضطرابهم عقلياً

لكن صابر أثبت للمختلين في السلطة أنه عاقل لدرجة إدمان الإجرام حين هرب من العنبر والمستشفى ليرتكب حادثاً أعنف وأبشع هو حادث المتحف المصري في قلب ميدان التحرير الذي أودى بحياة تسعة مصطافين ألمان وسائقهم المصري بعد تفجير حافلتهم خارج المتحف في الثامن عشر من سبتمبر أيلول من العام ألف وتسعمائة وسبعة وتسعين

يلاحظ أن هؤلاء "المختلين" الثلاثة صابر ومحمود وعلاء كانوا في منتصف العشرينيات عندما ارتكبوا جرائمهم.. ترى أي دلالة تنطوي عليها تلك الملاحظة؟!.. سأترك الأمر لعقولكم واستنتاجاتكم

مختل عقلي آخر حسب رواية الحكومة كاد يغتال الرئيس المصري حسني مبارك بمطواة في بورسعيد في سبتمبر أيلول من العام ألف وتسعمائة وتسعة وتسعين..غير أن أبو العربي تعثر ولم يتمكن إلا من إصابة مبارك داخل سيارته بجرح قطعي في يده قبل أن يرديه أفراد الحراسة قتيلاً

ودعونا لا ننسى أن سلطات الأمن أرادت أن تطوي صفحة الجريمة البشعة التي وقعت في بني مزار بصعيد مصر قبل أن يغادرنا العام ألفان وخمسة فقالت إن مرتكبها مضطرب نفسياً... ونقلت عنه أنه "جاءه هاتف" أو كلمه صوت طلب منه ارتكاب مثل هذه الجريمة التي راح ضحيتها عشرة أبرياء منهم ثلاثة أطفال ورضيع لم يتجاوز عمره عاماً واحداً.. وسائل الإعلام الرسمية ­اعتبرت أن توجيه الاتهام إلى مختل عقلياً بارتكاب المذبحة نهاية مناسبة ومنطقية للمأساة قبل ساعات من بدء العام الجديد

المضحك أن أجهزة الأمن المصرية سارعت عقب أحداث الإسكندرية إلى دعم روايتها بالإعلان عن إلقاء القبض على مائة وخمسين مختلا عقليا بشوارع القاهرة والإسكندرية ومختلف المحافظات وذلك في إطار ما قالت إنه الحملة التي تشنها وزارة الداخلية المصرية لضبط المرضى النفسيين والمختلين عقليا بالشوارع وإيداعهم مستشفى الأمراض
النفسية
نكتة أخرى: قبل أيام قلائل.. ألقت أجهزة الأمن في القاهرة القبض على شاب يدعى زكريا السيد زكريا يبلغ من العمر خمسة وعشرين عاما أثناء سيره أمام كنيسة العذراء في شارع طومان باي بمنطقة الزيتون للاشتباه بأنه مختل عقلياً وبتفتيشه عثر معه على سلاح أبيض وتم إيداعه مستشفى الأمراض العقلية لتوقيع الكشف الطبي عليه.. أي والله هذا ما أعلنت عنه الداخلية المصرية

ولكن.. لماذا ترتاح الحكومة إلى هذا "السيناريو المضطرب" إن صح القول؟.. لا بد أن هناك أكثر من إجابة محتملة لعل إحداها أن هناك قطاعاً واسعاً من المواطنين يريد أيضاً إغلاق الملفات الشائكة بالقول إن المتهم في مثل تلك الحوادث هو شخص غير سوي أو مجنون.. نوع من التطهر الساذج عبر تأكيد أن هذا الشذوذ لا يمثل القاعدة السليمة

الشيء المؤكد أن هؤلاء الذين تسارع الحكومة - بأسلوب يجعلها من أحفاد ملك الدعاية النازية غوبلز- إلى إلصاق صفة الاضطراب العقلي بهم حتى تريح وتستريح.. ارتكبوا جرائم بشعة تستحق التوقف عندها.. وانتهاج سياسة المصارحة والمكاشفة حتى تعرف أكثر حقيقة ما يجري على أرض مصر

وإن لم يحدث ذلك فإن "المختلين" في أجهزة الأمن والمحتمين بعنابر مستشفيات الأمراض العقلية هرباً من أحكام القضاء ورأي المجتمع ... سيسلمون مفاتيح المدينة على طبق من ذهب في نهاية الأمر إلى المحتلين.. ولو بعد حين

قلنا من البداية إن هناك علاقة نسب ومصاهرة بين الاختلال والاحتلال.. وأول الحرب على الأخير وأشباحه التي تطاردنا ليل نهار تكون بمواجهة الأول بأبواقه النشاز في عقر داره

عافانا الله من الاثنين

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

6 التعليقات على "مختلون ومحتلون"

أكتب تعليقا