كل خيبة وأنتم طيبون

| |











عثرت بين أوراقي على المقال التالي الذي كنت قد نشرته في صحيفة "صوت الأمة" المصرية المستقلة في مايو من العام ألفين وأربعة.. وما أشبه الليلة بالبارحة.. وأخشى أن أقول: وبالغد أيضاً

سؤال بسيط: لماذا فازت جنوب إفريقيا بحق استضافة كأس العالم لكرة القدم عام ألفين وعشرة في حين خرجت مصر بلا أي حبة حمص؟

إجابة أبسط: لأن لديهم نلسون مانديلا ونحن عندنا عاطف عبيد


وليس كافياً طبعا أن نبدأ في سماع أصوات تطالب بالتحقيق في أسرار وحسابات ميزانية الترشيح المصري لاستضافة كأس العالم المذكورة بعد أن عجزنا عن الحصول عن أي صوت من أصوات أعضاء اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي"الفيفا"..لأن المصيبة أكبر من هذا التحقيق -على أهميته- وأخطر من رقم تذهب بعض التقديرات إلى أنه في حدود خمسين مليون دولار



الموضوع يكبر ليصبح قضية أحد بنودها تبديد المال العام.. والخيبة.. ولا أعني هنا خيبة الأمل وإنما الخيبة والفشل في عمل أي شيء بصورة صحيحة


الخيبة هنا سببها أن هناك من تعمد بيع الوهم للمصريين طوال شهور مضت دون أن يقولوا الحقيقة المرة وهي أن مصر لم تكن تملك أي فرصة في هذا السباق. كان هناك من يحقن المصريين بحقن زائفة ملؤها الثقة في قدرة المصريين على استضافة حدث رياضي ضخم..في حين أن مصر ليست مستعدة لاستقبال نحو مليون مشجع كانوا سيتدفقون عليها لحضور المونديال.. لأننا لا نملك البنية التحتية الكافية.. ونفتقد الكثير من الخدمات اللازمة في بلد تستيقظ كل يوم وتنام على أزمات واختناقات مرورية. هذه الأكاذيب لم تكن كافية لإقناع أي من أعضاء اللجنة التنفيذية للفيفا بمنح صوته لمصر










والذين قالوا إن مصر قدمت ملفا متكاملاً فاتهم أن الموضوع ليس مجرد تقديم ملف جيد عن وعود طيبة في المستقبل..بل إن الأمر كان يقتضي تحركا مدروسا واتصالات منظمة واختيارات أفضل وأشمل لأعضاء الوفد المصري الذي غاب كبيره (الدكتور بطرس غالي) عن عرض الملف واكتفى بكلمة مسجلة

الوفد المصري الذي ضم ستة وعشرين شخصية فقط لم يكن في حجم ولا وزن وفد جنوب إفريقيا الذي ضم نحو مائة وثمانين شخصية في مقدمتهم مانديلا والرئيس الحالي ثابو مبيكي والرئيس الأسبق فريدريك دي كليرك..وأشهر نجوم كرة القدم في القارة السمراء مثل الغاني عبيدي بيليه والكاميروني روجيه ميلا والليبيري جورج ويا والجنوب إفريقي لوكاس راديبي.. إضافة إلى الممثلة تشارليز ثيرون الحائزة على أوسكار أفضل ممثلة العام الماضي.. والأسقف ديزموند توتو الحائز على جائزة نوبل للسلام


وفي وفد المغرب الذي وصل إلى مائة وخمسة وستين شخصا..تقدمهم الأمير مولاي رشيد شقيق العاهل المغربي نجد الممثلة إيزابيل أدجاني والمدرب لويز فيليب سكولاري الذي قاد البرازيل للفوز بنهائيات كأس العالم عام ألفين واثنين.. والفرنسي جوست فونتان هداف كأس العالم السابق الذي أحرز ثلاثة عشر هدفا في نهائيات كأس العالم عام ثمانية وخمسين. وتحدث الرئيس السنغالي عبد الله واد أمام اللجنة التنفيذية للفيفا نيابة عن المغرب بالإضافة إلى رئيس الوزراء الإسباني الأسبق فيليب جونزاليث


ثم إن الكلام عن جودة الملف يجب ألا ينسينا أن الواقع يقول إنك تمنح حق استضافة كأس العالم للبلد الجاهز وليس للبلد الذي سيجهز نفسه مهما كانت الضمانات والوعود البراقة


النتيجة النهائية في التصويت كانت أربعة عشر صوتا لجنوب إفريقيا وعشرة أصوات للمغرب..ولا أي صوت لمصر

وربما كان ضرورياً أن نقول إن النتيجة لا تعكس فقط عملية التصويت على حق استضافة المونديال.. وإنما وبصراحة شديدة النتيجة تعكس كم تساوي مصر الآن: في الرياضة والسياسة والفن والأدب


كلمات قاسية فقط لأنها تنظر إلى الحقيقة في المرآة بدون رتوش ومساحيق تجميل كالتي يستعملها البعض لبيع الوهم للسذج ممن يصرخون في وجهك بصوت زاعق "ما تقولش إيه إدتنا مصر"


مصر لم تعد ذات ثقل في عالمنا اليوم..والفاعل معلوم

إن مؤشر مدركات الفساد -حسب آخر تقرير سنوي لمنظمة الشفافية الدولية- يضع مصر في الترتيب رقم سبعين من بين مائة وثلاث وثلاثين دولة.. بعد جمهورية الدومينيكان والبوسنة وبنما وسريلانكا والمكسيك وبيرو والسلفادور وكولومبيا وجامايكا وكوستاريكا وترينيداد وتوباغو وبوتسوانا


حتى على مستوى الشرق الأوسط.. فإن ترتيب مصر في الفساد حسب التقرير المذكور يضعها متأخرة عن إسرائيل (21) وسلطنة عمان (26) والبحرين (27) وقطر (32) والكويت (35) والإمارات (37) وتونس (39) والأردن

(43) والسعودية (46)

يصنف المؤشر المذكور الدول حسب المستوى المقدّر لقبول الرشاوى لدى السياسيين وموظفي القطاع العام فيها. وهو مؤشر مركب اعتمد على 17 عملية استقصاء أجرتها 13 مؤسسة مستقلة شملت رجال أعمال ومحللي مخاطر من تلك الدول، من أهل البلاد والغرباء المقيمين فيها
ويركز المؤشر على الفساد في القطاع العام، ويعرّف عنه على انه سوء استعمال الوظيفة في القطاع العام من أجل تحقيق مكاسب شخصية. طرحت الاستفتاءات المستعملة لجمع المؤشر أسئلة ذات صلة باستغلال المركز الإداري لتحقيق مكسب شخصي.. مركزة على سبيل المثال على قبول الموظفين الحكوميين الرشوة في المشتريات الحكومية. أما مصادر المعلومات فهي لا تميّز بين فساد الإداريين وفساد السياسيين

ولكن ما سبب اعتبار المؤشر وسيلة قيّمة؟


السبب هو أن المؤشر مستقى من 17 حملة استقصاء شملت آراء رجال أعمال وأكاديميين ومحللي مخاطر من الدول التي جرت فيها الدراسات ومن الأجانب المقيمين فيها. إنه يعطي لمحة عن آراء صانعي القرارات المتصلة بالتوظيفات المالية وبالتجارة في تلك الدول. كما أنه يراكم إدراك الناس لقضية الفساد ويلفت اهتمام الحكومات للصورة السلبية التي يخلّفها تدني مرتبة البلاد على سلم المؤشر، مما يقدم سبباً آخر لتلك الحكومات لتصحيح الأوضاع

نعود إلى حكاية مصر

مصر التي تراجع فيها كل شيء.. من ثقافة أصبحت ترفاً.. وتعليمٍ حائر بين السنة الإضافية في التعليم الابتدائي وإلغائها.. وجامعات تتكدس بأعداد تتخرج غير فاهمة لماذا يتم قبولها جميعا في حين لا توفر الكليات والمعاهد لها فرصة تعليم يعودهم على البحث والفهم بدلاً من التلقين.. ولا توجد أمامها فرص عمل في المستقبل تتناسب مع مؤهلات هؤلاء الخريجين

مصر التي يرث فيها الابن نفوذ أبيه السياسي مثلما يرث ابن شركة عائلية.. والتي تهتز كلما تسربت فضيحة على شريط جنسي لشخصيات فنية أو مالية أو سياسية. مصر التي أصبحت فيها النخبة السياسية الوكيل المعتمد لمصالح الرأسمالية الجديدة..والتي يقول فيها نائب رئيس الوزراء الدكتور يوسف والي "إحنا كلنا سكرتارية للريس".. والتي يتنزه فيها عدد من لصوص المال العام في فرنسا وسويسرا والولايات المتحدة بعد أن نهبوا البنوك وحولوها إلى أرصدتهم السرية. مصر التي أدمنت الغياب.. واكتفى وزير خارجيتها أحمد ماهر بنقل المعلبات إلى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات خلال حصاره في مقره في رام الله

مصر التي تشهد حالة "تكويش" ليس لها مثيل: على السلطة والمال والمناصب الحكومية والصحفية.. تعاني حالة تهميش للشعب وقواه الاجتماعية والنقابية.. ليزداد الفارق وتتسع الهوة... فنهوي جميعا في بحر بلا قرار. بلادنا التي كلما تغنى فيها مواطن "قوم يا مصري" قال له أهل النفوذ وأصحاب المصالح "اقعد يا مصري"


مصر التي تراجعت فيها الرموز الحقيقية المعاصرة التي تستحق الاحترام بعملها ومنجزاتها بعيدا عن النفاق والطنطنة والأكاذيب..فاكتفت بالحديث عن الماضي العظيم والتاريخ التليد.. مع أن قدماء المصريين سيموتون من الحسرة لو كانوا بيننا الآن على ما نحن فيه ولما آلت إليه الأحوال
إن من يحب مصر حقيقة لا بد أن ينظر إلى وجهها في المرآة..قبل أن يهاجم ويتهجم على من يشير بوضوح إلى العيوب التي تحتاج للعلاج السريع والجذري.. ويكشف عن أخطاء بح صوت كثيرين وهم ينبهون إليها

بل إن من يحب مصر يجب أن يملك الشجاعة كي ينادي بإصلاح حقيقي للواقع بدلاً من الحديث عن إصلاح صورة مصر. الإصلاح الداخلي الذي يشمل مختلف أوجه الحياة.. تطبيقاً لديمقراطية غائبة عن مجلس الشعب "سيد قراره"..وشفافية في الحكم والعلاقة بين الحاكم والمحكوم..وانضباط وجدية ومصارحة وعمل بروح الفريق.. ومحاسبة انطلاقاً من مبدأ "من أين لك هذا".. وإطلاق حرية الرأي والإبداع بعيداً عن مقص الرقيب وقبضة زوار الفجر

انسوا الماضي قليلاً وفكروا في الحاضر لتصنعوا المستقبل

وإلى أن يحدث هذا..نقول: كل إصلاح وأنتم طيبون

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "كل خيبة وأنتم طيبون"

أكتب تعليقا