أسماء الشوارع.. واغتصاب الذاكرة

| |















الأسماءُ كالعناوين.. دليلٌ إلى المكان وذاكرة للوطن.

وأسماءُ الشوارع ليست مجرد لافتاتٍ حديدية، وإنما هي حكاياتٌ وأسرارٌ وتاريخ يجري في عروقنا.

هناك دائمـًا ما يُسمى سلطة المكان.

ويبدو أن الشارع أو المكان يأخذ جانبـًا مهمـًا من الحياة العامة، ليس في بلداننا فحسب بل في البلدان الأخرى.

ولعل هذا ما دار في خلد أعضاء لجنة التحكيم في منافسة على أحد مواقع الإنترنت حول اسم الشارع الأكثر غرابةً في الولايات المتحدة. اللجنة اختارت اسم شارع المجانين يليه شارع منطقة الطلاق.. وشملت المسابقة أسماء أكثر من 2500 شارع.

وشارع المجانين بالمناسبة هو زقاق خاص صغير في مدينة ترافيرس بولاية ميشيغان، فيما يقع شارع منطقة الطلاق في هيثر هايلاندز بولاية بنسلفانيا.

خسارةٌ أن المسابقة لم تسمح لشوارع مصر بالمنافسة.. فأسماء الشوارع عندنا يمكن أن تدير رؤوس أي لجنة تحكيم، بدءًا من شارع "الماء والليمون" وهو يقع في منطقة الملك الصالح، ومرورًا بشارع "إسطبل عنتر" الذي يوجد بمنطقة مصر القديمة، وشارع "كعابيش" الكائن في منطقة الطوابق بالهرم.

بل إن الجائزة كانت ستغازل شارع "بين النهدين" الذي يلتقي عند نقطة ما بشارع الأزهر.. إضافة إلى شارع "الوالدة باشا"، والمقصود بها والدة الخديو إسماعيل التي أنشأت مسجد الرفاعي في حي القلعة.. أو حتى شارع "شق التعبان" أو "تل العقارب". وأنا متأكد من أن أعضاء لجنة التحكيم كانوا سيفغرون أفواههم إذا سمعوا عن شوارع تحمل أسماء "بهلول" و"شملول" و"الشيخ العبيط" و"ترعة المجنونة".. وغيرها من أسماء شوارع المحروسة.

وإذا كنا ندعو إلى مراجعةٍ شاملة لأسماء مثل تلك الشوارع.. فإن ما يلفت انتباهي الآن هو اغتصاب أسماء الشوارع بهدف نيل شهرة أو شعبية غير مستحقة.

وجريـًا وراء وهم الخلود، تجد الكثير من السياسيين ورجال المال وأصحاب النفوذ في مصر يستعجلون الزمن ويحرصون على أن تكون أسماؤهم عناوين لشوارع ومحطات حافلات ومترو أنفاق.

من حق أي شخص أن يحلم بالخلود في ذاكرة وضمير أمته.. لكن هؤلاء الذين احتلوا الأسماء فاتهم أن الناس يقولون: ميدان التحرير.. غير عابئين بأن اسمه الرسمي ميدان الرئيس أنور السادات (أو حتى ميدان الإسماعيلية)، ويصرون على أنها محطة رمسيس لمترو الأنفاق، مع أنه ظل مكتوبـًا عليها بالخط العريض - لنحو ربع قرن- اسم حسني مبارك.

 ومع ذلك فقد تغلب رمسيس - التمثال الذي نقلوه من الميدان- على اسم منافسه بالضربة القاضية الفنية.

وكما يكتب الأقوياء والمنتصرون التاريخ على حساب الحقيقة، نجد المهزومين يكتبون الأسماء التي تمجدهم كجزء من لعبة المنجزات الوهمية.

لماذا تهبط الأسماء من علوٍ مرتفع على رؤوس الشوارع؟

تساؤلٌ مشروع نطرحه في وجه من يريدون فرض أنفسهم على الذاكرة الشعبية.

لكن ينبغي للجميع أن يعرفوا أن للشوارع ذاكرة غير تلك التي يُلبسها لها البعض.. لا حقيقة لها خارج أسمائها، ولا معنى لها خارج حكايتها ولا لون لها بعيدًا عن مُسمياتها المنسية.

من فضلكم: لا تغتصبوا أسماء الشوارع والأماكن.. احترموا ذاكرتنا!

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

9 التعليقات على "أسماء الشوارع.. واغتصاب الذاكرة"

أكتب تعليقا