هذه الم دو نة حديقة نهاية العالم. كل حكاية فيها وداعٌ ظامئ، وعربة جنائز تتسكع في شوارع المدينة. ربما تروق لك تلك الروح الخالدة ف...
هذه المدونة
حديقة نهاية العالم.
كل حكاية فيها وداعٌ ظامئ، وعربة جنائز تتسكع في شوارع المدينة.
ربما تروق لك تلك الروح الخالدة في ثنايا التاريخ، وتستهويك السخرية المُتخفية بين
السطور، والإيحاءات بأن الغباء يتقدَّم في العالم ولن يعود أحدٌ قادرًا على إيقافه.
وقد تجد نفسك مأخوذًا بالأصالة العظيمة، والجمال الأخاذ، وهذا القلم الذي يواري
قلقه في الأشياء الأعمق لعتمة هذا العالم.
في «قبل
الطوفان»، كنا دومًا الشجرة التي تُقلِق العصافير، وتُحرِّضها على الزقزقة بحناجرها
اللامعة.
وفي
الذكرى العشرين لإنشاء المدونة، أراها تنضج، وتكبر، وتخترع طفولة جديدة.
يسألني الرفاق: من أين لكَ كل هذا الشغف في الاختفاء؟
الإجابة بسيطة: أستسلِمُ للغة.
كمستكشفٍ للهاوية، أتقن فن التلاشي. الوحيد
جيشٌ، في
متاهته. يضحك بغتةً، ثم يَفركُ طين حُزنه بين كفيه.
أبدو للبعض شبيهَ فيتوريو دي سيكا في
أواخر أيامه. أكتشِفُ متأخرًا أن جسدي ليس
حقيبة إسعافات أولية للمحطمين
وتالفي النفوس ومرهقي
القلوب.
بالصمت الطويل، والتعليقات المقتضبة، أحكي لك ما
حدث وما لن يحدث. أقطعُ مسافات، لكن المسافة
لا تزيد من وضوح الأشياء. بوسعي أن ألفظ كل شيء، وأن
أوصدَ الباب على الداخل. من أين تأتي كل هذه القدرة على الاقتلاع؟
أُمضي الوقت في القراءة والكتابة، وتأمُل
إقلاع الظل عن الأرض في شهور الصيف، ومراقبة سرعة زوال المناظر الطبيعية من شبابيك
القطارات، كما لو أنها انبثقت من أعماق أحد أفلام تاركوفسكي.
بعض الحوادث المهمة في حياتنا التي
يُمليها علينا قانونٌ غامض، تفرُّ منا.
أكتب مثل ممسوس، وأتقدَّم في الفراغ، لكنني
قد أتخبط في العتمة، وأتوغل في غابة الشكوك، علَّ الحقيقة تُفصح عن نفسها. ربما قد
تكون الكتابة نوعًا من الحرمان، الذي لا نهاية له. موت متواصل لا عودة فيه.
والكتابة مغامرة. خطوة واحدة خاطئة قد
ترميني خارج الزمن. أتجنب دخول معقل التفاهات، وأتحرك بصورةٍ مبهمة بين الحبس
والتجوال. كم أنا ملوثٌ بفتنة الغياب!
لا أحد يبحث عني، وأنا، انتقامًا، لا
أبحث عن أحد.
وحدها تأتيني في نوبات الحنين. المرأة
التي ورثت الرقة والحنان. أفكر في ابتسامتها، ورائحتها التي تسكنني. وأنا أكتبُ
الجرح وأغلقه، وأستذكر حماقات الرغبة، وتقاطع الجلد الذي يتلظى شرارة في تنورتها
المفتوحة، حين تهبُّ الريح وتطير الجنيات. ألامسها في
الخيال. نسير يدًا بيد، في طريقٍ لا ينتهي أمامنا.
كُلُّ شيءٍ يستَحِمُ في الضَّوءِ، وبِهدوء، إلا الذكريات.
ذولأن الأدب يمنح حبكة الحياة منطقًا لا تمتلكه، فقد كتبنا عن «الأحياء الذين ماتوا» (2026)، و«مفاتيح الذاكرة: من علم التقبيل إلى الخذلان» (2026)، ونظمنا مشاعرنا في «إحساس عابر بالأبدية» (2025)، وواصلنا سلسلة «كيف تقرأ؟» بالكتابة عن «جورج أورويل: عدو الأخ الكبير» (2026).
من المطابع، دارت عجلة التاريخ بقوة، كما لو أنها رمانة الزمن، فأصدرنا «تاريخ
العاديين» (2026)، و«تاريخ المقهورين» (2026)، و«كنوز القاهرة» (2026)، و«أزمنة
مضطربة: حكايات من مدينة العواطف» (2026)، و«أصوات من بعيد» (2026).
وبحثًا عن التاريخ المهمل، ركضنا وراء الريح التي تهزّ العشب، حتى أصدرنا «قصة كرة القدم في مصر» (2025).
انشغلنا أيضًا بالموسيقى، قيثارة النعومة وربة الأوتار الخافتة، فأثمر الانشغال «وردة الموسيقى وأشواك
الغناء» (2026)، و«فائض الحنين:
الموسيقى التي تسحرنا» (2025)، و«موسيقى بدون نوتة: من الأغنية الشعبية إلى المهرجانات» (2025).
وتبقى السينما فاكهة الشهوة وغموض الخطيئة وجرعة الولع التي تستلقي على
خشبة المسرح؛ لذا كتبنا «اختراع
العالم» (2026)، و«أشباح السينما وعفاريت المسرح» (2026).
وفي تجربةٍ تحدق في عين العاصفة، كتبنا «التاريخ الثقافي للهستيريا والجنون» (2026).
«قبل الطوفان»، لعبتي الرصينة، وحديقتي الأخيرة، ومختبر الحكايات في عالمٍ مزعزعٍ بالذكريات.


ردود