هذا كتابٌ عن عالم جريح. عن مدن أمواتٍ وأشباح، لكن للموت صوت وللأموات حياة أخرى فيها. إنها نصوصٌ عن الأوطان عمومًا، كتبتُها قبل الطوفان...
هذا كتابٌ عن عالم جريح.
عن مدن أمواتٍ وأشباح، لكن للموت صوت
وللأموات حياة أخرى فيها.
إنها نصوصٌ عن الأوطان عمومًا، كتبتُها
قبل الطوفان بقليل، في زمنٍ فَاضَ فيه العَمَاءُ وانحسرت اليابسة، وعلا فيه صراخُ
ركاب السفينة المثقوبة هنا وهناك.
وهي أيضًا نصوصٌ عن رجاءٍ عظيم أصابته
خيبة الأمل، وأملٌ كبير اصطدم بالخذلان.
الأوطان مرآة، نتفقد أمامها مفاتيحنا
ونقودنا ووجوهنا، ونرى فيه أشجارنا التي تتدلى منها ثمرةٌ ما وهي تستعد للسقوط.
العالم يتغيّر، لكن الوطنُ هو اللغة
المطلقة، والتيه الذي يتوسع في شعاب القلب، والثوب المصنوع على مقاس روحك الحائرة،
وعناق النهار للضوء، شعاعًا بشعاع. فإن مسَّك ظلُّه
الظليل، استعرتَ ارتعاشه.
ومصر عباءةٌ منسوجةٌ مِن رحيقِ التاريخ وعبقريةِ الجغرافيا،
كلمسةِ الريح على ورقةِ شجرة.
إنها الوطنُ الذي نكبر فيه ومعه.
أمُّ الدنيا، التي يمرّ عليها الزمن
برهافة وكأنه قصيدة.. في الشرفات التي تتجمل، وعلى ضفاف النيل الذي يتهادى، وعند
تيجان الأشجار، وتحت سفح الأهرامات التي بناها
الأجداد.
يشبه الشعب المصري بردياته الأثرية، تراه قديمًا، تظنه يتهاوى،
يكاد يتمزق تحت وطأة الزمن أو الخطوب، لكنه صامدٌ، باقٍ كأثر خالد لا يزول. تتغير
الوجوه والأسماء، والجينات واحدة، والصمود سمة.
في كل قريةٍ ونجع، في كل مدينةٍ وبلدة، تُشهِر مصر هويتها مع
زقزقة العصافير ساعة الفجر، وخشوع الآذان وأجراس الكنائس، وأصوات الباعة الجائلين،
وضحكة رفاق العمر وأفراد العائلة.
في دفء أسوان، وخُضرة الدلتا، وبهاء الإسكندرية، وعراقة
القاهرة، وأمجاد الصعيد، وفيروز سيناء، تلمس روحَ مصر وقلبها النابض.
وطنٌ أبدي، يشعّ أحيانًا بالزهور والألوان والجداول، ويضيء في
بهجة العشب والماء.
ومصر في بعض أحوالها وأطوارها ضوءٌ معصوب العينين، وهمجية تُكرّس
يأسها مثل منفى سكب تجهمه للتو،
وعناء البحث عن عدالة لا تتحقق من تلقاء ذاتها.
أما العاصمة القاهرة فهي مدينةٌ
من نسيج حكايات العالم.
إنها الغبار القديم الذي يكسو النهار، والهواء المرح الذي أدمن
العبث.
نبتةٌ برية، لا تُناسب الآنية البراقة.
مدينة ذات تاريخ ممتد ومستودع للذكريات
والأقوال الشعبية والأمثال والقصائد والأغاني التي تعد رابطًا متبادلًا بين المكان
وأهله.
في أرشيف الزمن، يمكن تتبعُ تفاصيل
حياة القاهريين وجذور التحولات المجتمعية الناتجة عن القوى السياسية، والاقتصادية،
والمؤسسية والتكنولوجية، وتحليل الاختلافات بين الحياة المتخيلة، والمدركة
والمعيشة.
في القاهرة، يطغى الموروث الديني
والتخيل الشعبي على كل شيء، بداية من الأضرحة وكرامات الأولياء والموالد إلى
المرويات الشعبية التي تتحكم في الثقافة والعمران بل والنقاشات إلى حدٍ كبير.
ليست القاهرة فقط عتبة الوجود العالية،
وقاهرة للأعداء تحفظ سقف التاريخ، لكنها قد تقهر الأبناء أيضًا. مدينة مدببة،
مليئة بالأفظاظِ والنرجسيين، تعجُ بالكمامات والأوبئة، وترفعُ يديها إلى الله،
وتنامُ في إزارها الحكايات المتجذرة بالأسى، وترقص بجلجلةٍ مهيبة، فلا تعود تدري
أهي رقصة الألم أم النشوة. زحامها الخانق يخفي وراءه توابيت فارغة تطل على نهرٍ جف
ضرعه بفعل فاعل، ورفاهيةٍ زائفة تشبه أكاذيب قتل الوقت بالثرثرة.
ولأن الأمكنة تصنع الذكريات ونزق
الأحلام ولحظات الإحباط واليأس، فإن القاهرة هي المدينة التي يتجمَّع فيها الحضور
والغياب.
في لحظاتٍ مختلسة، أُطِلُّ من شرفة
البيت على هذه المدينة، التي أخفتْ غبار ماضيها وطوتْ صيف شوارعها في الحوانيت
القديمة. أتفقّدُ المارة، فأجدُ الوجوه تتبدَّلُ كل يوم، ذلك لأن القاهرة وطن بديل
للريف والحضر والبادية. الصور واللافتات والرايات والجدران وأعمدة الإضاءة، شاهدٌ
على تحولات المدينة في الانتخابات والاحتجاجات والأعياد والأحزان. وجوه انمحت،
وأخرى ظلت باقية في زوايا الذاكرة؛ لتشكِّل جزءًا من تاريخنا الشخصي وتاريخ هذه
العاصمة العريقة.
يتلهّى أصحابُ البيوت بتجميل الشرفات،
ووضع المظلات، وربما إسدال الستائر، ولكن في الداخل هناك حكاياتٌ وأحزانٌ سرقها
الصمت.
ونحن ورثنا عن القاهرة الحزن والبهجة
والهزائم، حتى كرّرت الأزمان ذاتها بذاتها. لا شيء تغيّر. أجيالٌ تعيد الخسائر
ذاتها ولكن على هيئة الوقت والزمن الذي تعيش فيه.
المدينة هي مسرح الهزيمة.
لا يمكنك أن تُهزم من دون أن تظهر عليك
ملامح الهزيمة... وإلا فأنت لست مهزومًا بعد. ولتظهر هزيمتك تحتاج مسرحًا.
والمدينة هي مسرحك، وجمهورها متوافر دائمًا وإن لمُشاهدة سطحية.
من مقدمة كتابي:
تاريخ المقهورين

ردود