الأجور.. اختلالات وتشوهات

| |





كشف الدكتور محمد معيط، وزير المالية، عن بدء دراسة إصلاح أجور العاملين بالجهاز الإداري للدولة، إلا أنه أشار إلى هذه الدراسة ستستغرق وقتًا، لعلاج الاختلالات والتشوهات في الأجور بمختلف الجهات الحكومية.
ربما كانت الخطوة الأولى على طريق إصلاح أجور العاملين بالجهاز الإداري للدولة تتمثل في طلب بيانات ومعلومات كاملة عن العاملين، بالتنسيق مع جهاز التنظيم والإدارة.
اللافت للانتباه وزير المالية لم يذكر مدى زمنيًا لانتهاء الدراسة والنتائج ولم يتحدث عن تكلفة تمويل هذه الإصلاحات.
الأكيد أن الدراسة تهدف لمعالجة تعدد مسميات الأجور وانخفاض الهيكل في بعض الجهات، ما يسهم في تحقيق العدالة والسلام الاجتماعي.
دعونا نُذِّكر هنا بأن أول حد أدنى للأجور في زمن عبدالناصر وصل إلى ١٨ قرشـًا في اليوم بما يعادل ٥ جنيهات شهريـًا، كانت تكفي لشراء ٣٤ كيلو جرامـًا من اللحم.
الحد الأدنى لأجور العاملين بالحكومة والقطاع العام كما نصت عليه بعض القوانين واللوائح، شهد ارتفاعـًا تدريجيـًا من 9 جنيهات شهريـًا وفقـًا للقانون رقم 58 لسنة 1961 حتى وصل إلى 35 جنيهـًا شهريـًا وفقـًا للقانون رقم 53 لسنة 1984. أما بالنسبة للقطاع الخاص، فقد ارتفع الحد الأدنى لأجر العاملين فيه من 40 قرشـًا يوميـًا (لمن هم 18 سنة فأكثر) أو 30 قرشـًا يوميـًا (لمن هم أقل من 18 سنة) وفقـًا للقانون رقم 64 لسنة 1974 إلى 35 جنيهـًا وفقـًا لقانون رقم 53 لسنة 1984.
في عهد السادات، بلغ الحد الأدنى للأجر الأساسي للعامل ١٦ جنيهـًا بموجب القانونين ٤٧، ٤٨ لسنة ١٩٧٨ المنظمين لشؤون العاملين بالدولة وموظفي القطاع العام. ويعادل هذا المبلغ ثمن ٣٢٠ كيلو جرامـًا من الأرز بسعر ٥ قروش للكيلو، وقتها. ووصل الراتب الكلي لخريج الجامعة في بداية اشتغاله بالجهاز الحكومي إلى ٢٨ جنيهـًا أواخر عصر السادات.
مع تولي مبارك السلطة، زادت الأسعار بشكل أكبر، ولم يتم تحديد حد أدنى للأجور. وكان متوسط الدخل الأدنى حوالي ٢٠٠ جنيه في الشهر عام ٢٠٠٧، وهو ما كان يعادل ٤ كيلو جرامات من اللحم أو ٦٥ كيلو جرامـًا من الأرز.
والحقيقة أن الرئيس مبارك أصدر في 1981 تباعـًا قانونين لرفع الحد الأدنى للأجر في القطاعين العام والخاص، وثالثـًا في 1984. كان الأخير جيدًا اجمالًا؛ لأنه التزم بالأعراف المحمودة دوليـًا في تحديد الحد الأدنى للأجر، والذي بلغ 35 جنيهـًا، فقد كان يعادل آنذاك 60% من متوسط الأجر، كما شمل معظم العاملين بأجر في بر مصر.
في عام 2006، استشارت الحكومة المصرية في الأمر رجال الأعمال. وظهرت وقتها وثيقة من أحد المراكز الممولة من كبار رجال الأعمال، لتفيد بأن 35 جنيهـًا في بداية ثمانينيات القرن العشرين أصبحت قيمتها تعادل 214 جنيهـًا في 2006. رفض رجال الأعمال الالتزام بهذا المبلغ الضئيل وضغطوا على الحكومة حتى لا يتم الأخذ بهذا التصحيح. وقد كان.
في العام 2007 ظهرت مطالبات لإقرار الحد الأدنى، كان منها مشروع المجلس القومي للأجور الذي طالب بـمبلغ ٤٠٠ جنيه شهريـًا كحد أدنى، ومقترح اتحاد العمال الذي طالب بـ٦٠٠ جنيه. وفي العام المالي ٢٠٠٩ قدرت حسابات القومي للأجور الحد الأدنى الكافي لضرورات الحياة بمبلغ ٥٣٠ جنيهـًا، في حين طالب اتحاد العمال بـ٨٠٠ جنيه.
احتدمت المطالب المنادية بالحد الأدنى للأجور في ٣٠ مارس ٢٠١٠، حين ألزمت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة الحكومة المصرية بتحديد الحد الأدنى للأجور بمبلغ ١٢٠٠ جنيه. ومع تجاهل الحكومة تنفيذ الحُكم، استشكل أصحاب الدعوى أمام المحكمة وطالبوا بإلزام الحكومة بالتنفيذ وصدر الحُكم في ٢٦ أكتوبر ٢٠١٠.
في اليوم التالي للحُكم، حسم المجلس القومي للأجور قراره بزيادة الحد الأدنى للأجور من ١١٢ جنيهـًا وفق القانون الصادر عام ١٩٨٤ شاملة التأمينات والعلاوات إلى ٤٠٠ جنيه لجميع العاملين في مصر، وهو القرار الذي وافقت عليه الحكومة وممثلو منظمات أصحاب الأعمال، ورفضه ممثلو العمال في المجلس.
غير أن القرار المذكور كان ذرًا للرماد في العيون، فلم يصدر بقانون ولا محصنـًا بآليات إنفاذ ومتابعة أو عقاب. وكان المبلغ يقل بمقدار الثلث عن كل التقديرات، حتى داخل الحزب الوطني الحاكم حينذاك.
في أول حكومة بعد ثورة 25 يناير أعلن د.سمير رضوان، وزير المالية، أن الحد الأدنى للأجور ٧٠٠ جنيه، بزيادة ٢٥٠ جنيهـًا عن الحد الأدنى وقتها، على أن يصل خلال ٥ سنوات من تطبيقه إلى ١٢٠٠ جنيه، لكن الاتحادات العمالية رفضت ذلك، واعتبرت أن المبلغ غير كافٍ مقارنة بما وصفوه بالارتفاع الكبير في الأسعار بعد الثورة.
حكومة إبراهيم محلب، قررت تطبيق الحد الأدنى للأجور بمبلغ ١٢٠٠ جنيه اعتبارًا من يناير ٢٠١٥، لكن أصواتـًا عمالية قالت إن "المبلغ أصبح أقل من أسعار السوق"، وطالبوا برفع المبلغ إلى ١٥٠٠ جنيه. وفي الوقت نفسه، لم تلتزم بعض المؤسسات الحكومية بقرار محلب ولم تقم بتطبيق الحد الأدنى البالغ ١٢٠٠ جنيه حتى عام 2015.
إنها دوامة، والأسعار تشتعل، ويتعين النظر للأمر بجدية  لضمان الحد الأدنى اللائق بآدمية المواطن المصري واحتياجاته الأساسية.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!