تاريخ من الأزمات التموينية

| |





أدى اندلاع الحرب العالمية الثانية إلى ظهور طبقة جديدة من الأثرياء في مصر أطلق عليهم أثرياء الحرب، حيث كان معظمهم من التجار الذين يمتلكون مخازن كبرى بها بضائع توقف استيرادها فقفزت أسعارها، ولم يكونوا مؤهلين للمال الذي حصلوا عليه، فاندفعوا في أعمال ومشروعات دفعت رسامي الكاريكاتير في معظم المجلات إلى تناولهم بالسخرية. في الوقت نفسه، شهدت مصر هروب عدد من الأغنياء وخاصة من اليهود وتصفيتهم أعمالهم، عقب وصول القوات الألمانية إلى حدود مصر الغربية واقترابها من العلمين.
أما الفقراء ومحدودو الدخل فقد كانوا يجأرون بالشكوى بسبب أعباء المعيشة ونقص المواد الأولية الضرورية. ووجد المواطنون صعوبة في العثور على الوقود (الكيروسين)، والمواد التموينية الضرورية كالزيت والسكر والدقيق، وهو ما تسبب في أزمة الخبز . كما اختفت المنسوجات من السوق في تلك الفترة.
وعقب الحرب العالمية الثانية، استمر مستوى المعيشة في الانخفاض، وأصاب النقص والغلاء معظم المواد الغذائية، خصوصـًا في ظل تعنت بريطانيا ومماطلتها في أداء نحو 400 مليون جنيه كانت مستحقة عليها لمصر، نتيجة تزويد القاهرة للقوات البريطانية باحتياجاتها خلال الحرب. وذكر تقرير بنك مصر الصادر في مارس عام 1947 أنه على حل مشكلة الأرصدة "يتوقف إلى حد كبير مصير اقتصادنا القومي"، كما ذكر تقرير البنك الأهلي أن "الأرصدة اندمجت في الكيان الاقتصادي" وكل خفضٍ فيها "لن يلبث أن يعود بأوخم العواقب على الاقتصاد المصري عامة".
وعاش المصريون في مطلع خمسينيات القرن العشرين موجة من الغلاء والإضرابات والتجهور الاقتصادي.
وكان خفض نفقات المعيشة في مقدمة أولويات حكومة الوفد عام 1950، حتى إنها أعلنت في خطة العرش في 16 يناير 1950 أنها النقطة الرئيسية في برنامجها الاقتصادي، ثم طرح وزير التجارة والصناعة الوفدي في مارس 1950 خطة من 30 بندًا لخفض نفقات المعيشة، كما أقرت الحكومة في 20 فبراير من العام نفسه مضاعفة علاوة نفقات المعيشة لكل موظفي الحكومة بالمؤسسات الصناعية والتجارية، في الوقت الذي اتجهت إلى تحسين مستويات السكن الريفي، وزيادة المراكز الاجتماعية، وتمرير قانون لتسهيل إقامة دور رعاية للأرامل والأيتام وذوي الإعاقة والعجزة فوق سن الخامسة والستين، إضافة إلى السعي لإقرار قوانين سريعة للتأمين الاجتماعي للعمال الزراعيين والصناعيين.
وفي أثناء شهر رمضان عام 1373 هـ، والموافق شهر مايو 1954، شهدت مصر أزمة ارتفاع أسعار بعض السلع مثل: القمح والزيت والسكر واللحم، وهو ما دفع مجلة "روز اليوسف" إلى إجراء حوار قصير مع وزير التموين وقتها، د.محمد صبري منصور، في عددها رقم 1353، وكان السؤال الأول: "هل تنوي الوزارة اتخاذ إجراءات لتخفيض أسعار بعض المواد التموينية كالأرز والسكر وغيرهما؟".. وهو ما أجاب عنه الوزير بأن أسعار السلع التموينية كالقمح والسكر والزيت والأرز تقوم الحكومة بدفع إعانة لتحقيق الوصول إلى هذه الأسعار، ويؤكد الوزير في إجابته أن "هذه الأسعار منخفضة إذا قيست بأسعارها في الخارج".
وجاء سؤال المجلة الأخير: "هل تنوون تغيير نظام التسعير الجبري؟".. وأجاب الوزير: "لم يفشل نظام التسعير الجبري حتى نغيره، ولو تركنا السوق لارتفعت الأسعار".. ويضرب الوزير مثلًا بأسعار اللحوم قائلًا: "لو تركت دون تسعيرة لارتفعت بجنون".
ويبدو أن وزير التموين وقتها كان ضيفـًا دائمـًا على صفحات الجرائد والمجلات، حيث نشرت جريدة "الأهرام" في عدد 17 مايو 1953، بيانـًا أرسله الوزير إلى الجريدة موضحـًا به: "أسباب نقص الطماطم والخيار والتفاح وقمر الدين".
لا شيء يتغير في المحروسة!


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "تاريخ من الأزمات التموينية"

أكتب تعليقا