أنقذوا الأجور من الغلاء

| |







تأتى إعادة تشكيل المجلس الأعلى للأجور ضمن حزمة من إجراءات الحماية الاجتماعية التي تسعى الحكومة لتطبيقها لتخفيف حدة آثار الإصلاح الاقتصادي، لزيادة العاملين بالجهاز الإداري للدولة، ووضع حد أدنى للقطاعين الخاص والعام، وكذلك بحث زيادة أصحاب المعاشات.
في تصورنا أن أبرز ما يتعين مناقشته في أول اجتماعات المجلس هو تنفيذ مهامه المتعلقة بإعادة النظر فى الحد الأدنى للأجور للقطاعين الخاص والعام. وليس خافيـًا أن مهمة المجلس الأساسية هي تحقيق التوازن بين الأجور والأسعار، فضلًا عن أنه يختص بوضع الحد الأدنى للعلاوة السنوية الدورية.
قراءة التاريخ هنا قد تفيد في فهم مشكلات الأجور في مصر.
فقد بلغ متوسط نصيب الفرد المصري من الدخل السنوي ما بين الحربين العالميتين من 10 إلى 12 جنيهـًا مصريـًا. وحتى مع هذا المتوسط الهزيل، برز تفاوت كبير بين الدخول . وزادت الأجور قليلًا عقب الحرب العالمية الأولى بالنسبة إلى أسعار ونفقات المعيشة، التي بلغت في أواخر عام 1920 ثلاثة أمثال ما كانت عليه قبل الحرب، غير أن الأجور ظلت ضعيفة في عامي 1921 و1922، وكانت ساعات العمل في المتاجر 12 ساعة في اليوم.
وفي عام 1947، شهدت خارطة الأجور والمرتبات في مصر تغيرات لافتة للانتباه. فعلى سبيل المثال، بلغ متوسط المرتب الشهري للحاصلين على شهادة عالية من جامعات مصر كالتالي: (الدرجة الأولى) 75 جنيهـًا، (الدرجة الثانية) 62 جنيهـًا، (الدرجة الثالثة) 46.8 جنيه، (الدرجة الرابعة) 33.8 جنيه. وبالنسبة لأصحاب الشهادات المتوسطة (معلمون- تجارة- زراعة) فكان المتوسط الشهري للمرتب كالتالي: (الدرجة الثانية) 58.25 جنيه، (الدرجة الثالثة) 46 جنيهـًا، (الدرجة الرابعة) 32 جنيهـًا. المتوسط الشهري لأصحاب الثانوية (بكالوريا- كفاءة- ثقافة) كان كالتالي: (الدرجة الأولى) 78 جنيهـًا، (الدرجة الثانية) 60 جنيهـًا، (الدرجة الثالثة) 46.9 جنيه، (الدرجة الرابعة) 35 جنيهـًا. أما أصحاب الشهادة الابتدائية فكان متوسط مرتبهم الشهري كالتالي: (الدرجة الثانية) 60.2 جنيه، (الدرجة الثالثة) 48 جنيهـًا، (الدرجة الرابعة) 36.9جنيه.
في عام 1947 أيضـًا، تراوح أجر عامل الإنتاج في شركة الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى بين 10 و20 قرشـًا. وتراوحت الأجور في شركة مصر لنسج الحرير بحلوان بين 4 و15 قرشـًا مع إعانة غلاء تبلغ 100%، وفي شركة صباغي البيضا بلغ متوسط الأجور 17 قرشـًا بإعانة الغلاء. وفي شركة مصر للحرير بدمياط كان الأجر حسب الإنتاج، وتراوحت أجور العمال اليومية بين 11 و16 قرشـًا .
وضع مزرٍ، أدى إلى تفجير بركان الغضب العمالي في تلك الفترة.
ومع انتصاف القرن العشرين، حدد القانون رقم 210 لسنة 1951 تفصيل المرتبات الأساسية، وتحددت المرتبات السنوية للوزير وكبار الموظفين حتى مديري المصالح ما بين 250 جنيهـًا و1200 جنيه. أما مرتبات موظفي الكادر الفني العالي والإداري فقد تحددت ما بين 140 و180 جنيهـًا، كما تحددت مرتبات الكادر الكتابي ما بين 54 و72 جنيهـًا.
دعونا نُذِّكر هنا بأن أول حد أدنى للأجور في زمن عبدالناصر وصل إلى ١٨ قرشـًا في اليوم بما يعادل ٥ جنيهات شهريـًا، كانت تكفي لشراء ٣٤ كيلو جرامـًا من اللحم.
الحد الأدنى لأجور العاملين بالحكومة والقطاع العام كما نصت عليه بعض القوانين واللوائح، شهد ارتفاعـًا تدريجيـًا من 9 جنيهات شهريـًا وفقـًا للقانون رقم 58 لسنة 1961 حتى وصل إلى 35 جنيهـًا شهريـًا وفقـًا للقانون رقم 53 لسنة 1984. أما بالنسبة للقطاع الخاص، فقد ارتفع الحد الأدنى لأجر العاملين فيه من 40 قرشـًا يوميـًا (لمن هم 18 سنة فأكثر) أو 30 قرشـًا يوميـًا (لمن هم أقل من 18 سنة) وفقـًا للقانون رقم 64 لسنة 1974 إلى 20 جنيهـًا و15 جنيهـًا على الترتيب وفقـًا للقانون رقم 125 لسنة 1980، ثم إلى 25 جنيهـًا و19 جنيهـًا بقانون رقم 119 لعام 1981، وأخيرًا إلى 35 جنيهـًا وفقـًا لقانون رقم 53 لسنة 1984.7
في عهد أنور السادات بلغ الحد الأدنى للأجر الأساسي للعامل ١٦ جنيهـًا بموجب القانونين ٤٧، ٤٨ لسنة ١٩٧٨ المنظمين لشؤون العاملين بالدولة وموظفي القطاع العام. ويعادل هذا المبلغ ثمن ٣٢٠ كيلو جرامـًا من الأرز بسعر ٥ قروش للكيلو، وقتها. ووصل الراتب الكلي لخريج الجامعة في بداية اشتغاله بالجهاز الحكومي إلى ٢٨ جنيهـًا أواخر عصر السادات.
مع تولي حسني مبارك السلطة، زادت الأسعار بشكل أكبر، ولم يتم تحديد حد أدنى للأجور. وكان متوسط الدخل الأدنى حوالي ٢٠٠ جنيه في الشهر عام ٢٠٠٧، وهو ما كان يعادل ٤ كيلو جرامات من اللحم أو ٦٥ كيلو جرامـًا من الأرز.
في عام 2000 كان 43.9% من المصريين يعيشون على أقل من دولارين يوميـًا، بالمقارنة مع 7% في الأردن مثلًا.
حكومة إبراهيم محلب، قررت تطبيق الحد الأدنى للأجور بمبلغ ١٢٠٠ جنيه اعتبارًا من يناير ٢٠١٥، وتم تطبيق حد أعلى للأجور، لكن بقيت هناك ثغرة الاستثناءات من التطبيق، وأزمة الغلاء وارتفاع الأسعار، ليصبح التطبيق دون الآمال والتوقعات.
دعونا نفهم أهمية إحداث التوازن بين الأجور والأسعار، لضمان الحياة الكريمة للمواطنين والتوزيع العادل لعوائد التنمية.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "أنقذوا الأجور من الغلاء"

أكتب تعليقا