«فيدباك».. دمٌ أفسده الاحتقان!

| |






بعضُ البوح ملاحظاتِ انتحارٍ كبيرة.
وفي شجرة العائلة، قد تختلط الجذور بالسموم، التي يتغذى عليها اليأس، ويمكن للموت قراءتها بسهولة.
«أمي لسانها كالمضرب، لا يرحم أحدًا؛ كبيرًا كان أو صغيرًا. والحق أقول، كُلنا بلا استثناء ورثنا حِدة اللسان من أمي، ولكن بدرجات متفاوتة! » (ص 76).
«وأنا في دكان أبي، قبل أن يترك مهنته، ويستريح في البيت، ظلَّ أبي مستريحـًا في البيت أكثر من خمسة وعشرين عامـًا، تخيلوا معي؛ رجلٌ قابع في البيت، فقط يأكل وينام، لخمسة وعشرين عامـًا! » (ص 77).
هكذا تحكي «هُل»، إحدى بطلات رواية «فيدباك» عن أمها وأبيها. أما شقيقتها «كربوناتو» فتقول في موضعٍ آخر:
«كان أبي وأمي محيط عكننة، لا يكفّان عن الشجار، ليلًا أو نهارًا حتى في الأعياد والمناسبات، بل للصدق؛ أبي وأمي ينتهزان تلك المناسبات لتحسين مواهبهما الشجارية، وإثارة حالة من الاكتئاب تطول كل من في بيتنا أو يمر به» (ص 107).
في رواية سناء عبدالعزيز، الصادرة عن دار «بتانة» (القاهرة، 2017)، والحائزة على جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي الدورة السابعة 2017، نطالع بافتتانٍ لا يخلو من شعورٍ بالصدمة، سيرة عائلة تنتمي إلى عالمنا اليومي المعيش، رغم غرائبية الكثير من تفاصيلها المضحكة المبكية. أنت الآن بين يدي «بنأة»، و«قُهر»، و«أحمر»، و«دقدق»، و«هُل»، و«كربوناتو». «ست بنات بلا ظهر» (ص 111)، يحكين كُلَّ شيء ويَسترجعن مع الحكايات أنفسهن الضائعة.
«بعد لف ودوران، جابت كل واحدة فينا عريسها في إيدها، تزوجت أنا زميلي في شركة بيبسي، شكله ابن ناس، غير أنه من نفس الشاكلة التي كنت قد رفضتها من قبل، لا لون لا طعم لا رائحة، لم يعد ثمة مجال للاختيار؛ كل الطرق تؤدي إلى روما!» (ص 53).
تبدو هؤلاء النساء معنىَ غائرًا في تفاصيل الظمأ. يتجردن من ملح الأحزان، بحثـًا عن لحظات سعادة خاطفة. في صَمْتٍ تَسْقُط مِنَ الماء أسرار المطر.
في الصفحات الأولى، تحيا البطلة الأولى للرواية بين عالمين، وتصارع للتحقق والوجود بين مستويين من الحياة فرضتهما عليها ظروف عملها، فعاشت بين الواقع وصعوباته ومشكلاته، وبين العالم الافتراضي الذي تتعرّف على الناس فيه من خلال كلماتهم وعباراتهم المرسلة عبر مواقع التواصل المختلفة، حتى ينتهي بها الأمر في ذلك الانتظار المرير لردود الفعل سواء في حياتها الخاصة أو حياتها العملية التي تبنيها بمشقة درجة فدرجة.
تخوض الراوية رحلة بحث عن مفهوم الإنسان الكامل؛ من خلال وضع جميع الشخصيات تحت مجهر التقييم، حيث هناك رغبة فطرية لدى الإنسان في الجلوس على مقعد الاعتراف؛ هكذا تتناوب عليه الشخوص، تبوح بكلمات سريعة ثم تتنحى عن المشهد تاركة موقعها لمعترفٍ جديد عبر الفصول القصيرة نسبيًّا للرواية، والتي غلب عليها التداعي دون تمهيد إذا لم ينتبه القارئ لذلك. ساعد اختيار هذا الشكل للفصل القصير في تكثيف الدفقة الشعورية للشخصيات لتتلاءم مع الحالة الاعترافية المهيمنة، فلا مكان للمونولوغ الطويل؛ الاعتراف لا بدّ وأن يكون مختصرًا إلى أقصى حد، لأنه من الصعب على الإنسان الإطالة في مساحة تعرية ذاته؛ لذا تتعرى معظم الشخصيات على عجل؛ وهو ما يتماشى مع هيمنة الأدوار الأنثوية في الرواية، ومدى الثقل الذي يمثله العُريّ للمرأة.
بطريقة المقاطع القصيرة، ومن خلال استخدام أسلوب «تيار الوعي» الذي يقوم على حديث الشخصية بنفسها عن نفسها، واسترجاعها لأحداث خاصة بها أو بمن حولها، تُقدم الرواية نفسها للقارئ، ولا تقتصر على حكاية بطل الرواية «س» عن نفسها، بل تمنح أصواتـًا لأخواتها الذين منحهم أبوهم أسماء رمزيّة فوجدنا «بنأة»، و«قهر»، و«أحمر»، و«دقدق».
تستعرض البطلات/ الضحايا هشاشتهن، كلوحاتٍ فنية غامضة، برعونة من لا يملك شيئـًا ليخسره. هذا الوعي الشقيّ، لا يخفي حقيقة أن المرأة هنا هي السيدة التي لها أسماء واضحة، في حين تتوارى أسماء الذكور عادةً، كما أن هناك انتصارًا، يصل إلى حد الانتقام من هؤلاء الذكور، عبر النيل منهم، وإهانتهم، كما نرى في علاقاتٍ كثيرة في النص الروائي.
هناك دائمـًا مشاعر متناقضة تعتمل في نفوس بطلات الرواية. كل أختٍ ترى نقائصها في مرآة بقية أخواتها، مثل دمٍ أفسده الاحتقان. تقول «كربوناتو»:
«لم أكن في تفوق «بنأة» في الدراسة، والحقيقة لا أحد من أخواتي لحقها، فيما عدا «قهر»، التي كانت تناضل كمتسابق في سباق ملتهب، غير أنها، وهذا هو المهم، حصلت على شهادة جامعية، وكانت أوّل فرد في أسرتنا يدخل الجامعة، بعدها، وبحكم السن دخلت «بنأة» الجامعة وأصبح أبي لديه بنتان جامعيتان» (ص 108).
هذه هي الفتاة التي تقول عن نفسها: «أصبتُ بشلل الأطفال، كانت إحدى ساقي تنمو بشكل طبيعي، بينما الأخرى عالقة» (ص 110).
مثل روحٍ مدفونة في الجدار، تقول «هُل»:
«أنا الآن بموجب هذه الورقة أبلغ السادسة عشرة، تزوجت عم حمدي، ولم نكمل عامنا الأول حتى أنجبنا طفلًا، جميلًا كأمه، ومريضـًا كأبيه.
«كان حمدي مصابـًا بمرض خبيث، وكنت أرى تساقط شعره فوق الملاءات الجديدة، عروسة بقى! فأنكمش في نفسي، ورغم كم الركلات والصفعات التي تلقيتها من أبي وأخي، صممت على الطلاق. مسحتْ أمي بي البلاط، كانت تكبش شعري بكفّيها وتريه لي عندما ينخلع في يدها، وتحرقه على عين البوتاجاز حتى تظل رأسي تأكلني طوال الليل، ولكني كنت أقشعر عندما أتخيل أنني سأنام بجانبه يومـًا آخر، الضرب أهون!» (ص 77).
كفأسٍ تشهق لها الشجرة، تقول «أحمر»:
«وجهي أبيض كالشمع، على عكس أخواتي الخمس؛ فألوانُهن محايدة، وأخونا الوحيد لونه أغبر من لفحة الشمس، يعمل نجارًا؛ نجار مسلح، فعلى الرغم من أنه كان يعد بالكثير؛ تراجع أداؤه بشكل غريب وهو في الصف الثالث الإعدادي، أهمل دروسه وبدأ يتغيب عن المدرسة، ويلقي لنا في مدخل البيت بجوابات الرفت، يئس منه أبي بعد أن طرده من البيت آلاف المرات، وفي النهاية سلّمه لمقاول في عزبة الأطاوي ليعلمه النجارة» (ص 95-96).
تضم «قُهر» الرجاء إلى لائحة أمنياتها، وهي تقول:
«لم يكن يروقني هذا الاسم مطلقـًا، رحمة الله على أبي، اعتاد أن يبتدع لنا أسماء كتلك، ليس بوسعك الاختيار، نأتي إلى هذا العالم محملين بكل شيء سلفـًا، وليت الأمر يقتصر على مصيبة الأسماء التي لاتعجبنا، كل ما حولي لا يعجبني، أكرهه بدرجة مخيفة، أبي لا يهمه سوى أن أواظب على دفع الشهرية، والسماء لا تعطيني إلا بالكاد، أعرف أنني لا أملك وجهـًا جميلاً كبقية إخوتي، وإن كنت كما يقولون: مقبولة.
«رأسي لا تعمل جيدًا، والمدرسون السفهاء لا يرحمونني عندما أخطئ، يخرجون من فورهم من الفصل ويعودون بأختي «بنأة» التي تصغرني بعامين، لتحرجني أمام الجميع، وتجيب بدلًا مني» (ص 49).
المنذورات للأسى، يَفُكُّ القدر أَكْفانَهَنَّ على مَهل، لكنهن وهن في رحلة الموت البطيء لا يتخلين عن لعنة المقارنات.
«كل إخواتي تزوجن في سن صغيرة، وبقيت أنا و«بنأة»، ولكنها كانت في الوضع الأفضل، دائمـًا ما كانت بزيفها في الوضع الأفضل، فهي التي تطردهم، لا ترغب في الزواج، تغذي قلبها بتلك الخيبات مع رجال من المستحيل أن تتزوجهم، الغبية تعطيهم أدوار البطولة وهم لا يصلحون حتى في دور كومبارس، صحيح الحلو ما يكملش يا ولاه!» (ص 51).
تتكرر الأغاني والأمثال الشعبية والاقتباسات الشعرية على امتداد صفحات الرواية (146 صفحة)، ومن ذلك ما نطالعه كالتالي:
«كنا في شقتنا القديمة في بيت أبي، وكنت أسخِّن له العشاء، وكان هو يستحمّ، فأخذت أدندن بأغنية فايزة أحمد:
حبيت قليل الخير
باعك ولاف ع الغير
في حي غير الحي
خرج «واو» من الحمام ورغوة الصابون ما تزال على وجهه الذي شحب بشكل مفاجئ:
- انتي ليه بتغني الأغنية دي؟ - يعني إيه ليه؟
وقتها، أحسست بنغزة في قلبي، ما الذي أوجعه في أغنيتي؟، ربمّا لمست وترًا حساسـًا، رحتُ أتتبعه حتى تيقنت من خيانته» ( ص 104- 105).
تخوض النساءُ التجارب الموجعة كأنها أقدارٌ محتومة مخضبةٌ بالعويل، ليكون اختيارُ الألم كإعدادِ وصفةِ حلوى خاطئة.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

2 التعليقات على "«فيدباك».. دمٌ أفسده الاحتقان!"

أكتب تعليقا