لا تبيعوا الشركات الرابحة!

| |







في الوقت الذي أعلنت فيه حكومة شريف إسماعيل الموافقة على «أضخم موازنة في تاريخ مصر» للعام المالي المقبل، وجدناها تعرض على الرأي العام تفاصيل برنامج طروحات بعض شركات الدولة في البورصة، وعددها ٢٣ شركة وبنكـًا رابحـًا، منها «ميدور» و«إنبي» و«مصر للتأمين» و«التعمير والإسكان».
تخطط الحكومة، إذن، «ما بين ٢٤و٣٠ شهرًا للانتهاء من طرح ٢٣ شركة، منها ١٠ شركات موجودة في البورصة سيتم توسيع قاعدة الملكية المتداولة الخاصة بها، حيث تشمل الشركات قطاع الأعمال والبترول والقطاع المصرفي».
مع تسارع وتيرة الخصخصة، يبدو أن أول أخطاء برنامج الخصخصة هو بيع الدولة عددًا من مشروعاتها الناجحة التي تحقق أرباحـًا. لا نريد تكرار أخطاء عقدي التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة، حين أخذ البعض على الحكومات المتعاقبة أنها تركت للمشترين الجدد -ومعظمهم من أصحاب مكاتب الاستيراد والتوكيلات التجارية وأعمال السمسرة- الباب مفتوحـًا للشراكة العربية والأجنبية مع حقها في بيع هذه الأصول أو تغيير نشاطها. وترتب على ذلك إغلاق أعداد كبيرة من المصانع والشركات أو تغيير نشاطها أو التخلص منها وتحويلها إلى مشروعات عقارية.
في سباق حرق المراحل خلال آخر 30 سنة، جرى بيع أفضل الصناعات المصرية مثل صناعة الغزل والنسيج والمشروعات التجارية، وعدد من الفنادق وشركات الحديد والأسمنت والصناعات الدقيقة وشركات المياه الغازية ومصانع السكر والأسمدة والمواد الكيماوية. وأثير جدلُ كبير حول عدد من عمليات الخصخصة، مثلما جرى في 2 نوفمبر 2006 من بيع 90% من أسهم شركة عمر أفندي لشركة "أنوال" التي يملكها جميل القنبيط بمبلغ 589 مليون جنيه، في حين كانت التقديرات ترى أن قيمة تلك السلسلة تقترب من مليار و140 مليون جنيه. وبيع مصنع غزل شبين الكوم بمبلغ 170 مليون جنيه، على رغم أن التقييم الأساسي لسعر المصنع كان 325 مليون جنيه.
من أشهر حالات الخصخصة التي توصف بأنها نموذج لاستنزاف لموارد الدولة، صفقة بيع الشركة الدولية لصناعة المراجل البخارية والأعمال المعدنية (شركة النصر لصناعة المراجل البخارية وأوعية الضغط)، وصفقة طنطا للكتان والزيوت، والشركة العربية للتجارة الخارجية.
دعونا نذكِّر بما قالته المحكمة الادارية العليا في حيثيات حكمها برفض الطعن على حكم بطلان إحدى صفقات الخصخصة الشهيرة، وهي شركة غزل شبين الكوم؛ إذ قالت إن "الشر المستطير الذي يصاحب الخصخصة المدمرة لاقتصاد الوطن هو الخصخصة القائمة على الإذعان لبيع القطاع العام بشروط المؤسسات الدولية لإعطاء القروض والتسهيلات الجديدة والسماح بإعادة الجدولة لبعض الديون الخارجية، سعيـًا وراء تصفية القطاع العام".
خلال العقدين الأخيرين من عهد الرئيس حسني مبارك، شهدنا موجة خصخصة غير مدروسة شابتها شكوك وتساؤلات. ومع ازدياد توجه الاقتصاد إلى الريع، أدت سياسة الخصخصة إلى بيع قطاع مهم من مشروعات الدولة، وتوسع القطاع الخاص في مجال المقاولات، ثم تشعب إلى مجالات تجارية مصرفية وخدمية أخرى، وبدرجة أقل إلى مجالات الإنتاج السلعي في الزراعة والصناعة الاستهلاكية الخفيفة . وتشعب القطاع الخاص إلى ممارسة التوكيلات للشركات الأجنبية، وبخاصة متعددة الجنسيات. وصاحب هذا التوسع السريع ممارسات طفيلية أهمها المضاربة على الأرض العقارية، وعمليات السمسرة والوساطة والعمولات، فتفشى الاقتصاد غير الرسمي للطبقات العليا.
ويرى د.حازم الببلاوي، رئيس الوزراء الأسبق، أنه في كل مراحل الخصخصة، سواء في مرحلة "اللا مساس" أو مرحلة "المساس الخفيف" أو في المرحلة الأخيرة "المساس العميق"، فقد كان التوجه يتحدد بموجب قرار علوي من الرئاسة دون أي مساهمة واضحة من المؤسسات الأخرى.
ومن زراعة تتناقص مساحتها وإنتاجيتها يومـًا بعد يوم، إلى صناعة كانت ذات يوم واعدة، قبل مصادرة إمكانات تطور هذا القطاع الوليد إلى إقلاع صناعي حقيقي، آلت الأمور إلى "رأسمالية المضاربة" أو "رأسمالية الاقتصاد غير المنتج" التي لا مكان فيها لغير الكبار.
 وفي خاتمة المطاف انحدرت بعض فئات الطبقة الوسطى إلى مصاف الطبقة العاملة، وتزايدت معدلات البطالة، فيما هبطت تأثيرات الانفتاح والخصخصة والاقتصاد الريعي بالمظلات على الريف مثلما نزلت على المدن.
وأصبحت دعوات إصلاح هذا الخلل وذلك الاختلال الاقتصادي والاجتماعي، مجرد صيحةٍ في واد.
لا نريد لهذا الوضع أن يتكرر. على الأقل، ارفعوا أيديكم عن الشركات الرابحة.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "لا تبيعوا الشركات الرابحة!"

أكتب تعليقا