صبي السبعينيات.. سيرة الشارلستون

| |






تزخر المكتبة المصرية العشرات من الكتب والشهادات التي سجلت ذكريات وسير أبناء الخمسينيات والستينيات، وفي المقابل قلما وجد نصٌ يسجل شيئـًا من أجواء السبعينيات، وما ميزها من ثقافة وسياسة وأدب وفن.
في كتابه «كنت صبيـًا في السبعينيات» (دار الكرمة، 2017)، يحاول الناقد الفني محمود عبدالشكور سد هذا الفراغ، عبر تقديم جزء من سيرة حياته، وتحديدًا فترة طفولته ومراهقته. وهو في سطور كتابه يقدم تاريخ وطن وسيرة أمة وملامح شعب وخارطة سلوك وبورتريه تغير اجتماعي، كما يرصد مخاضـًا سياسيـًا عاشته مصر في تلك الفترة.
بأسلوبه السلس الجميل، وحسه فائق الرهافة وبصيرته النقدية الناصعة، يحكي المؤلف ما كانت تعيشه مصر ثقافيـًا واجتماعيـًا وسياسيـًا وفنيـًا وإعلاميـًا، إضافة إلى الأزمات والنكسات والانتصارات والاغتيالات والرموز الفاتنة والمفتونة، والجماعات المتطرفة والمتصوفة.
يقول محمود عبدالشكور عن هذه السيرة «هذا الكتاب قطعة من حياتي وزمني كتبتها بصدق وسعادة، آمل أيضـًا أن تصل إليكم بالحماس الذي كتبت به. في الكتاب ما يزيد عن سبعين صورة شخصية وعامة عن أثرى فترة في عمري، الفترة التي صنعتني رغم أنني كنتُ ما زلت صبيـًا، أحكي عن أبي وأمي وبلدي والمجتمع والناس والسياسة والفن والاقتصاد والرياضة والموت والحياة والبنات الحلوة وبيتنا في شبرا وبيتنا في الصعيد، عن أول فيلم وأول كتاب وأول مرة أمسك فيها القلم، أكتب عن عبدالناصر والسادات وهيتشكوك وثومة وحليم وفريق الأبا وجماعة التكفير والهجرة وبنطلوني الشارلستون وقمصاني الملونة وزوج عمتي الشهيد في حرب أكتوبر والمدافع المضادة للطيارات فوق كوبري نجع حمادي وساندويتش طعمية بالفلفل الأخضر التهمته قبل أول مرة أدخل فيها السينما وما زال طعمه على لساني.. أحاول أن أسترد معكم ذكريات لم تمت أبدًا».
ينتقل عبدالشكور بذكاء شديد من ذكرياته الخاصة، إلى أحداث مهمة أثرت في كل المصريين. إنها حكايات عن عائلة مصرية جدًا، من الطبقة المتوسطة، بدءًا من وفاة عبدالناصر، وانتهاءً باغتيال السادات!
فترة السبعينيات نفسها هي فترة تغيرات حادة وصدمات كهربائية وتقلبات سياسية واقتصادية غاية في العشوائية والتخبط، فترة انكسارات وانتصارات.
يبدأ الكتاب بالطفل محمود الذي تفتحت عيناه في الخامسة على مشهد جنازة عبدالناصر، والأهم مشهد أسرته وإحساس اليتم يلفها ويسكن وجدانها وينخر في أرواح أفرادها المشروخة، هذا الطفل ابن الطبقة المتوسطة سيحكي لنا شريطـًا سينمائيـًا عن السبعينيات، سيمس وجدان كل من عاش تلك الفترة بكهرباء سحرية.
هي رحلة يصحبنا فيها محمود عبدالشكور من مدينة نجع حمادي، العاصمة الصناعية لمحافظة قنا، إلى حي شبرا العريق في القاهرة.
يسرد الكاتب تفاصيل أول فيلم سينما شاهده وهو فيلم «من البيت للمدرسة» بطولة نجلاء فتحي ونور الشريف ورشدي أباظة من إخراج أحمد ضياء الدين.
يحكي الكاتب تفاصيل شائقة بذاكرة فوتوغرافية مدهشة، عن كل شيء، بما في ذلك الإعلانات التليفزيونية، وملابسات اغتيال الشيخ الذهبي وزير الأوقاف الأسبق على يد التنظيم المتطرف جماعة «التكفير والهجرة» بقيادة شكري أحمد مصطفى، وظاهرة نجم والشيخ إمام، فضلًا عن «مدرسة المشاغبين» ورحيل أم كلثوم وعبدالحليم، وحرب أكتوبر، وفوازير نيللي.
ينسج عبدالشكور من أغاني المرحلة وحكايات أصدقاء أبيه التي كان يسمعها واختزنها في الذاكرة صورًا للحياة في مصر من خلال مشاهد متلاحقة سرديـًا وزمنيـًا ومتشابكة على أكثر من مستوى. يقول على سبيل المثال:
«ضيوف أبي من زملاء المهنة. الأستاذ الديساوي أصلع وضحوك، يذهبان معـًا كل أسبوع إلى قرية باسوس في القليوبية لشراء أفضل أنواع اللحوم، ربما كان الكيلو وقتها لا يزيد على خمسة وسبعين قرشـًا. يحكي لي أبي أن المجمعات الاستهلاكية كانت تبيع كل شيء: من علب مربى «إدفينا» و«قها» حتى فاكهة التفاح. هناك صديق آخر لأبي كان يردد دومـًا عبارة لا تتغير، مازالت ترن في أذني حتى اليوم... اعلم يا أبتِ أن الأسرة كالخيمة، كلها ستر وغطا». لعلّ العبارة مفتاح الحكاية كلها، فتُرَ حماس الجيل للسياسة التي انتهت إلى هزائم مروعة، انفصلت الشعارات عن الحقيقة، لم تكن هناك سياسة إلا ما يتقرر من أعلى» (ص 27).
ربما يصلح الكتاب وثيقة لعلماء الاجتماع السياسي، سواء عندما يتطرق الكاتب إلى دهشة الصندوق السحري التليفزيوني، والانبهار بهذا اللاعب الأسطورة صاحب الشعر المنكوش الذي يحمل رقم 10 واسمه الخطيب، وحكاية أول فيلم، وأسطورة فريد شوقي ملك الترسو ومعشوق الصعايدة. كما يحكي عن السادات من تنصيبه بطلًا بعد أكتوبر إلى الهتاف ضده في مظاهرات يناير إلى اغتياله بأيدي من فتح لهم الباب، وبصمات الوجدان السبعيني بقلظ ماما نجوى، وحكايات بابا ماجد ونادي سينما يوسف شريف، وأحاديث الشعراوي، ومقتل المذيعة سلوى حجازي في حادث طائرة أسقطتها إسرائيل في عام 1973. ولا يغفل المؤلف وصف تطور الملابس في تلك الفترة من الشارلستون والفساتين القصيرة، إلى الجلباب والحجاب.
نحن أمام بناء سردي تمَّ ترميمه من ذاكرة ثرية منقوش عليها بصمات فنانين وأدباء وساسة وبشر، ما يجعل منه مخزنـًا فريدًا لا يعرف قيمته إلا من يدرك أن سيرة الحُكَّام يكتبها المؤرخون من أعلى استنادًا إلى وثائقهم المشكوك فيها غالبـًا. أما من يكتبون سيرة الأوطان فإنهم مؤرخون يشتقون التاريخ من أرواحهم ليقيلوا الأوطان من عثراتها.
الكتاب عامر بالنصوص الشعرية وكلمات الأغاني والمواويل الشعبية والفوازير وتترات الأفلام والمسلسلات، يستدعيها صاحب السيرة ويستعيد استجلاء جمالها وأثرها، يبرزها من جديد ويلقي بها في بؤرة الاهتمام والضوء، يقدم صفحات ناصعة من الاستجابة لجمال الفن والكلمة والصورة، ما يجعل هذا الكتاب رحلة ممتعة للقارء الباحث عن المعرفة الإنسانية بلا رتوش.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!