قانون رأس السمكة

| |




إن الأمم ذات التاريخ العظيم ليست محصّنة ضد الانتكاس والأمراض لكنها لا تموت، شريطة أن تتدارك أمرها وتصلح من مساراتها وتتخلص من الفساد وأهله.
ولأننا نسينا أن ما للإنسان يُسمى «حقـًا» وما عليه يُسمى «واجبـًا»، وهما متلازمان لا غنى لأحدهما عن الآخر، فإننا مطالبون بفهم الحقوق والواجبات، مع إدراك أن القانون -الوضعي والأخلاقي- هو الفيصل في كلا الأمرين. إن أداء الحقوق والواجبات والالتزام بالقانون هو فريضة الوقت. فلا يجوز أن نردد كلمات جوفاء عن حُبِّ الوطن ونحن لا نلتزم بالقانون ولا نؤدي الحقوق أو نتقاعس عن أداء الواجبات.
تحت هذه المظلة يقف العدل -بكل ما يعنيه من التزامات للفرد أو السلطة- والالتزام بكل المواثيق والنظم والقوانين والمبادئ القانونية والمجتمعية،
نحن بحاجة إلى فكر قادر على دمج السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي ليخرج لنا بحلول قادرة على تصحيح ما يظهره يوميـًا التحليل والتشخيص من عفن وعنف وفساد ووضع إنساني بائس يشجع على الانفلات ومخالفة القانون. لسنا هنا نتحدث عن حلول في شكل نداءات وتوسلات تتوجه إلى الالتزامات الدينية أو التعاطف الإنساني أو الواجبات الوطنية. إنما نتحدث عن بناء تركيبات وعلاقات وأنظمة ومؤسسات اجتماعية- سياسية تحمي الغالبية الساحقة من البشر من لهيب نيران المظالم الاجتماعية والاقتصادية، وتعيد الاعتبار إلى قوة القانون وفق مفهوم العدالة الناجزة، وأن تكون للدولة قوتها وقدرتها على إنفاذ القانون وضمان العدل والمساواة بين جميع المواطنين، مع رفض أي تدجين تام للمدرسة والجامعة وضمير الثقافة.
ينبغي على جميع أجهزة الدولة التصدي للممارسات المخالفة للقانون بحزم وشدة، وأن تبدأ بمحاصرة «الكبار والقطط السمان»؛ لأن «السمكة دائمـًا تفسد من رأسها»، ويجب ألا تكون هناك استثناءات للبعض سواء أكانوا أفرادًا أو هيئات ومؤسسات، حتى يشعر الجميع بأنهم سواسية أمام القانون، الذي يستطيع وحده -إذا ما تم تطبيقه حرفيـًا- تحقيق العدالة بين جميع المواطنين.
من هنا ننادي بأقصى درجات الحسم والحزم حتى لا يفلت الزمام، لإعادة الاعتبار إلى الأخلاق والقيم، وأبرزها قيمة العمل، والالتزام بمعايير الكفاءة والنزاهة، والانضباط في الشارع والمكتب والبيت.
لقد بات ضروريـًا إعادة النظر في المسؤولين في الوزارات والمحافظات والأجهزة المحلية وقيادات الجامعات والمؤسسات الوطنية الأخرى. نريد مسؤولين وطنيين يتمتعون بالكفاءة والأمانة، ولديهم الرغبة والرؤية، وكفانا مسؤولين مختارين من الأجهزة الأمنية لتقديم الولاء بدلًا من العمل المثمر.
علينا أيضـــًا إعادة الروح للجنة تنقية القوانين التي بدأت منذ سنوات ولم تحقق الهدف المرجو منها، حيث إن هذا هو مفتاح النجاح في وقف الفساد والمفسدين.
ومن الضرورة بمكان تشديد العقوبات لمن يتعمد الاحتكار ويزيد من معاناة المواطنين، ولمن يروج للمخدرات التي أصبحت تهدد صحة شبابنا في المدارس والجامعات، ولمن يتعمد مخالفة قوانين البناء على حساب أرواح الأبرياء.
إن مسارات الالتزام بالقانون خيرٌ من مساراتٍ مجهولة غير متوقعة، والعودة لقضبان القطار خيرٌ من الاستمرار في السير خارجها، نحن جميعـًا مؤهلون لذلك ولا ينقصنا سوى الوعي والانضباط والإحساس بالعدالة وقوة القانون.
إن من يدعي أن مصر فقيرة لا يعرف مصر جيدًا لأنها تُنهَب منذ أقدم العصور ولايزال فيها الخير إلى يومنا هذا، لكن الفقر الحقيقي في غياب الرؤى، وعدم تطبيق القانون بعدل وحسم، وعشوائية الإدارة التي تحمي نفسها بسلطة الأمن لا بسلطة العدل والعدالة، وفي غياب الكفاءات والخبرات اللازمة لتحقيق الاستفادة القصوى من الموارد.
دعونا لا نسدل الستار على ملفاتٍ وأزمات تؤرقنا كمجتمع وأفراد، آملين أن تختفي من تلقاء نفسه، بل لنلجأ إلى المكاشفة والمصارحة من دون حساسيات، فالاحتقان سيتصاعد طالما اكتفينا بتبني إصلاحات تجميلية على السطح من دون إخراج الأمر إلى العلن.
يجب أن يتم تطبيق أحكام القانون بصرامة على كل من ينتهك الحقوق ويخالف القانون، دون النظر إلى حسابات الطبقة والمكانة، والمال والنفوذ، وبعيدًا عن أي مواءمات سياسية أو مذهبية أدت بنا إلى ما نحن عليه الآن.
أتمنى لكم قراءة تجمع بين الفائدة والمتعة.

من مقدمة كتابي: «قانون رأس السمكة: أمة في خطر» (دار دلتا، القاهرة 2018)

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!