لصوص وأوطان

| |




على الحافة، تقف مصر، وهي تنظر إلى الهاوية تارة، وإلى الخلف تارةً أخرى. تلك هي حيرة وطن، تحيط به، وتمسك بزمام ملفاته الشائكة أو تؤثر على قراراته، حفنة من اللصوص.
يزيد من حالة الارتباك والاحتقان، غياب الكفاءة والشفافية والمحاسبة والرقابة والتوازن بين السلطات.
إننا لا نملك ترف الاستسلام للانفعال. وليس أمامنا بديل عن ترشيده من خلال البحث الجاد عن حلول لا تقع في فخ التهوين من أزماتنا ومشكلاتنا أو التهويل من شأنها.
إن تشريح أسباب الانهيار والإخفاق هو واجب الوقت.
ولقد رأينا البعض يكتب رأيـًا، البعض الآخر برقيات تهنئة وإشعارات شكر ورسائل تأييد، وينزلق إلى غياهب أفعل التعظيم وتمجيد صنيع الحكام، متجاهلًا الإخفاقات والأزمات والانتهاكات والمظالم. في المقابل، قلما نجد من يكتب بقلم وكأنه خارج للتو من محبرة الوطن.
ولعل رأي ابن رشد في كتابه «تهافت التهافت» الذي كتبه ردًا على كتاب أبي حامد الغزالي «تهافت الفلاسفة» حين قال إن الغزالي «لم يكن يطلب الحق وإنما أراد مداهنة أهل زمانه»، يمكن أن ينطبق على كثير من أهل زماننا هذا.
لا نود أن نستفيض في مسألة أهمية التحليل والنقد بأدوات الموضوعية وروح الحرص على نهضة الأوطان، فالنقد هو ضمير الأمة، وأمة بلا نقد هي أمة بلا ضمير. والأمة ذات الصوت الواحد هي أمة لا صوت لها ولا مستقبل.
ولعل أسوأ خيار ممكن هو فرض الوصاية على المستقبل بقوة القمع أو قهر الروح.
إن مصر المنهكة والمثقلة بهمومها وصراعاتها الداخلية فقدت الكثير من عافيتها وجاذبيتها، ناهيك عن سمعتها التي أصبحت محل انتقاد واسع في المحافل الدولية. مثل هذه المسائل الحساسة تظل كالجرح الذي يستعصي على أي اندمال مهما طال الزمن.
يتصل الحاضر بالماضي حين يتبين لنا أن مصر البيروقراطية المتخمة بالرئاسات والصلاحيات، والمتخمة دائمـًا بالسلطة التي تكاد تخنقها، بها فراغٌ موحش -لا يكاد يبرحها- في القيادة والإدارة وحتى الوعي بطبيعة تلك اللحظة من التاريخ. هكذا بقيت مصر على مدار تاريخها مستنزفة في معارك في كل مواقع السلطة صغرت أم كبرت، أكثر من انشغالها باستحقاقات الحياة وصراعها من أجل صنع مستقبل أفضل.
ما دامت الشفافية والمصارحة والإتقان والنظام من المستحيلات على أرض مصر، فإنه من المستحيل تبعـًا لذلك أن نتصور أن يكون هذا البلد في عِداد الدول المتقدمة في يوم ما.
لسنا بأي حال ممن يريدون نقل قنوطهم وتعب ذاتهم وضياعهم إلى أجيال المستقبل، ولا نحن من أهل النّقد العاطفي السّلبي العبثي للماضي والحاضر، وإنما غاية مرادنا ممارسة النّقد الموضوعي المحفّز لقوى الأمة والمشجّع على السّير في طريق الإصلاح والتغيير ومكافحة الفساد والاستبداد، دون إضاعة للوقت في لطم الخدود وذرف الدُّموع، والاكتفاء بالحسرة المعيبة على فرص مبشّرة كبرى ضاعت لأننا لم نحافظ عليها كشعوب تمتلك الوعي وإرادة التغيير.
إن رصد ما جرى خلال مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير يعد خطوة مهمة على طريق ملامسة الواقع وإدراك حقائقه التي تاهت وسط الحسابات والقراءات المغلوطة للأحداث من جانب والضجيج والمكايدة من جانب آخر.
ولعل أحد أسباب الخلاف والتباين في الآراء مصدره المعلومات المتوفرة لدى كل طرف، ذلك أننا نعاني في مصر أزمة كبيرة في الخلفية المعرفية. وتتجلى تلك الأزمة إما في نقص المعلومات وغياب بعضها، أو في تشويهها. بعض ذلك راجعٌ إلى اختلاف خبرة الأجيال والبعض الأكبر نتاج عمليات غسيل المخ التي تتعرض لها الأجيال الجديدة التي يكتسب بعضها -إن لم يكن أغلبها- مصادره المعرفية من وسائل إعلام فقدت تأثيرها، وإن بقي هديرها. وهذه النقطة الأخيرة مهمة للغاية، وتأثيرها شديد الوضوح في التجربة المصرية.
نقول هذا ونحن نعلم كم يَهُشُّ التابع الأعمى أي سانحة جدل أو نقاش، حتى لا يرتد بصيرًا!
في أوقات الأزمات المستحكمة، التي تتهدد المجتمعات بصميم مستقبلها، فإنها تحتاج إلى أوسع توافقات وطنية ممكنة، تراجع الأسباب التي أفضت إليها، وتعمل على سد الثغرات في بنيانها.
تحتاج مصر لتوافقات وطنية لا تلفيقات سياسية، فلا يمكن تجاوز الأزمات الصعبة بقوى غير سياسية لا تحتكم إلى قواعد الممارسة الديمقراطية، ولا أحزاب سلطة، تولد باليقين ميتة.
وسبيل النهوض والتوافق معروف، والمقومات يدركها كل دارسٍ ومهتم، غير أننا في مصر نخوض سباق موانع، وضعها الفاسدون والمفسدون، وأرسى قواعدها أعداء الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وأصحاب المصالح الخاصة التي يقدمونها على المصلحة العليا للوطن.
لا نبالغ إذا قلنا إن إرادة المصريين تعرف ما لا تريده. تستطيع أن تَصفَ ما تُنكِرُه وما لا تَقبَل أن تقومَ عليِه حياتها. كَفَرت لفظـًا بالاحتلال والاستبداد والفساد، ولكنها في الوقت نفسه لم تُطوِّر من أدوات تغييره إلا الاحتجاج عليه والثورة في وجهِه والسعي إلى إسقاطه، إلا أنها ما زالت تَقِف حائرة عاجزة لا تستطيع إبداله بِفَورة ولا بتدرج.. وبهذا فقط أطاحت بعرش استبداد في يناير ٢٠١١ وأزاحت بعضـًا من ركامه في يونيو ٢٠١٣ وإن بقي الكثير من الركام.
الإرادة المصرية في مأزق «نصف الخطوة»، تُحاصِر نفسها فيه بعجزها عن صناعة بدائلها واختياراتها. تظن أن رفض المرفوض هو قمة الرُشد وأن الاحتجاج عليه هو رأس الفضيلة، وتترك ما عدا ذلك وتلاه، وهو صناعة البدائل التي تملأ فراغ هذا المرفوض لِوَهمِ «داروينية» مجتمعية وسياسية، وكأن البدائل ستطوِّر نفسها بنفسها دون تفكير منهم أو عناء.
ألِفنا الصُراخ عند كل حريق يَلحَق بوطننا ومُجتَمعِنا، وزايَدنا على بعضنا بعضـًا في الإخلاص في الصراخ والصخب.. ومن عَجَبٍ ذَهَلنا تمامـًا عن البحث في أسباب كل حريق يلحق بمستقبلنا بل وأثَّمَنَا عمليـًا كل محاولة للبحث في أسباب ذاك الحريق. فالبحث في أسباب الحريق والعمل على مَنعِه قد لا يقتضي صُراخـًا ولا صَخبـًا بل يتطلب الهدوء والرَويِّة والتثبت. يقتضي إدارة للوقت وحوكمة الفكر والفعل، وحدًا أدنى من الرُشد وتحديد الوجهة قبل المسير.
وليس أقرب إلى قلب أي مستبد إلا تلك الحالة من إدمان الصخب، فما عليه إلا ملاحقة الواقع العام بكمٍ لا ينتهي من المولوتوف السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فما بين ضوائق اقتصادية وحُمق سياسي ورسائل لا تنتهي من الإهانة في كل وقت،  يَضمَن المستبد أن خطوة الوعي العام -أمام كل حريق ينشئه- لن تتجاوز نصف خطوة الاحتجاج، وهي تلك المُحَاصَرَة سلفـًا بالقمع الإجرائي والمادي. فجوهر القانون مجهض بالانتقائية والتسييس، أو مُنهَكُ مُستَنزَف في المسار الإجرائي، والقيم الكبرى من معاني الوطن وتاريخه وتضحيات أبنائه مبتذلة بالابتزاز الأخلاقي.. وإلا ما كان السير غلادستون المحتل ليقول إن «واجبـًا يقتضيه الشرف» هو ما يدفعه لاحتلال مصر وللبقاء فيها على غير رغبة أهلها.. حفظـًا لهم من شرور أنفسهم وفوضاهم!
لكل حلم استحقاقاته ولكل أمل معاركه.
تراجيديا الثورات -بالآمال العريضة التي تسقط من حالق- لم تمنع في أي وقت اتصال فعل الحركة الوطنية جيلًا بعد آخر للتصحيح وتعلم الدروس، وهذا ما يجب أن تحتذيه الأجيال الجديدة. لا يمكن إغفال ما يسميه أحد الفلاسفة بمكر التاريخ، ذلك أن بعض أهداف الثورة قد تتحقق، ولكن بعد فترة من اختفاء جيل الثوار الأوائل.
نحسب أنه في الأزمات والكوارث يكون إعلان الغضب واجبـًا، لكن ترشيده واستيعاب العبرة من تلك الكوارث يصبح أوجب. وفي مصر، فإننا مطالبون بألا نكون من «المعتصمين في الماضي» منهم، بل من «مستشرفي المستقبل» وصانعيه، عبر جهدٍ مخلص وعملٍ جماعي يرجو إنقاذ الوطن وبناءه على أسس الحرية والديمقراطية والنزاهة والتخطيط السليم.
نحن هنا، في كتابنا هذا، نحتكم إلى التاريخ والحقائق والضمائر الحية، ونحسب أن فطنة القارئ ستدرك حتى ما بين السطور. وشعارنا الرئيسي في كل وقت: فَكِّرُوا تَصِحُّوا.
أتمنى لكم قراءة تجمع بين الفائدة والمتعة.

من مقدمة كتابي: «لصوص وأوطان» (مركز الحضارة العربية، القاهرة 2018)

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "لصوص وأوطان"

أكتب تعليقا