فاسدون والله أعلم!

| |



عودٌ على بدء: الفساد.
إنه الملف الأخطر الذي يهدد أي جهودٍ للتقدم ومساعٍ للإصلاح، وهو أحد أطراف الثالوث الذي يقوض الدول والحضارات: الظلم والاستبداد والفساد,
وإذا كان ابن خلدون -مؤسس علم الاجتماع- رأى أن آخر أطوار الدولة أو الحضارة قبل انهيارها هو الإسراف والتبذير واصطناع قرناء السوء وإبعاد الصالحين الناصحين، فإن المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي يقول إن الحضارة عندما تصل إلى مرحلة تعجز فيها عن الاستجابة للتحديات التي تجابهها، وتفقد قوتها الأخلاقية والقيمية والروحية، فإنها تدخل في مرحلة الانهيار.
وفي مصر، نعرف الفساد كما نعرف أبناءنا، فهو ظاهرٌ في الشوارع والمكاتب والمجالس، وحاضرٌ في دواوين الحكومة وكواليس المؤسسات وأروقة القطاع الخاص. وهو ابن قلة الوعي وفساد الضمير، والمزاوجة بين الثروة والسلطة، وشبكة المصالح والمحاسيب التي تسيطر على مفاصل الدولة، وعدم الشفافية في ظل تغييب البيانات والمعلومات.
الكل في المحروسة يشكو من الفساد ويتذمر من استشرائه، فمن الذي يرتكبه، إذًا؟
وصل الوضع في البلاد فيما يتعلق بمسألة الفساد إلى ما يكن تسميته بمأسسة الفساد، فالسياسات الاقتصادية السلبية التي تراكمت على مدى عقود أدت إلى الخلل في الأنظمة الاجتماعيّة والسياسيّة، فحتى أصبح الفساد جزءًا من الثقافة العامة في المجتمع، وجزءًا من النظام السياسيّ يصعب إنكاره. وهكذا أصبحت الجهود المبذولة لمكافحة هذه الظاهرة أقل بكثير من المستوى المطلوب.
في السنوات الأخيرة، تحدثت أجهزة الدولة ووسائل الإعلام عن جهودٍ ملموسة لمكافحة الفساد وعلاج التشوهات الاقتصادية والاجتماعيّة الناجمة عنه، في حين رأى كثيرون أنه من العبث القول بوجود إرادةٍ جادة في مكافحة الفساد، لاسيما في ظل تبرئة الكثير من أصحاب المال ورجال الأعمال والمسؤولين، ممن كانت لهم سجلاتٌ مُخزية في الاستيلاء على المال العام أو هدره أو إساءة استعمال السلطة.
الشاهد أنه من كثرة غرق المصريين في الفساد تراهم يتطلعون للإصلاح، ومن شدة إحساسهم بالركود والدوران في المحل تجدهم يأملون في التغيير، غير أن للإصلاح شروطه، كما للفساد مظاهره، ولا علاج لهذه الظاهرة المؤرقة للجميع، إلا بتنفيذ إصلاحات شاملة وردع الفاسدين وسد الأبواب والذرائع التي تجعل من هذا الأمر  "قاعدة" في أرجاء البلاد.
بل إن الفساد في مصر لا يعدم من يحاولون تبريره وتسويغه والتهوين من شأنه، وهذا من سمات المجتمعات المتخلفة، حتى وإن كان نصيبها من التعليم كبيرًا، فالتربية الرثة تقوم على تغييب العقل وتقييد الإرادة وتبتعد كل البعد عن المنهج الجدلي، وتكون النتيجة سوء التنظيم والفوضى والعشوائية والأنانية.. والفساد.
والفساد في مصر أصنافٌ وأشكالٌ ومسميات.
لعل المشكلة الأكبر في مافيا الفساد من مغتصبي الأراضي ومن بعض رجال الأعمال وكبار المستثمرين، الذين أثروا على حساب الشعب، وفئة من صناع الحديد والسيراميك والأسمنت وبناة الفنادق والقرى السياحية والمنتجعات وتجار الأجهزة الطبية وأجهزة الاتصالات وسماسرة البورصة.. إلخ.
إن أزمة مصر الحقيقية تكمن في غياب الإدارة السليمة التي تتمتع بالكفاءة والنزاهة والقدرة على التخطيط السليم والعمل الجماعي المنظم، وأزمة مصر في أن الإدارة خاضعة للصدفة وأحيانـًا الفهلوة، والسياسة مرهونة للعقول العاجزة عن الابتكار، والتغيير يمثل خطرًا حقيقيـًا على أصحاب المصالح، أزمة مصر في أن أصحاب الكفاءات لا يزالون بعيدين كل البعد عن مراكز اتخاذ القرار، وهنا مكمن الخطر.
وربما جاز القول إن معضلة مصر هي في «استثقال العدل واستثقال العقل».. هي في مجتمعٍ مُتَظَالمٍ يبرر الفساد ويُسَاومُ على العدل.
ولاشك أن مكافحة الفساد ضرورة ومصلحة وطنية وركيزة أساسية من ركائز الإصلاح وخطوة مهمة على طريق استعادة ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها من أجل إنقاذ سفينة الوطن
من الضرورة بمكان أن يحدث اشتباك مع الأجهزة والمؤسسات المعنية في مصر لتعيين المساحات والآليات التي يمكن النفاذ من خلالها إن للضغط بهدف الحد من الفساد والإصلاح التدريجي، أو لاستعادة توازن مفقود بين المؤسسات المختلفة، أو للمنافسة الانتخابية في مواجهة نخب مسيطرة بالتوريث أو النفوذ، بالتعاون مع مجموعات المتنفذين والمالكين.
على سبيل المثال، يمكن فيما خص مسألة الفساد الارتكاز إلى تمييز صريح بين صنوف منه يمكن اليوم مواجهتها لحضور إرادة الحُكم كالتعديات على الأراضي ذات الملكية العامة واستغلال المنصب العام للتربح (فساد الأفراد)، وبين ما لا يمكن مواجهته لغياب تلك الإرادة كشبكات المصالح الحاضرة داخل مؤسسات الدولة لحماية احتكارات كبرى في القطاعات الاقتصادية والمالية وكالتفاوت الهيكلي في توزيع العوائد المادية وعوائد النفوذ داخل بنية الدولة بين مؤسسات تحابي فئات وشرائح معينة ومؤسسات تهمش كوزارات الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة (الفساد المؤسسي).
مواجهة الفساد فريضة وفضحه هو واجب الوقت.
وهذا تحديدًا ما تسعى إليه سطور هذا الكتاب.

أتمنى لكم قراءة تجمع بين الفائدة والمتعة.

من مقدمة كتابي: «فاسدون والله أعلم» (دار دلتا، القاهرة 2017)

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "فاسدون والله أعلم!"

أكتب تعليقا