أكثر من «ماتريوشكا»!

| |





«تؤرقني رقابتي على ذاتي وعلى ما أكتب، ربما أكثر مما تؤرقني رقابة «الغرباء».. تزعجني وتخلق مواجهات عدة بيني وبيني» (ص 10).
هكذا تهديك سلمى أنور أول مفاتيح حكايتها في كتابها «ماتريوشكا: نساء من داخل نساء»، فهي تعترف قائلة: «أنا لا أكاد أدلل ذاتي هكذا.. بل إن رقيبي الذاتي يقف على سن قلمي بلا كلل، ليمنعني من ذلك النوع من التدليل، حتى وإن كان ذلك سرًا» (ص 12).
الخبر السار هو أن سلمى نور تبوح في هذا الكتاب بأسلوبها الأدبي السلس الرشيق وتقودنا إلى عالمها وعالم أخريات من هنا ومن هناك، من خلال حكايات غاية في الواقعية والطرافة والإمتاع، تمت صياغتها بحس أدبي وبراعة سردية عالية ومتقنة، مع حضور واضح للمعلوماتية والإلمام ببعض الأسرار والخبايا والتفاصيل الإنسانية للشخصيات التي حكت لنا سلمى عن حياتهن وما في تلك الحيوات من مآسٍ وآلام وعقد وصراعات.
اللافت للانتباه في الكتاب (دلتا للنشر، القاهرة، 2018)، هو تلك المقدرة على استعراض هذا الخليط من الشخصيات بتمايز ومهارة وحميمية في ذات الوقت تجعلك تشعر بأن الكاتبة قد التقت أو عاشت مع كل شخصية من شخصياتها المختارة، وكلها شخصيات نسائية خالصة، وحسب تعبير سلمى:
«لطالما هُيّئ لي أن عائلتي مكوّنة من نساء فحسب!
«ربما لأن نساء عائلتي كثيرات ومترابطات ومملوءات بالحياة والقدرة على صناعتها بعيشها، وإعادة صناعتها بحكيها.. وربما لأن وعيي تفتّح وتشكّل إدراكي في حجورهن: جدتي، أمي، خالتيّ... ومن بعدهن الجيل الثاني أختي وبنات الخالتين، ثم الجيل الثالث ابنتي وبنات بنات الخالتين، ثم انضمّت زوجتا شقيقيّ الذكرين للمشهد،وأنجبتا مزيدًا من النساء الصغيرات جدًّا!» (ص 7).
عن اختيار اسم «ماتريوشكا» تقول: «نحن عائلة من النساء يضعن نساء يحبلن بدورهن في نساء.. أو هكذا أتصوَّر أنا منذ زمن.. ولأننا هكذا، فالمشهد يبدو لرأسي التي يحلو لها صنع مشاهد «سيريالية» على الدوام كما لو كنا -نساء عائلتي وأنا- مجموعة «ماتريوشكا».. الدُمية الروسية التقليدية الملونة التي تبلغ من العمر ما يزيد على قرن من الزمان، والتي تتخذ شكل بيضة مُغلقة، تفتحها فتجد بداخلها دُمية أخرى تشبهها تمامـًا لكن تصغرها في الحجم، وهذه الصغرى أيضًا تحوي بداخلها دمية أخرى تصغرها.. وهكذا دمية من داخل دمية حتى تصل إلى القلب الذي هو دمية الماتريوشكا الصغرى في هذا النسق. أنا في داخل أمي، وزينبي الصغيرة في داخلي، وأمي في داخل أمها... » (ص 7)، «كنتُ دومًا محاطة بالنساء، وأكثر حكاياتي بطلاتها نساء، نساء في خلفيتهن سفر، نساء في خلفيتهن فقر، نساء في خلفيتهن سجون، نساء في خلفيتهن بيزنس، نساء في خلفيتهن رجال.. ونساء في خلفيتهن حروب» (ص 23).
ينقسم كتاب «ماتريوشكا» إلى جزأين، الأول: فيه تتجول سلمى وسط «الماتريوشكات» الكثيرات التي كبُرت في داخلها، أو التقت بهن عرضًا في العالم الكبير، بعد أن خرجت إلى نور الحياة.. أما في الجزء الثاني فهي تجعلنا نعيش معها مع الماتريوشكات التي قرأت عنهن هنا أو هناك، أو شاهدتهن في فيلم وثائقي أو عمل درامي.
عن طفولتها تحكي لنا سلمى: «في طفولتي المبكرة، حذّرتني أمي من حدة الأمواس.. لكني لم أكفّ عن تحسس أمواس الحلاقة في أدراج أبي، إلا بعد أن قطعتُ باطن يدي! وحذرتني من فضولي إزاء علب الثقاب، لكني لم أكفّ عن تجريب إشعال الأعواد في العلب الصغيرة التي كانت توقد منها جدتي البوتاجاز، إلا بعد أن أحرقتُ أطراف أصابعي.. وحذرتني من القفز من مشربية بيت جدي على تكعيبة العنب القريبة الهشّة، لكني لم أرجع عن التخطيط ومحاولات القفز، إلا بعد أن كادت تسقط بي التكعيبة في حوش الجيران.. في طفولتي، لم يكن شيء يردع تهوُّري..إلا الألم..» (ص 21).
وعن تجربتها مع التمثيل المسرحي، تقول: «كنتُ في الثانوية العامة، أتعلّم أن أحتسي القهوة التركية المُركّزة كي أسهر الليل بطوله أُحرقُ أعصابي؛ كي أُحصّل أعلى الدرجات، علِّي ألحقُ بركب كُليَّات القمة. لكنَّ ندَّاهةَ المسرح كانت أكثر إلحاحًا وأعلى صوتـًا من أن أهملها لصالح حضور الحصص ومتابعة الدروس الخصوصية، والجري وراء الدرجات النهائية.وسط قلق الأسرة على مستقبلي الدراسي، التحقتُ بفريق المسرح، وصرتُ أقضي أوقاتًا طويلة في البروفات؛ أمارس بحماسة ودماء فائرة على جنون الفن السابع.
«وكان أستاذ «ف» مدرس اللغة العربية المسؤول عن ضبط أدائنا اللغوي، حريصًا على متابعتي وتشجيعي، وقد لمس افتتاني بخشبة المسرح. وبين البروفات، وفي الأوقات التي كان يجدر بي أن أغادر المسرح كي ألحق شيئًا من الدروس التي فاتتني، وأنا أتابع رحلة «نجوميتي المسرحية»، كان أستاذ «ف» يستبقيني ليشاركني حكايات طفلته المُصابة بمرض التوحد الغامض، وكيف أنها تبدو له في صمتها كتمثال جميل نسوا أن ينحتوا له لسانًا. كان يحكي بأسى وأنصت عاجزة عن التعليق، فأقول في نفسي: فلتذهب الدروس والدرجات وكليات القمة جميعًا إلى الجحيم! سأُنصت مرة ثانية وثالثة وزيادة لحكاية التمثال المتوحد الجميل، لأشارك الأستاذ «ف» برأس محنيّ ولسان عاجز حزنه الجليل» (ص 27- 28).
البوح الشفيف يحطم الصمت.. ويتمرد على قانون «ماتريوشكا»!

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!