شعراء الحبس والحرية

| |





في كتابه "شعراء الحبس والحرية"، يرصد الشاعر أحمد سويلم مجموعة من أهم الشعراء القدامى والمحدثين الذين كان الأسر أو السجن أو النفي قاسمـًا مشتركـًا بينهم.. مهما تنوعت الأسباب التي أدت بهم إلى ذلك. إن الشاعر إذا كان أسيرًا، أبدع تجربته في الأسر في قصائد تصف تلك المعاناة القاسية التي قيدت حريته وأهانت نفسه، كما حدث مع المعتمد بن عباد في الأندلس، وأبي فراس الحمداني لدى الروم، ومن قبلهما عبد يغوث الحارثي في العصر الجاهلي.
وعبر كتابه، الذي يقع في 256 صفحة من القطع المتوسط، نبحر في عالم هؤلاء الشعراء القدامى والمحدثين، مع رسم صورة حقيقية لتلك المعاناة. اهتم المؤلف بتقديم نبذة سريعة عن كل شاعر ومحنته (أسيرًا أو سجينـًا أو منفيـًا) مع الإشارة إلى أشعاره ورصد تمرده ومعاناته.
في الكتاب الصادر عن دلتا (2018)، يبدو جليـًا أن الاختيارات لم تعتمد على عامل شهرة الشاعر في الأساس، وإنما حرص المؤلف على التنقيب في تاريخ الشعر -قديمـًا وحديثـًا- لتقديم بعض الشعراء الذين قد يجهلهم القراء لعدم شهرتهم.
من الشعراء المحدثين، نطالع قصص محمود سامي البارودي وأحمدى شوقي وعبدالحميد الديب ونجيب سرور والبياتي ومحمد عفيفي مطر ومظفر النواب ومحمود درويش وعبدالله البردوني ومعين بسيسو ومحمد مهران السيد وجيلي عبدالرحمن وكمال عمار وفهد العسكر وعبدالرحمن الخميسي.
يحكي الكتاب عن طرفة بن العبد، الذي يسميه المؤلف "شهيد الكبرياء"، فقد قصد طرفة ملك الحيرة عمرو بن هند هو وخاله المتلمس.. وكان خاله شاعرًا أيضـًا، فقام الاثنان بمدح الملك عمرو وأخيه قابوس.
حاول عمرو بن هند أن يقربهما وأن يجعلهما من ندمائه، لكن جفوة حدثت بين الملك عمرو بن هند وطرفة، وقيل إن الأخير تغزل في أخت الملك ونظم فيها شعرًا. وغضب الملك أكثر حين بلغه أن طرفة يهجوه في قصائده، ولم يشأ أن يقتله بنفسه خشية إثارة ثارات جديدة مع قبيلة بكر، فدبر مؤامرة لطرفة وخاله المتلمس، إذ أعطى كلًا منهما كتابـًا وطلب منهما أن يذهبا إلى عامله في البحرين، وزعم لهما أنه طلب منه في الكتابين مكافأة الشاعرين.
سافر الشاعران إلى البحرين كما تقول المراجع التاريخية، وهي ليست البحرين التي نعرفها الآن، بل هي كما تشير تلك المراجع قُطرٌ يقع في الشمال الغربي من عُمان ويمتد شمالًا حتى حدود العراق ويمتد غربـًا بأرض صحراوية إلى مرتفعات نجد واليمامة.
شك خاله في فحوى الكتاب وعرضه على صبي يقرأ من صبيان الحيرة فعرف أنه أمر العامل بقتله لا مكافأته. حاول المتلمس إقناع طرفة بالهرب، لكن الأخير أصر على مواصضلة رحلته، في حين فر خاله إلى الشام.
وصل طرفة إلى عامل البحرين وأعطاه الكتاب، فسأله:
-أتعلم ما أُمرتُ فيك أتعرف؟
قال طرفة:
ـ نعم، أمرت أن تجيزني وتحسن إليَّ؟
فقال: إن بيني وبينك خؤولة أنا لها راعٍ فاهرب من ليلتك هذه.
غير أن طرفة أبى أن يفعل ذلك، فحبسه عامل البحرين في سجن خاص وكتب إلى عمرو بن هند رافضـًا أن يقتل طرفة. أرسل الملك عاملًا آخر على البحرين، وأمره بقتل طرفة.
أقبل الرجل على طرفة وقال له:
إني قاتلك لا مفر، فاختر لنفسك ميتة تهواها.
فقال طرفة:
ـ اسقني خمرًا وفصدني.
ففعل، فما زال ينزف دمه حتى مات.
...
إن مطالعة كتاب عن  هؤلاء الشعراء ومعاناتهم ممتعة إلى حد كبير، لما فيها من تفاصيل ثرية وأبيات شديدة الرهافة والعذوبة عن تجربة السجن والأسر والنفي في بلاد الله.



ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!