الوزير في الثلاجة

| |



بيوت العاجزين قبور.
وكذلك الحال حين نتكلم عن الحكومات وأعضاء مجالس الوزارات.
وإذا كان هناك من ينصح بالصبر على هذا الوزير المقصر أو ذلك الوزير الفاشل حتى يتم استبعاده في تغيير وزاري، فإن لنا أن نتساءل -والحال كما نقول- عن حظوظنا من الثقة والأمل، وما إذا كانت تُعيننا على الصبر راضين، أو تُلجؤنا إليه مرغمين وكارهين.
القضية ليست في تغيير الجياد، وزير بدل آخر، بقدر ما هي تغيير السياسات التي ثبت فشلها وطريقة الاختيار التي تجمع بين غياب الرؤية والسقوط في فخ الأهواء الشخصية والاعتبارات الأمنية.
جوهر الأزمة في السياسات والخيارات وطريقة اختيار الوزراء واستبعاد كل ما له علاقة بالسياسة في إسناد المناصب العامة، وسط حالٍ من التلعثم والعشوائية التي تسود دوائر صنع القرار عند تشكيل الحكومات واختيار الوزراء.
والنتيجة انكشافٌ لا نهاية له.
من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب، الذي يقلِّبُ في صفحات التاريخ، بحثـًا عن قضايا الوزراء والاستوزار، ما بين الاختيار إلى الإقالة أو الاستقالة، وتقويم الأداء، وسبل خلق وعي سياسي وإعلامي لدى الوزير، حتى وإن كان من التكنوقراط، قبل أن يسقط هذا الوزير أو ذاك في بئر زلات اللسان أو التصريحات التي تسيء إلى الحكومة أو حتى السلطة، فالرصاصة حين تنطلق تصيب ضحاياها ويكون لها دويّها.
الأخطر من ذلك، هو أن يجمد الوزير في بلادنا نفسه وقراراته طوعـًا، وأن يبقى ساكنـًا وساكتـًا في ثلاجة الحكومة، غير عابئ بمن ينتقدون أصحاب الأيدي المرتعشة، على أمل أن يظل في منصبه لأطول فترةٍ ممكنة، مستمتعـًا بمزايا انتمائه إلى نخبة السلطة.. فالذي لا يعمل لا يخطئ!
هكذا تتكدس قائمة الحكومة بأسماء وزراء جاءوا ثم غادروا دون أن يتذكرهم أحد، إلا سجلات التاريخ والمواقع الرسمية.
قد تستوقف البعض حقيقةٌ مفادها أنه في الوقت الذي تلجأ فيه دول العالم إلى تقليص عدد الحقائب الوزارية، وفقـًا لأهمية تلك الوزارات، ظلت مصر ماضية في طريق في استحداث عدد من الوزارات وتشكيل حكومات تضم أكثر من 30 وزيرًا، مقارنة ببلدٍ مثل الولايات المتحدة تراوح فيها عدد الوزراء ما بين 12 وزيرًا في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1968 و15 وزيرًا في عهد الرئيس دونالد ترامب عام 2017.
وفي سِفر الحكومات والوزارات في المحروسة، سنجد العجب العجاب، من اختياراتٍ غير مدروسة دفعت مصر وشعبها ثمنـًا باهظـًا لها، ومن قرارات طائشة تستحق المحاكمة وليس فقط الإقالة، ومن تصريحات يمكن أن نسميها زلات لسان أو سقطات من باب التهذيب ليس إلا!
مما يدعو إلى الأسى أننا لا نعرف مواصفات الوزير المطلوب أو الحكومة التي نتطلع إلى تشكيلها، ونجهل سبل اختيار الأكثر قدرة وكفاءة على إدارة البلاد. نحن لا نعرف لماذا جئنا بهؤلاء الوزراء، ولا نعرف أيضـًا لماذا ذهبوا، وهذا هو لب القضية.
في كل مرةٍ نترك مسألة إجراء تعديل وزاري محدود أو تشكيل حكومة جديدة نهبـًا للاحتمالات والشائعات والتكهنات حول حجم التعديل واتجاهاته وشخوصه. وفي كل مرةٍ كل طرفٍ يصنع روايته ورؤيته حول التعديل على هواه، وحسب مصالحه وتحالفاته وعداواته، وليس بناء على حقائق موضوعية.
فور إعلان أسماء أعضاء التشكيل الوزاري، يجتهد الإعلام في البحث عن معلومات عن هؤلاء الوزراء، من دون أن يقطع أحدٌ بقدرة الوزراء الجدد على امتلاكهم المواصفات اللازمة للمنصب، ومن أهمها الكفاءة والقدرة على مواجهة الأزمات، وإيجاد الحلول السريعة لمشكلات المواطن، وتقديم الخدمة له في أفضل صورة، والتأهل العملي ممزوجـًا بالخبرة، والقدرة على فرز الأولويات وتنفيذها، والتخطيط السليم للمستقبل.
من بين النصوص الحالمة في دستور مصر، المادة ١٤٧ التي تشترط عند إجراء أي تعديل وزاري التشاور مع رئيس الوزراء، وموافقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس، أي موافقة ١٩٩ عضوًا على الأقل، وكذلك في باب الحكومة، المادة ١٦٨، التي تؤكد أن كل وزير في الحكومة يتولى وضع سياسة وزارته بالتنسيق مع الجهات المعنية وقيامه بتنفيذها والتوجيه والرقابة في إطار السياسة العامة للدولة.. وأن تشمل كل وزارة وكيلًا دائمـًا، بما يكفل تحقيق الاستقرار المؤسسي ورفع مستوى الكفاية في تنفيذ سياستها.
وللقارئ الرأي الفصل في مدى تطبيق هذه النصوص على أرض الواقع.
استقر في ضمير المصريين أنهم مجرد متفرج في عملية اختيار الوزير أو تغييره، وفي عهودٍ مضت كان الوزير يبقى في منصبه رغم السخط الشعبي، بسبب عناد السلطة التنفيذية التي لا تريد أن تبدو في حالٍ من الضعف والخضوع لإرادة المواطن. وفي هذه المفارقات، تبرز ملامح تلك العلاقة بين السلطة من جهة والشعب من جهة أخرى.. وبينهما هذا الوزير أو ذاك.
غير أن الحاجة تبدو مُلحة لإعادة ترتيب هذه الأوضاع المغلوطة، في ضوء تجاربنا السابقة، التي أورد كتابنا هذا جانبـًا منها.
هنا لنا أن نتساءل: هل هناك جهات ومراكز بحثية في الدولة لديها قاعدة بيانات متكاملة تضم الكفاءات في مختلف التخصصات لطرحها على صاحب القرار لاختيار البديل الأفضل الذي يحقق أكبر عائد ممكن لمصلحة البلاد في ظروف معينة، أم أن الأمر يظل متروكـًا للسلطة التنفيذية، سواء أكان المقصود بذلك هو الرئيس أم رئيس الوزراء المكلف، لكي يقوم بالاختيار من بين دائرة ضيقة من البدائل والخيارات تعتمد في الغالب على المعرفة الشخصية أو ترشيحات المقربين، التي تحكمها في الغالب اعتبارات شخصية لا تراعي الصالح العام؟
نحن بحاجة إلى المعايير وأساليب صحيحة للاختيار والتقويم، وإن نجح هذا الكتاب في إضافة جديدٍ بشأن هذه المسائل المتعلقة بالوزراء والحكومات في مصر، فسنكون راضين عن الأثر الإيجابي لما سطرناه.
يبقى أني كتبتُ في هذه السطور رأيي بصراحة ونزاهة، فلا أنا من معيَّة الأمير، ولا من حاشية السفير، ولستُ أبغي إلا مستقبلًا أفضل يستقرئ التاريخ ويستوعب دروسه.
أتمنى لكم قراءة مفيدة وممتعة.

من مقدمة كتابي: «الوزير في الثلاجة: كواليس صناعة وانهيار الحكومات في مصر» (دار دلتا، القاهرة 2017)

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "الوزير في الثلاجة"

أكتب تعليقا