لكم في التراث حياة

| |






اجتهد الكتاب والأدباء والمؤرخون العرب على مر التاريخ في جمع الحكايات والحِكم والأمثال والطرف والنوادر، وصنفوها في مصنفات موسوعية مشهورة ومتعددة.
وهذا المعين الثري لا ينضب أبدًا، ينهل منه كل كاتب ويضع اختياراته في دائرة خاصة به. ومن ثم تختلف هذه الاختيارات من كاتب لآخر.
والكتاب الذي نحن بصدده، "حكايات ومواقف من قلب التراث" (دار دلتا)، للباحث حاتم صادق، يلتزم منهجـًا دقيقـًا ومميزًا يقوم على حسن الاختيار، وخفة الظل، ووضوح الرؤية والقيمة، ومعاصرة المعنى.
يقدم لنا حاتم صادق خلاصة قراءات كثيرة ومتنوعة عبر رحلة طويلة وممتدة في عشق وغواية التراث. هي، إذن، منتخبات ومختارات من كتب التاريخ، وفي مقدمتها (تاريخ الأمم والملوك) للطبري، و(الكامل في التاريخ) لابن الأثير، و(البداية والنهاية) لابن كثير، و(تاريخ دمشق) لابن عساكر.
وأيضـًا هي -في أغلبها- اختيارات من تلك الكتب ذات الطبيعة الموسوعية التي سادت في الأدب والتراث العربي، مثل (العقد الفريد) لابن عبد ربه، (المستطرف من كل فن مستظرف) للإبشيهي، و(عيون الأخبار) لإبن قتيبة، و(الكشكول) لبهاء الدين العاملي، و(نَكت الهميان في نُكت العميان) للصفدي، و(زهر الآداب) لأبي إسحاق القيرواني، و(أخبار الأذكياء)، و(أخبار الحمقى والمغفلين)، وأخبار الظراف والمتماجنين) وهؤلاء الثلاثة لإبن الجوزي، و(البيان والتبيين) و(البخلاء) وكلاهما للجاحظ.
وبهذا استطاع أن يقدم لنا صفحات منتقاة مصطفاة، تضاف إلى جهد القدامى، ولكن في ضوء الواقع المعاصر.
يتوقف الباحث -على سبيل المثال لا الحصر- عند ثمن اشتغال المثقفين في خدمة السلطة، ويورد ما قاله أبو حامد الغزالي في (إحياء علوم الدين) كالتالي: "لا تسمح نفوس السلاطين بعطية إلا لمن طمعوا في استخدامهم، والتكثر بهم، والاستعانة بهم على أغراضهم، والتجمل بغشيان مجالسهم، وتكليفهم المواظبة على الدعاء والثناء والتزكية والإطراء، في حضورهم ومغيبهم. فلو لم يذل الآخذ نفسه بالسؤال أولًا، وبالتردد في الخدمة ثانيـًا، وبالثناء والدعاء ثالثـًا، وبالمساعدة على أغراضه عند الاستعانة رابعـًا، وبتكثير جمعه في مجلسه وموكبه خامسـًا، وبإظهار الحب والموالاة والمناصرة له على أعدائه سادسـًا، وبالتستر على ظلمه ومقابحه ومساوي أعماله سابعـًا، لم يُنعم عليه بدرهم واحد، ولو كان في فضل الشافعي"!
وفي باب نقد مبدأ الطاعة العمياء، يورد الباحث ما جاء في (سرح العيون) لابن نباتة، كما يلي: "أن عبد الله بن معاوية من أحفاد أبي طالب وكان متمردًا، كان يقول لأهل خراسان منددًا باتباعهم لأبي مسلم الخراساني القائد العسكري للدعوة العباسية: ليس في الأرض أحمق منكم يا أهل خراسان في طاعتكم لهذا الرجل قبل أن تراجعوه في شيء وتسألوه عنه. والله ما رضيت الملائكة بهذا من الله حتى راجعته في أمر آدم فقالت "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء".
عن الشعب والسلطة ومبدأ (الناس على دين ملوكهم)، يورد الباحث في كتابه الممتع ما
ذكره ابن الأثير في مؤلفه (الكامل في التاريخ)، كالتالي: "كان الوليد بن عبد الملك صاحب بناء واتخاذ المصانع (القصور) والضياع، فكان الناس يلتقون في زمانه فيسأل بعضهم بعضـًا عن البناء.. وكان سليمان بن عبد الملك صاحب طعام ونكاح، فكان الناس يسأل بعضهم بعضـًا عن الطعام والنكاح.. وكان عمر بن عبد العزيز صاحب عبادة، فكان الناس يسأل بعضهم بعضـًا عن الخبر: ما وردك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن ؟ وكم تصوم من الشهر؟
وهذا على نفس طريق ما رواه الطبري من قبل ابن الأثير: أنه لما حمل الجند إلى الفاروق عمر سيف كسرى وجواهره بعد هزيمته أمام جيش المسلمين، فإن أمير المؤمنين قال: إن قومـًا أدوا هذا لذووا أمانة.. فعقب علي بن أبي طالب موجهـًا كلامه إلى عمر: "عففت فعفت الرعية ولو رتعت لرتعوا".
وعلي هو القائل أيضـًا في سياق ذات الفكرة "الناس بأمرائهم، أشبه منهم بآبائهم".
وهناك أقوال كثيرة مأثورة عكست ذات الفكرة، أشهرها قول عثمان بن عفان "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".
يغمز الباحث حاتم صادق من قناة أصحاب الأسئلة التافهة التي تتكرر في بعض البرامج والفضائيات الدينية، فيقول:
سأل رجل عمرو بن قيس عن حصاة المسجد يجدها الإنسان في خفّه أو ثوبه أو جبهته؟!
فقال له: ارم بها! فقال الرجل: زعموا أنها تصيح حتى ترد إلى المسجد.
فقال عمرو بن قيس: دعها تصيح حتى ينشق حلقها.

قال الرجل: أولها حلق؟ قال : فمن أين تصيح إذن؟!

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!