صلاح عيسى.. حارس الذاكرة

| |






في 23 سبتمبر من العام 1981، سأل صلاح عيسي نفسه في زنزانته: "أهي متعة أم عذاب أن يكون الإنسان أحد شهود التاريخ من القمة؟".
يومها كان عيسى ضمن هؤلاء المثقفين واليساريين الذين زج بهم للرئيس أنور السادات في السجن، في إطار ما سُمي اعتقالات سبتمبر.
عاش عيسى العمر كله وهو يجيب عن هذا السؤال الصعب، وسط خلافات –واتهامات- طالته هو شخصيـًا بتقديم إجابة تخالف الواقع. غير أن الجدل يتوقف، حين نكون بصدد الحديث عن مكانة صلاح عيسى، الذي يوصف بأنه مقريزي العصر الحديث.
لعل المنجز الأهم في سيرة الكاتب الصحفي صلاح عيسى ومسيرته، هو تلك المؤلفات التاريخية التي أثرى بها المكتبة العربية.
نعم، لصلاح عيسى بصمة في الصحافة المصرية؛ إذ إنه شارك فى تأسيس وإدارة عدد من الصحف والمجلات ،منها "الكتاب" و"الثقافة الوطنية" و"الأهالي" و"اليسار" و"القاهرة"، غير أن كتاباته التي يعيد فيها قراءة التاريخ المصري بأدوات فاحصة وأسلوب رشيق يعتمد على الجانب الشعبي من الأحداث ومواقف الشخصيات، هو ما يمكن أن يمتد أثره طويلًا في الثقافة المصرية والعربية.
بدا صلاح عيسي (14 أكتوبر 1939- 25 ديسمبر 2017) مهمومـًا بالشأن التاريخي منذ بدايات مشروعه التأريخي والثقافي؛ لذا جاء أول كتبه "الثورة العرابية" وأتبعه بعدد من أهم المؤلفات فى الأدب والتاريخ والفكر السياسي منها : "مثقفون وعسكر" ، "دستور في صندوق القمامة" ، "حكايات من دفتر الوطن" ، " تباريج جريح" ، "رجال ريا وسكينة" ، "جلاد دنشواي" ، " شاعر تكدير الأمن العام" وغيرها.
وبمهارة الصحفي الفاهم، واتساع ثقافة المناضل اليساري، قدم لنا صلاح عيسى حكايات منسيّة عن مصر، وتمكن من تضفير التفاصيل صانعـًا ما يُسمى دراما التاريخ، اعتمادًا على وثائق مهملة وإصدارات عانت طويلًا لعنة النسيان.
"إلى مصر قضائي الذي أعانقه، وقدري الذي أحتضنه، وأين يهرب المريد وشوقه قضاؤه وقلبه قدره".. بهذه الكلمات بدأ صلاح عيسى مقدمة كتابه الشهير "حكايات من دفتر الوطن"، وربما كانت هذه الكلمات دالة على أعماله بشكل عام، فقد رأيناه في هذا الكتاب الذي يقف نسيج وحده في إعادة الاعتبار إلى تاريخنا الحديث، يتلمس تفاصيل ومعلومات غفل عنها غيره، ووجدناه يعانق لحظات فارقة ويروي أحداثـُا مفصلية من تاريخ الوطن
 يقول صلاح عيسى في مقدمة الكتاب الموسوم: صدرت الطبعة الأولى من بعض فصول هذا الكتاب عام 1973 بعنوان "حكايات من مصر"، وبدأت في صيف 1988 بإعداد طبعة جديدة فإذا بي أغرق فيها شهورًا وأعيد كتابة بعض فصولها من الأساس، وأضيف إلى بعضها الآخر ما كشفت عنه الدراسات التي صدرت بعد الطبعة الأولى.
 هكذا خرج إلى النور كتاب أحدث ضجة كبرى ومستحقة، وتلقفته الأيدي بكل اهتمام وتقدير، نظرًا لغزارة معلوماته وأهمية محتواه ورشاقة أسلوبه.
ضم الكتاب بين دفتي مجموعة من الحكايات المتناثرة فى كتب التاريخ والصحف، جمعها الكاتب ليصنع بها كتابـًا ممتعـًا، ومن هذه الحكايات "الموت على تل العقارب" و"مقتلة الأحد الدامي" و"جلاد دنشواي" و"رصاصات الأمير سيف الدين".
كان عيسى قد استهل مشواره ككاتب ومؤلف بإصدار كتاب "الثورة العرابية"، الذي يعد -حسب مقدمته- محاولة لفهم وإنصاف هذه الظاهرة التاريخية "الثورة العرابية"، من خلال المنهج الاشتراكي العلمي، بعيدًا عما تعرضت له من أحكام قاسية واتهامات شديدة صدرت عن المنهجين الآخرين المدرسة الاستعمارية والمدرسة القومية.
وتعالج الدراسة "الثورة العرابية" من خلال عدة فصول رئيسية رصدت الاحتكارات الأوروبية من الاحتلال السلمي إلى الغزو المسلح، والخريطة الاجتماعية والفكرية للثورة ومسألة السلطة، وأخيرًا الجبهة الثورية من الوحدة إلى التفتت.
كما أصدر "رجال ريا وسكينة.. سيرة سياسية واجتماعية"، ويتضمن الكتاب سيرة أحد أهم جرائم القتل فى القرن العشرين للسفاحتين الشهيرتين ريا وسكينة. والكتاب هو محاولة لرواية السيرة الحقيقية لـ"ريا" و"سكينة"، ولكل من أحاط بهما من رجال ونساء وظروف سياسية واقتصادية عامة، وهو يستند إلى وثائق التاريخ وليس إلى مرويات الخيال الشعبي.
في كتابه "حكاية جلاد دنشواي"، يحاول عيسى تحليل شخصية الجلاد في حادثة دنشواي الشهيرة، التي وقعت في العام 1906 في محافظة المنوفية.
ويتحدث الكاتب عن المحامي إبراهيم الهلباوي، أو الجلاد، في مقدمة كتابه قائلًا: "ذلك الرجل الأسطوري الذي كان القطار يقف له؛ حيث لا يقف لأحد في محطات صغيرة أو على مشارف المدن الكبيرة، والذي قام قطار خاص لكي يقله إلى جلسة في إحدى المحاكم. طلب ملوك وأمراء ودّه، وكسب مئات الألوف من الجنيهات، وخسرها كلها؛ حتى عاد كما بدأ فقيرًا لا يملك شيئـًا؛ لكنه مع ذلك بدأ من جديد.. ومات وهو مستور أو يكاد".
يروي لنا صلاح عيسى كيف بذل إبراهيم الهلباوي خلال محاكمة المتهمين في حادثة دنشواي جهدًا ضخمـًا في تفنيد كل ما جاء في أقوال المتهمين والشهود ليهدم كل واقعةٍ يمكن أن تتخذ ذريعةً للتخفيف عن المتهمين الأبرياء في حادثة دنشواي، وليثبت للمحكمة أن الحادثة ارتكبت عمدًا ومع سبق الإصرار، حتى يفوز بما كان قد اتفق عليه مع سلطات الاحتلال ويعطي المحكمة مبررًا للحُكم بالإعدام على المتهمين.
أما كتابه "البرنسيسة والأفندي" فيتتبع فيه قصة الأميرة فتحية، صغرى شقيقات الملك فاروق، التي تزوجت في مايو 1950 وفي مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، من شاب مصري، لا يحمل إلا لقبـًا متواضعـًا، هو "رياض أفندي غالي"، الذي كان -فضلًا عن ذلك كله- قبطيـًا ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية.
يروي عيسى بأسلوبه الجذاب أسرار هذا الزواج، والجدل الذي أحاط به، ودور الملكة الأم نازلي، إلى أن أطلق  رياض غالي ثلاث رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية، وأطلق الرصاصة الرابعة والأخيرة على رأسه!
ويحكي لنا عيسى في كتابه "مأساة مدام فهمي" وقائع ما جرى في منتصف ليلة 10 يوليو 1923، حين أطلقت مارجريت فهمي النار على زوجها الأمير المصري علي بك فهمي فأردته قتيلًا، وكان هذا الحادث هو ذروة قصة حُبٍّ فاجعة، جمعت بين غانية فرنسية ومليونير مصري شاب يصغرها بعشر سنوات.
صلاح عيسى، كان في هذه المؤلفات وغيرها، حارسـًا للذاكرة المصرية، وللثقافة الشعبية، بكل جدارة واستحقاق.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!