نهايتان.. وبداية واحدة

| |





نهايتان بشعتان وبداية واحدة: العقيد معمر القذافي في ليبيا والرئيس السابق علي عبدالله صالح في اليمن.
بغض النظر عن رأينا في سياسات القذافي وصالح ومواقفهما المختلفة، فإن هذا التشابه في طريقة القتل والتصفية حد التنكيل، تجعلنا نتذكر كيفية وصول كل منهما إلى السلطة عقب انقلاب عسكري أطاح من أطاح وأزاح من أزاح.
عقود من الحكم انتهت في الحالتين بغضب شعبي عارم وضغوط لإنهاء هذا الحكم الدكتاتوري لقائد يجيد التحالفات القبلية وضمان الولاءات، لكنه لا يؤمن بالديمقراطية.
وإذا كان قتل علي عبدالله صالح بهذه الطريقة يعد تحولًا نوعيـًا ودراميـًا في الأزمة اليمنية المستعرة، فإن هذا قد يشير مجددًا إلى دور الحوثيين في اليمن. لقد وصف زعيم المتمردين الحوثيين، عبدالملك الحوثي، اغتيال الرئيس علي عبدالله صالح، باليوم "الاستثنائي والتاريخي".
هكذا انتهى التحالف بالخصومة والدم، الذي لن يقف عند محطة علي صالح، ولكنه مرشح للمزيد في الفترة المقبلة.
هل يُلام صالح على تحالفه مع الحوثي، وهو الذي يعلم، وحزبه، حزب المؤتمر الشعبي، أيّ فكر يستند إليه هذا الكيان الموالي لإيران بشكل طائفي معادٍ للعرب؟
نعم كان يعلم، وتحالف معهم بوعي تامّ، وهو جزء من إيصال اليمن إلى وضعه الكارثي هذا، عبر زجّه اليمن في دروب الفتنة والخطر، وهو الذي كفل له الحلُّ الخليجي الخروج من الحكم بصكّ أمان حياتي ومالي وعائلي.
الخطر الأكبر، والأعمق، على اليمن، وجيرانه، بل والعالم كله، هو أن يقع اليمن، بملايين سكانه، بجباله المطلة على السعودية، وشواطئه الحساسة بالبحر الأحمر وبحر عدن، تحت حكم عصابات خرافية مسلحة تأتمر بأمر قاسم سليماني والحرس الثوري الإيراني.
كانت الأوضاع قابلة للاحتواء في اليمن، لولا افتضاح ما كانت تخطط له إيران في اليمن نفسه، وفي شبه الجزيرة العربية عموماً. فلفترة من الفترات، تصوّر الرئيس السابق علي عبد الله صالح أنه قادر على التحكّم في الظاهرة الحوثية كما يشاء، مثلما كان قادراً على لجم النزاعات القبلية والتعامل مع «القاعدة» في بعض مناطق الجنوب. غير أن الأمور تبدّلت بعدما أدرك صالح ومناصروه ومعارضوه، وكذلك الدول الخليجية، خطر الظاهرة الحوثية.
ربما تأخر كثيرون في استيعاب هذه الحقيقة.. ومن هؤلاء صالح نفسه!
 ولعل أهم ما كشفته الأحداث الأخيرة في صنعاء هو أن ما عاشته هذه المدينة منذ اقتحام الحوثيين لها في 21 سبتمبر  2014 كان غريباً ومخيفاً ومصطنعاً وبلا جذور حقيقية. لندع جانباً اتهامات من أدركوا باكراً طبيعة التحرك الحوثي. يكفي الالتفات حالياً إلى الاتهامات الموجهة إليهم من قوى شاركتهم وحالفتهم ثم اكتشفت خطورة استمرار الخضوع لهيمنتهم. يرى البعض أن من حق الحوثيين في أن يكونوا مكوناً حاضراً في المعادلة اليمنية وأن يحصلوا على الحقوق العائدة لهم أسوة ببقية اليمنيين. تبدأ المشكلة حين يقرر الحوثيون اقتياد البلد إلى لغتهم وأسلوبهم ومنطق الميليشيات الذي يتحدى المكونات الأخرى في الداخل ويتحدى علاقات اليمن الطبيعية بالخارج.
الشاهد أن القيادة الحوثية فتحت أبواب التدهور على مصراعيها منذ انقلابها على الشرعية. أطلقت في الداخل عملية استباحة لموازين وقواعد وأعراف دأب المجتمع اليمني على احترامها حتى في أحلك ظروف الانقسام. أما على الحدود، فقد فتحت القيادة الحوثية الباب لتدهور آخر حين لم تترك للسعودية غير خيار الذهاب إلى الحرب. والحقيقة أن الطلقة الأولى في هذه الحرب كانت استيلاء الميليشيات الحوثية على ترسانة صاروخية يمكن استخدامها لتهديد أمن الدول المجاورة وابتزازها أو محاولة زعزعة استقرارها. زاد في خطورة الطلقة الأولى انكشاف طبيعة الميليشيا الحوثية وانكشاف تبعيتها الكاملة لإيران.
طالت المعارك أم قصرت فالنتيجة معروفة. لا بد من العودة إلى الحقائق اليمنية. حقائق الحوار والتعايش ومظلة الدولة. موقف الشرعية اليمنية والتحالف الداعم لها عبّر عن رغبة أكيدة في إنهاء الحروب وعودة اليمن إلى الحقائق اليمنية. لا يدار اليمن من صعدة. ولا تدار صنعاء من طهران. قطار الحوثيين مثقل بالألغام التي تنفجر تباعاً باليمن وبركاب القطار أنفسهم. لا بدّ من العودة إلى اليمن ومغادرة دور إقليمي يفوق طاقتهم وقدراتهم. لا بدّ من العودة إلى الخريطة اليمنية والشروع في برنامج لتضميد العلاقات بين المكونات اليمنية وتضميد علاقات اليمن بجيرانه.
الخطر مستمر.. ويتجاوز حدود اليمن، لو كنا نعلم!

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!