الخازوق رئيسـًا للتحرير!

| |






لا تفلت التفاصيل من محمد العزبي.
فهذا الكاتب الصحفي الذي أمضى عمره في بلاط صاحبة الجلالة، وجمع بين الذكاء والزهد، والمعرفة والدهاء، تمكن من العبور بسفينته وسط بحر متلاطم الأمواج، وواصل رحلة الكتابة عما يحب ويريد، لا ما يرضى عنه الآخرون.
هذا ما ترصده فور مطالعتك كتابه «صحفيون غلابة»، الصادر عن دلتا (2017). بطريقة النحل الذي يمتص الرحيق من زهرة إلى أخرى، حتى يصنع عسله الخاص، يقدم لنا العزبي في ١٥٦ صفحة، مجموعة مقالات منفصلة يكشف من خلالها أسرارًا من كواليس مهنة الصحافة، حيث يحكي عن الأزمة الشهيرة بين أحمد السيد النجار رئيس مجلس إدارة مؤسسة «الأهرام» سابقـًا ومحمد عبدالهادي رئيس تحرير جريدة «الأهرام»، مما عطَّل صدور الجريدة يومـًا. خلاف انتهت تداعياته باستقالة النجار من رئاسة مجلس إدارة «الأهرام» بيده لا بيد عمر.
يومها نشرت «الأهرام» خبر استقالة رئيس مجلس إدارتها، دون أن تذكر اسمه في الخبر المنشور على صفحتها الأولى. ثم تدهورت الأمور بتصريحات لأحمد السيد النجار حول «حشيش» يتم تداوله في ردهات الجريدة، قضى عليه كيفـًا وتجارة، فانتفضت الصحيفة وازداد الموقف تعقيدًا.
يعيد محمد العزبي برشاقة كتابته تذكيرنا  بأن هذا السيناريو حدث من قبل في «دار التحرير»، بسبب مشاحنات بين محفوظ الأنصاري رئيس تحرير جريدة «الجمهورية» ومحسن محمد رئيس مجلس الإدارة في المؤسسة؛ إذ وصل الخلاف حول نشر مقال يومي في «الجمهورية» لسمير رجب رئيس تحرير جريدة «المساء» إلى حد تعطيل طبع الجريدة.
يقول العزبي:
«وكما حاول محسن محمد ونجح في زيادة توزيع «الجمهورية» ومضاعفتها من 38 ألف نسخة للعدد اليومي يوم توليه عام 1977 إلى 880 ألفـًا عندما ترك رئاسة التحرير عام 1989؛ والأسبوعي وصل إلى المليون.. عمل جاهدًا بعد تركه رئاسة التحرير إلى هدم كل ما بناه هو ومجموعة الشباب الذين استعان بهم تحت التمرين، فأصبح منهم مشاهير ورؤساء تحرير.. وكان أول قراراته بعد أن ترك رئاسة التحرير هي تخفيض كمية المطبوع من «الجمهورية»، بما يعني تحجيم توزيعها قبل طرحها في الأسواق» (ص 16).
با إن محسن محمد كتب مقالًا في العدد الأسبوعي لجريدة «الجمهورية» بعنوان «خذوها لتعيش» داعيـًا لإغلاقها، مستوحيـًا فكرتها من قصة النبي سليمان، عندما احتكمت إليه امرأتان على طفل؛ كل واحدة تدّعي أنه ابها، فحكم بأن يُشق الطفل نصفين، وهو ما قبلته الأم المدعية، ورفضته باكية الأم الحقيقية، فتركته ليعيش؛ والكلام لمجلس الشورى مالك الصحف القومية حينذاك. نُشِرَ المقال دون أن يقرأه رئيس التحرير محفوظ الأنصاري أو يسمع به؛ إذ نشره مدير التحرير محمد أبو الحديد بهدوئه المعروف!
المفارقة أنه بعد صدور قرار التغييرات الصحفية، واختياره رئيسـًا لتحرير جريدة «الجمهورية»  ورئيسـًا لمجلس إدارة «دار التحرير»، عاد سمير رجب إلى فرته في الفندق الذي كان مقيمـًا به في ألمانيا مرافقـًا للرئيس مبارك، واتصل بالقاهرة، وطلب من مصطفى زهران مدير عام المؤسسة أن يُغيّر "كالون" حجرة رئيس مجلس الإدارة. ولعل سمير رجب كان يسعى من أول يوم إلى أن ينفي ارتباطه بسياسة محسن محمد وأخطائه، أو لعله أراد أن يعلن أنه لا فضل لأحدٍ عليه! (ص 17).
في هذا الكتاب الشائق، المُركز، يجيبنا العزبي عن أسباب إعجاب الرئيس الأسبق حسنى مبارك بمقالات سمير رجب وكيف رآها أفضل من مقالات محمد حسنين هيكل، بدعوى أن الأخير لم يكن يكتب أكثر من مقال واحد في الأسبوع، أما سمير رجب فينشر كل يوم مقالًا! (ص 18).
 ويروي العزبي عن حكاية «الخازوق رئيسـًا للتحرير»، وكيف كتب مصطفى أمين رسالة إلى أنيس منصور عند تعيينه رئيسـًا لتحرير مجلة «الجيل»، جاء فيها: «إنني أعرفُ أكثر من غيري ما هو منصب رئيس التحرير.. إنه أكبر «خازوق»  في الصحافة، ولا أريد أن أهنئك بالجلوس فوق الخازوق» (ص 25).
يكشف لنا المؤلف أيضـًا  لغز جماعة «طفي النور»، التي تصطاد الصحفيين عندما يزداد صيتهم (ص 49- 52). وخص الكاتب أصدقاء المعتقل في ستينيات القرن العشرين، وحكايات الإفراج عن سجناء عنبر (٢) الذي ضم مؤلف الكتاب وكلًا من جمال الغيطاني وعبدالرحمن الأبنودي وصلاح عيسى وسيد حجاب (ص 103- 108).
 ولم ينس الكاتب أخاه الصحفي الراحل أحمد العزبي، الذي شاهده بنفسه وهو متجه إلى غرفة التعذيب في سجن طرة.
يقول محمد العزبي: «كلما زاد الحديث عن الإصلاح ازداد خوفي من الفساد، وكلما كثر ترديد كلمة شرف المهنة توجست شرًا وكلما وعدونا بنعيم الحرية تحسست رقبتي! هكذا علمتني الأيام.. لكن التدهور السريع في حال صاحبة الجلالة يثير القلق اليوم وغدًا.. ولهذا جاء تحذير «نيوتن» يدق جرس الإنذار بشدة من أحوال صاحبة الجلالة» (ص 27).
ولهذا تحديدًا، يستحق كتاب العزبي «صحفيون غلابة» القراءة والتدبر.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

2 التعليقات على "الخازوق رئيسـًا للتحرير!"

أكتب تعليقا