"وطنية" شاهد زور!

| |



في منتصف سبعينيات القرن العشرين، قدم الفنان عادل إمام مسرحية "شاهد ماشافش حاجة" والتي يُستدعى فيها سرحان عبدالبصير ليدلي بشهادته في قضية لا دخل له فيها تحت ضغط من النيابة. اليوم هناك شهود "ماشافوش حاجة"، لكنهم تطوعوا للإدلاء بتلك الشهادة زورًا لأغراض مختلفة من دون أن تجبرهم النيابة عليها.
ففي مارس 2016، ادعى محمد فوزي، مهندس مدني، في لقاء تليفزيوني، أنه شاهد مشاجرة نشبت بين الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، وشخص آخر، خلف مبنى تابع للقنصلية الإيطالية في القاهرة، قبل يوم من اختطاف ريجيني (25 يناير 2016).
وأفاد الشاهد في أقواله بأنه تصادف مروره من منطقة ظهر الجمال، بالقرب من منطقة الإسعاف بوسط البلد في القاهرة، ورأى جوليو يشتبك في حوار حاد مع شخص أجنبي آخر، وكانا يتحدثان بلغة غير الإنجليزية، وذلك خلف مبنى القنصلية الإيطالية مباشرة، واستمر الخلاف بينهما نحو ١٥ دقيقة، وبعدها انصرف من المكان.
وقال فوزي في التحقيقات إنه تعرف على هوية الباحث الإيطالي عقب مشاهدته صوره في وسائل الإعلام، وإن الواقعة كانت يوم ٢٤ يناير، وإنه تقدم بطلب للإدلاء بأقواله عن شهادته بعد أيام من العُثور على جثة جوليو.
وأضاف الشاهد عن تفاصيل المشاجرة أنها كادت تتطور إلى اشتباك بالأيدي، مشيرًا إلى أن جوليو والشخص الآخر كانا يقفان بمفردهما، وكان الأول ممسكـًا ببعض الأوراق. وأدلى الشاهد بمواصفات الشخص الأجنبي الذي رُجِّح أن يكون إيطاليـًا.
غير أن تحقيقات النيابة أثبتت فيما بعد أنها شهادة مزورة.
بعدما واجهت النيابة الشاهد بتحقيقاتها، وتناقض أقواله وعدم صحتها، برر ذلك قائلًا: "أنا عملت كده علشان أفيد البلد".
واجهت النيابة الشاهد بما روَّج له بأن عرضت عليه صورًا وتعرف منها على صورة الشخص الذي تشاجر مع الشاب الإيطالي ريجيني بأحد البرامج فقال: "أنا أخطأت لما قلت كده، وده لم يحدث".
وأكد الشاهد مرارًا عدم وجود أي دافع لشهادته، وأن أحدًا لم يجبره أو يدفعه للإدلاء بتلك الشهادة، فأمرت النيابة بإشراف المستشار محمد القاضي، القائم بأعمال المحامي العام الأول لنيابات جنوب الجيزة الكلية، بصرفه من سرايا النيابة.
محمد فوزي هو ابن هذا المناخ العام الملتبس، وكل ما فعله أنه حاول إثبات هذه البنوة، بشهادة لا فارق بينها وبين مذكرات تحريات كثيرة تُقدم للمحاكم، حاملة من الوقائع ما لم يره أحد، ومن الإسنادات للمصادر المجهلة والمرشدين السريين ما لا يعرفه غير كاتب التقرير، لكنها قد تكفي عند من يريد لإحكام قرار ضبط أو احتجاز، أو حتى أحكام في درجاتها الأولى قد تصل لطلب إعدام المئات دفعة واحدة.
لذلك فكر كمواطن "وطني"، أو فكر له "وطنيون" آخرون، أن "يتطوع" في مهمة "وطنية" جدًا، لإنقاذ سمعة بلده، وإسكات وإخراس من يستهدفونها ويستهدفون أجهزة أمنها من الخونة والعملاء والطابور الخامس، وأن يذهب إلى النيابة لرفع سكين الاتهام الموضوع على رقبة الدولة، بسيناريو من تأليفه، أو تأليف آخرين، يروي فيه ما ادعى أنها مشاهداته يوم اختفاء جوليو ريجيني، وزعمه أنه رأى وسمع مشاجرة بين القتيل وأحد مواطنيه بجوار القنصلية الإيطالية بوسط القاهرة.
ولأنه سيناريو "وطني" مكتمل، فقد كان لا بدَّ أن يلتقط الشاهد "الوطني" مذيع "وطني" أيضـًا، دأب طوال مسيرته القصيرة على الشاشة أن يمارس "الوطنية" كما فهمها محمد فوزي وأن يتفوق فيها، مروجـًا نظرية حب "الوطن" الذي يستحق أن نضحي من أجله بكل قيمة وقاعدة وقانون، وأن نكذب ونكذب ونكذب حتى يحيا "الوطن". يجتمع الوطنيان "الشاهد والمذيع" على شاشة "وطنية" واحدة، لممارسة الكذب "الوطني" وترويجه والاحتفاء به وتصديره للناس.
لذلك كله لم يجد الشاهد ما يحتج به بعد أن كشفت النيابة شهادته "الزور" سوى القول بأنه فعل ما فعل لأنه "يحب البلد"، هو ببساطة يريد أن يقول إنه مثله مثل الجميع، السياسي والمذيع والمسؤول، وكل الذين يكذبون ويشهدون الزور ليل نهار، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعـًا ببلدهم، ولذلك أيضـًا بدا صرفه من النيابة من دون توجيه اتهامات له بـ"الشهادة الزور" أمرًا عادلًا، فما معنى ملاحقة شاهد زور صغير في ظل مناخ كامل من "الزور" ترسخ واتسعت مساحته، وصارت ممارسته أكثر تبجحـًا وأقل حياء، على الشاشات وفي التحريات الأمنية، وفي التصريحات الرسمية.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!