"بقايا اليوم".. المجد في 4 أسابيع!

| |





"الحقيقة الصعبة بالتأكيد هي أنه بالنسبة لأمثالك وأمثالي ليس أمامنا سوى خيار بسيط، هو أن نترك مصيرنا بالكلية في أيدي هؤلاء السادة الكبار عند صرة هذا العالم، الكبار الذين يوظفون خدماتنا، ما جدوى أن نزعج أنفسنا بما كان ينبغي أن نفعل أو لا نفعل لكي نتحكم في مسيرة حياتنا؟"
هذه الكلمات على لسان «ستيفنس» بطل رواية «بقايا اليوم» من تأليف الكاتب البريطاني من أصل ياباني كازو إيشيغورو، تحكي كل شيء عن الرواية، وعن تقنية الكتابة عند إيشيغورو، الفائز بجائزة نوبل للآداب عام 2017.
"إنه روائي بديع، في رأيي، إذا مزجت بين جين أوستن وفرانز كافكا، تحصل على إيشيغورو". هكذا وصفت سارة دانيوس أمين الأكاديمية السويدية إيشيغورو، وهي تحاول تقريب صورته إلى أذهان القراء والنقاد حول العالم.
وبغض النظر عن بعض المبالغة في الوصف، فإنه لا يخلو من الحقيقة.
روايته "بقايا اليوم"، عملٌ عضوي متماسك، متكامل الأجزاء، كل مشهد وكل شخصية تضيف إلى الصورة الكلية وتبرزها، وأسلوب الكاتب المحكم يناسب موضوعه تمامـًا، كما هو مناسب لشخصية الراوي الذي يسافر بسهولة بين المراحل الزمنية المختلفة.
وفي تداخل وتقاطع بين الذاكرة الفردية والتاريخ الوطني من خلال عقل رئيس خدم "ستيفنس"، نجده مقتنعـًا بأنه خدم الإنسانية لا لشيء إلا لأنه سخَّر كل كفاءته وخبرته المهنية لخدمة رجل عظيم "لورد دارلنغتون".
 وباستعراض تاريخه في المهنة يكتشف "ستيفنس" ما يجعله يضع كل شيء موضع المساءلة: عظمة اللورد، وعلاقته بالآخرين، ونمعنى حياته التي عاشها في عزلة عن كل شيء باستثناء وظيفته، معنى الكرامة المهنية، الزمن المفقود الذي يحاول استعادته.
في الرواية، نتابع حكاية رئيس خدم في قصر «دارلنغتون هول» الذي كان يؤمه علية قوم المجتمع الإنجليزي وصفوة رجال السياسة حول العالم، وهو يحكي عن مخدومه «لورد دارلنغتون» ويحكي عن زملاء العمل وعلى رأسهم «مس كنتون»، تكتشف أنه عاش حياته من خلال من حوله، لم تكن له أي حياة خاصة، أفنى شبابه وكهولته في خدمة اللورد، وكان يرى أن هذا هو دوره الحقيقي.
كان البطل يفلسف معنى الكرامة باختصار على أنها القدرة على خدمة السادة بمنتهى الإتقان وعدم الوقوع في الأخطاء مطلقـًا، عدم اهتزاز صورته أبدًا. بمعنى آخر يمكننا أن نقول أن البطل كان يخشى أن يخطئ حتى لا يوبخه أحدهم ويكتشف فجأة أنه «خادم»، فقام بفلسفة فكرة الكرامة في قالب يناسب حاجته إلى الشعور بأهميته وقيمته الإنسانية.
تمكن الكاتب عن طريق شخصية خيالية بريطانية، يتكلم كلامـًا يبدو عاديـًا دون الكثير من الأحداث الصادمة، أن يجعل الشخصية تتماس مع القارئ اليوم. كما نجح في أن يجعل «لورد دارلنغتون» والذي لم يكن الشخصية الرئيسية في الرواية، محفزًا لك أن تفكر في مبادئك الخاصة، نبله وقراراته التي كانت تهدف وقتها لتجنب الحرب وإقرار السلام ومحاولاته المستميتة للدفاع عن القيم الإنسانية وتجنب الحرب واعترافه بالخطأ في أواخر عمره.
التكتم هو أحد خيوط الكتابة التي لا يفلتها إيشيغورو.
 هذا ما نلمسه في قصة حب « ستيفنس» لمدبرة المنزل «مس كنتون»، هذا الحب الذي لم يعترف به أبدًا لنفسه حتى، الحب الذي كان يمكن أن ينقذه من بين براثن عقله عندما يموت اللورد ويواجه «ستيفنس» نفسه بعد مضي الوقت، عندما يكتشف فجأة أنه لم يكن مهمـًا بتلك الدرجة التي جعلته منهمكـًا في دوره كرئيس خدم، قصة الحب الرقيقة جدًا التي لم تتبلور سوى في ثلاثة مشاهد على الأكثر والتي لم يُعرها البطل الاهتمام الذي يليق بها وقتها، والذي جعله يجلس على الجسر باكيـًا في آخر مشاهد الرواية.
يعمل رئيس الخدم فقط دون أن يلتفت لحياته الخاصة؛ "في لحظة رومانسية، عندما كانت السيدة المدبرة، تحاول أخذ الكتاب من يده، اقتربت منه كثيرًا حتى استطاع شم رائحة شعرها، أفسد كل شيء، بالطلب منها الخروج من غرفته، مدعيـًا أن هذا هو وقته الخاص وأنها تفسده عليه".
في كل مرة تُحاول التلميح وتتمنى  أي اجابة أو استجابة منه، كان هو أيضـًا، في كل مرة، يضغط على نفسه، مُتظاهرًا باللامبالاة، يخفي حقيقة مشاعره، فكان يومه مُمتدًا من استيقاظه حتى نومه، يعمل عند لورد انجليزي يتورط، بقصد او عن غير قصد، في خيانة بلاده. "لقد منعه كبرياؤه المصطنع، كرئيس للخدم، وإخلاصه الأعمى، لخدمة سيده، من أن يقوم بأي عمل يُخرجه من الصورة الرسمية التي رسمها لشخصيته أمام الآخرين.. كم كرهته السيدة المدبرة، حينما نزل من غرفة والده، بعد وفاته مباشرة، عائدًا إلى عمله، مُتظاهرًا بعدم الاكتراث مُجبرًا دموعه أن تبقى في مقلتيه.. وكم أشفقت عليه، وعلى مفهومه الساذج، للنجاح في العمل".
"إيشيغورو" يكتب بأسلوب شديد الاقتصاد، لا يقدم التفاصيل الضرورية، بل إنه كثيرًا ما يقول شيئـًا، وهو يعني شيئًا آخر، كتاباته خليط من الاستعارات المنفصلة والتلميحات والتشبيهات والتداخلات الغامضة بين الشخصيات، وهو كاتب مدهش في تقديم شخصيات ثانوية تحيط بأبطاله فتبرزهم عن طريق العلاقة التي تربطهم معـًا". هكذا وصف الكاتب والمترجم طلعت الشايب الأديب كازو إيشيغورو، في مقدمته لرواية "بقايا اليوم" التي ترجمها للعربية، والحائزة على جائزة مان بوكر لعام 1989.
شخصية "ستيفنس" في هذه الرواية تعكس أفكار وتأملات "إيشيغورو" الخاصة وعدم وضوح الرؤية لديه والتمادي في السير في الاتجاه الخطأ. شخصيته مرسومة بعناية فائقة تبرز مزايا وعيوب الطبيعة المتحفظة، فهو شخص رزين محترف يحاول أن يحافظ  على النظام والانضباط  ومستوى الخدمة الممتاز في قصر مخدومه، هذه الجهود كلها تفيض على حياته الشخصية وتطغى عليها مخلفة رجلًا غامضـًا أجوف.
ولكن، كيف كتب إيشيغورو هذه الرواية؟
يقول الروائي:
خطرت لي أنا و"لورنا" خطة، فقررت إلغاء جدول أعمالي  لمدة أربعة أسابيع بلا هوادة وأن أمضي بما أسميناه بطريقة غامضة "الحادثة"، وخلال فترة "الحادثة" لن أفعل شيئًا سوى الكتابة من التاسعة صباحـًا إلى العاشرة والنصف مساء من الاثنين إلى السبت، كنت أتوقف لمدة ساعة لتناول الغداء وساعتين لتناول العشاء، كنت لا أقابل أحدًا، ناهيك عن الرد على البريد، ولا أقترب من الهاتف، ولا أستقبل أحدًا في المنزل، أما "لورنا" فعلى الرغم من جدول أعمالها المزدحم فقد قامت خلال تلك الفترة بإنهاء حصتي من أعمال الطبخ والأعمال المنزلية، وبهذه الطريقة، كنا نأمل، أن أتمكن ليس فقط من إنهاء مزيد من الأعمال من الناحية الكمية، بل الوصول أيضًا إلى الحالة النفسية التي كان يصبح فيها عالمي الخيالي أكثر واقعية بالنسبة لي من الواقع الفعلي.
"كنت قد بلغت حينها الثانية والثلاثين من العمر، وكنا قد انتقلنا أخيرًا إلى منزل في "سيدينهام" جنوبي لندن، حيث كانت المرة الأولى في حياتي التي أكرس فيها نفسي للدراسة، فقد كتبت أول روايتين لي على طاولة الطعام، التي كانت في الواقع نوع من الخزانات الكبيرة مثبتة على رف مرتفع بدون باب، ولكنني كنت أشعر بسعادة غامرة وأنا أمتلك مكانًا يمكنني فيه نشر أوراقي من حولي كما تمنيت ولا أضطر إلى جمعها و إزالتها في نهاية كل يوم، وقد كنت أعلق الرسوم البيانية والملاحظات في كل مكان على الجدران المقشرة وأعود للكتابة.
"وقد كانت هذه في الأساس هي الطريقة التي كتبت بها رواية "بقايا اليوم"، فطوال فترة "الحادثة"، كنت أكتب بشكل حر غير مبالٍ بالأسلوب، أو ما إذا كنت قد كتبت في الظهيرة شيئًا  يتناقض مع ما كنت قد وصلت له في الصباح، كانت الأولوية مكرسة ببساطة إلى ترك الأفكار تطفو وتنمو، الجمل القبيحة والحوار البشع والمشاهد التي ذهبت أدراج الرياح أنا سمحت لها جميعًا بالبقاء وحرثت لها.
"وفي اليوم الثالث، لاحظت “لورنا” أنني أتصرف بشكل غريب خلال فترة استراحتي المسائية، في يوم الأحد الأول انطلقت في مغامرة في الهواء الطلق، في طريق "سيدينهام" العام، وضحكت بشكل متواصل حين كانت "لورنا" تخبرني بحقيقة أن الشارع قد أنشئ على منحدر، حيث كان الناس يتعثرون فوق بعضهم أثناء الهبوط من المنحدر، في حين كان الصاعدون يلهثون ويترنحون من فرط الجهد. كانت “لورنا” مشغولة بفكرة أنه مازال أمامي ثلاثة أسابيع أخرى لأقضيها بالطريقة لاذاتها، لكنني شرحت لها أنني كنت بحالة جيدة، وأن الأسبوع الأول قد تكلل بالنجاح.
"واصلت ذلك لمدة أربعة أسابيع، وفي نهايتها كانت الرواية قد اكتملت تقريبـًا، وعلى الرغم من أن الأمر كان بالطبع يتطلب المزيد من الوقت لكتابة الرواية كاملة بشكل لائق، فإن الانتعاشات الخيالية الحيوية جميعها قد اعترتني خلال "الحادثة"[1].
أربعة أسابيع، وعملٌ روائي محكم.
درسٌ بليغ لمن شاء.



[1] كازو إيشيغورو، كيف كتبت “بقايا اليوم” في أربعة أسابيع!، ترجمة: عبدالله الزمايّ، موقع "تكوين" الإلكتروني
http://www.takweeen.com/?p=9715

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!