"ميريت آمون".. حين تكتمل اللعنة!

| |






في رواية "ميريت آمون" للروائي عماد يسى، شيء من الحُبِّ والموت والخلود.
تنطلق الرواية الصادرة عن دار العين (القاهرة، 2017) في إطار تاريخي- اجتماعي، فترصد حكاية الكنز واللعنة بأسلوبٍ جديد لا يخلو من الإثارة والتشويق.
 فكرة الرواية غير مطروقة؛ سواء من حيث المكان (قرية منية سُبك، الواقعة في أقصى جنوبي مصر بعد مدينة أسبوع) أو الزمان (إذ تراوح بين التاريخ القريب (بين عصر الرعامسة قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.. والنصف الأول من القرن العشرين) ولا الأحداث (حكاية ميريت آمون، ابنة سنوب آمون، كاهن آمون الأكبر، ذي السطوة المخيفة، حتى على فرعون نفسه).
في سياق القصة، نعرف أن فرعون تقدم سرًا لأبيها طالبـًا الزواج بها، عارضـًا عليها أرض مصر كلها، لكنها رفضته، لكن فرعون لم يقو على إجبارها؛ لأنه يعلم أن حكمه وسلطانه محمولان على كف سنوب آمون، الذي يتحكم في إرادة الشعب ويحركه بإشارة من يده.
يكتشف الأب أن ابنته ميريت آمون تحب البستاني الذي ينسق حديقة القصلا، والمسمى "حتب"، فيثور الكاهن غضبـًا، لكنه يرضخ في نهاية المطاف لطلب ابنته ويزوجها بالبستاني سرًا. غير أن البستاني المخادع لا يقنع بزوجته الجميلة والعاشقة، ولا بالحياة الرغدة الجديدة التي يحياها؛ لأنه يحب وصيفة تُدعى "حب نفر"، ويتفق معها على سرقة مجوهرات الأميرة والهرب.
إلا أن الأب الكاهن يتمكن من ضبط البستاني والوصيفة ومعهما المدوهرات، ويقضي عليهما بالموت، رغم توسلات ابنته للعفو عنهما. لا تتحمل الأميرة الرقيقة الخيانة التي قوبل بها حُبّها الصادق، فتقدم على الانتحار. يحزن الأب عليها حزنــًا هائلًا، فيلعن المجوهرات ويدفنها في أرض القصر، ويستخدم السحر في إقامة العديد من الحراس عليها من العالم السفلي.
وعلى مر العصور، كان كل من يعرف مكان الذهب، ويحاول استخراجه، يموت ميتة شنيعة هو وكل من يعاونه. وبعد كل مرة تحدث فيها محاولة لاستخراج الكنز المخبأ، تجتاح القرية موجة من الشر والدمار، بين البشر والمحاصيل والبهائم.
صار منزل البهجوري، أو "دوّار إبليس"، هو اللعنة.
وعبر نحو 300 صفحة صفحة من القطع المتوسط، نتابع تجدد اللعنة، مع لجوء العاشقين السريين عويس وأمينة إلى المنزل، في مغامرة عاطفية حبلى بالمخاطر. عويس، ابن حنونة الداية، العائد إلى منية سُبك قادمـًا من القاهرة في زي الأفندية، وأمينة التي ترى فيه الفارس المنتصر.
غير أن العالم الغرائبي في الحكاية يبدأ للتو، مع مغامرات ينسج عماد يسى تفاصيلها بأناة، ليفتح أمامنا باب عودة الأجواء الفرعونية إلى المنزل بكامل شخوصها.
في "ميريت آمون" ينام عالمٌ كامل على كتف الخيال.
"وفجأة كما بدأ كل شيء، ينتهي كل شيء، وتعود الحديقة إلى ما كانت عليه فتختفي الأشجار المورقة والأزهار اليانعة، وتعود البركة أطلالًا محطمة كما كانت، وتختفي أزهار اللوتس وتحل محلها الأعشاب النامية، ويعود القصر المنيف بيتـًا مهدمـًا مرة أخرى" ص 27).
نقلة أخرى يقوم بها الروائي، حين يسدل الستار على حكاية عويس وأمينة، ليفتح أمامنا الصفحة الأولى من حكاية رمزي، ذلك الباحث الأثري، الذي يعد رسالة الدكتوراه عن عصر الرعامسة، لكنه يضطر للعمل مرشدًا سياحيـًا لتمويل أبحاثه.
في رحلة عمل له إلى أسوان، يقرر رمزي زيارة مقبرة كاهن آمون الأكبر "سنوب آمون"، وسط احتفالات الأثريين بافتتاحها، ليشتبك مع الشخوص والأحداث، وفي مقدمتهم عادل وسامية، ورثة حسنين البهجوري، والعجوز جان كلود فرانسوا، المولع مثل أبيه بالآثار المصرية.
ربما جاء تركيز الروائي على لعنة الفراعنة، وأجواء الخوف والرهبة (تكررت المفردتان في سياق العمل بشكلٍ مبالغٍ فيه) ليفقدا الرواية بعض نضارتها، إلا أن السرد السينمائي بأسلوب القطع وإعادة ترتيب الأحداث أفصح عن تمكن عماد يسى من أدواته، بفضل رؤيته السينمائية للأحداث.
وإذا كان الروائي قد بذل مجهودًا واضحـًا في الإحاطة بموضوعه قبل كتابته، ودرس تفاصيل أساسية عن تاريخ الرعامسة، فإننا نحسب أن جوهر الحكاية، بعيدًا عن ثيمة لعنة الفراعنة، هو ما نطالعه في الرواية كالتالي:
"هناك أشياء أو أشخاص يظهرون في حياتنا فجأة ونظن أن ظهورهم في حياتنا يفتح لنا أبواب الأمل، ولكنه في الحقيقة يفتح علينا أبواب الجحيم" (ص67).
في الرواية، كما في الحياة، هناك صندوقٌ سحري، منذورٌ للأحلام واللعنات، وعواقب المخاطرة مسؤولية شخصية لكل مغامر!

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!