«الهلال» والسينما.. كتيب للنسيان!

| |






«ومن هنا جاءت فكرة هذا الإصدار الذي يوثق لأهم مائة وخمسة وعشرين فيلمـًا ظهرت خلال مائة وخمسة وعشرين عامـًا هي كل عمر «دار الهلال» والسينما في مصر معـًا» (ص 3).
هكذا اختتم أشرف غريب، الأمين العام لمركز الهلال للتراث الصحفي، تقديمه للكتيب الذي يحمل عنوان «أهم 125 فيلمـًا في 125 سنة»، الذي صدر ووزِّع مع العدد التذكاري لمجلة «الهلال» في هذه المناسبة (أغسطس 2017).
في الصفحات التالية يشير  القائمون على هذا الكتيب إلى «ضرورة الانتباه إلى أن هذه القائمة تضم الأهم في كل سنة وليس الأفضل؛ لأن الأهمية أعم وأشمل من الأفضلية، والأفضلية هي أحد معايير الأهمية وليست المعيار الوحيد لها،  بمعنى أن هذه القائمة قد تضم أفلامـًا أقل في المستوى الفني من أفلام أخرى لم نأتِ على ذكرها، لكنها الأهم لاعتبارات الريادة والتفرد أو السبق أو التحولات أو الجدل الذي أثارته أو المعارك التي دخلتها أو الأثر الذي تركته أو النجاح الذي حققته أو غير ذلك من المعايير الصارمة التي تم على أساسها اختيار هذه القائمة» (ص 5).
لا أحد يدري بالضبط فلسفة اختيار "الأهم" وليس "الأفضل" في تاريخ السينما في مصر، ولا أحد بوسعه أن يقدم تبريرات مقنعة لكون "الأهمية أعم وأشمل من الأفضلية"، علمـًا بأن المنطق يقول العكس: الأفضلية أعم وأشمل، والأهمية فرعٌ من تلك الشجرة. بل إنه ليس مفهومـًا على الإطلاق اعتماد قائمة مقسمة إلى السنوات المذكورة، بدلًا من اختيار قائمة تختار"الأهم" (أو حتى "الأفضل") بدون ذلك التقسيم الذي ظلم بالفعل عددًا من الأفلام في هذه السنة أو تلك. الغريب أن بعض السنوات ضمت أكثر من اختيار، في حين أن سنوات أخرى لم يطبق عليها ذلك، بشكل غير مفهوم.
في هذه القائمة العجيبة وذاك التقسيم الغامض المبهم، سقطت عمدًا أفلام تعد من أجمل وأكمل ما أنتجته السينما في مصر. اختفى من القائمة فيلم «المومياء» (إخراج شادي عبدالسلام 1969)، الذي يعده كثير من النقاد أحسن فيلم في تاريخ السينما المصرية.
ولم يعبأ واضعو القائمة بالإشارة إلى فيلم «باب الحديد» (إخراج يوسف شاهين 1958)، ولم يلتفتوا إلى «غزل البنات» (إخراج أنور وجدي 1949)، ولا إلى «اللص والكلاب» (إخراج كمال الشيخ 1962).
لم يجد فيلم نعشقه كمشاهدين مثل «أم العروسة» (إخراج عاطف سالم 1963) مكانــًا له في القائمة. بالمثل، اختفى فيلم «شيء من الخوف» (إخراج حسين كمال 1969) في ظروف غامضة.
هل يُعقل مثلًا أن تضم القائمة فيلم «الدرجة الثالثة» (إخراج شريف عرفة، 1988)، لا لسببٍ إلا لأنه فشل جماهيريـًا رغم أن أبطاله هم سعاد حسني واحمد زكي وجميل راتب وعبدالعظيم عبدالحق؟!
ولعل أكثر ما يثير الدهشة هو أن يكون معيار "الأهمية"، الذي لا نجد له مثيلًا في الموسوعات والمصادر الأجنبية عن القوائم السينمائية، قد قاد واضعي هذا الكتيب إلى تفضيل «فتاة من إسرائيل» (إخراج إيهاب راضي، 1999) على «أرض الخوف» (إخراج داود عبد السيد، 1999)، الذي يعد أيقونة سينمائية وفلسفية بحق، صنعها مخرج متمكن وأداها بحرفية أحمد زكي. من منا يتذكر الأول على حساب الفيلم الأخير؟
دعونا نتساءل أيضـًا، وفق معيار الأهمية، كيف يمكن لواضعي القائمة اختيار فيلم «رامي الاعتصامي» (إخراج سامي رافع، 2008) باعتباره "نبوءة النزول إلى الشارع" (ص 43) في حين جرى تجاهل فيلم «هي فوضى؟» (إخراج يوسف شاهين، 2007)؟!
لقد سبق الفيلم الأخير بإطلاق صافرة إنذار ضد موضوع الفساد وتجاوزات الشرطة، وكان بمعنى من المعاني نبوءة سبقت الواقع، في حين يبدو «رامي الاعتصامي» في صياغته وقالبه الكوميدي أقل أهمية وتأثيرًا.
ربما كان طبيعيــًا في التحليل النهائي لقائمة «الهلال» أن يكون أنور وجدي هو أهم ممثل في تاريخ السينما المصرية!
لا أعرف كيف تحمس الصديق العزيز أشرف غريب، وهو مؤرخٌ فني عتيد، لمثل هذه الفكرة المتهافتة، التي تختار معيارًا مهمل الجانب، على حساب الجودة الفنية، التي هي بالتأكيد شديدة التأثير في النقاد والجمهور على حدٍ سواء.
سيحتفظ هذا الكتيب بصفحاته الخمسين بمكانة بارزة في قائمة "أسوأ" محاولات توثيق الأعمال السينمائية في مصر.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "«الهلال» والسينما.. كتيب للنسيان!"

أكتب تعليقا