الحرب في منزل طه حسين

| |







يبدو د.زكي مبارك (1892- 1952) مثالًا على الأديب والشاعر والصحفي، الجاهز دومـًا للاشتباك في المعارك الأدبية والفكرية.
حمل زكي مبارك القلم مثلما يحمل فلاح سنتريس «النبوت»، وهجا الجميع. يبدو أيضـًا أن تأثير قرية سنتريس بالمنوفية التي ولد بها، كان له أثرٌ كبير على زكي مبارك، فقد نشأ يحبّها ويشير إليها باستمرار.
وربما ليس هناك ما يكشف عن شخصية زكي مبارك أكثر مما أورده هو شخصيـًا في مقال تحت عنوان «في منزل الدكتور طه حسين» نشرته مجلة «الرسالة»، عن لقاء وجلسة في منزل أستاذه وصديقه اللدود عام 1939، يتضح فيها كل ما ذكرناه عن شخصية زكي مبارك التي تميل إلى الهجاء، وغمز البعض من قناة أصوله المنوفية، وعلاقته المتأرجحة مع أبرز أدباء عصره ومفكريه.
يقول زكي مبارك في نص مقاله أنه زار طه حسين في منزله الكائن في الزمالك "فكان منزله في أنس بجماعة من أهل الفضل هم الأساتذة شفيق غربال، وعبدالواحد خلاف، ومنصور فهمي، وعلي عبدالرازق، وسعيد لطفي، وأمين الخولي، وتوفيق الحكيم، وعبدالوهاب عزام، وإبراهيم مصطفى، وعبدالحميد العبادي".
ولنتابع بعض فقرات من الحوار الممتع:
"وبعد أن دارت السجائر على الزائرين شرع الأستاذ أمين الخولي في الحديث
أمين الخولي - يا زكي، ما تترك أبدًا أخلاق المنوفية؟
طه حسين - وما أخلاق المنوفية؟
أمين الخولي - هي المشاغبة واللجاجة والعناد
طه حسين - وزكي مبارك مشاغب؟ قل كلامـًا غير هذا يا أمين، فما عرف الناس زكيـًا إلا مثال اللطف والأدب والذوق. الدكتور زكي حقيقة رجل لطيف؛ ومن آيات لطفه أنه ينظر فيرى الناس قد ضجروا من الهدوء والسكون فيسلط عليهم القذائف القلمية ليتذوقوا نعمة الحركة والجدَل والنضال.
علي عبدالرازق - يظهر أنك راضٍ عن الدكتور زكي مبارك
طه حسين - وهل أملك غير ذلك؟
زكي مبارك - تملكُ كلمة النصح يا سيدي الدكتور، إن رأيت ما يوجب كلمة النصح
طه حسين - لا، يا عم، يفتح الله!
زكي مبارك - يظهر يا سيدي الدكتور أنك غضبان
طه حسين - لست بغضبان، ولكن يحق لي أن أنزعج من بعض ما أقرأ لك
عبدالواحد خلاف - لعل الدكتور يشير إلى مقالاته في مهاجمة الأستاذ أحمد أمين
أحمد أمين - أنا أحتج على إثارة هذا الموضوع في هذا المجلس
خلاف - الخطب سهل، ونحن نحاول تصفية القلوب
أحمد أمين - أنا أحتمل كل شيء إلا التعرض لنبالتي
طه حسين - وهل تعرض زكي مبارك لنبالتك بشيء؟ إن هذا لو صحّ لكان خروجـًا على شِرعة العقل!
أحمد أمين - لقد تعرض لنبالتي بأشياء
إبراهيم مصطفى - إن الدكتور زكي لم يتعرض لنبالتك، يا حضرة الأستاذ
زكي مبارك - أنتم تخوضون في شجون من الأحاديث لا عهد لي بها قبل اليوم، فما كنت أعرف أن الأستاذ أحمد أمين فوق النقد، ولا كنت أظن أن التعرض لتفنيد آرائه يعد هجومـًا على قدسيته الذاتية! فهل تعتقد يا أستاذ أني تجنيت عليك؟
أحمد أمين - ليس لي معك كلام، ولا أقبل الدخول معك في نقاش، وأنت حرٌّ فيما تنشر من زور وبهتان
زكي مبارك - زور وبهتان؟ وهل النبالة أن تنطق بهذه الكلمات في هذا المجلس؟
منصور فهمي - لاحظ يا زكي أنك جرّحت الأستاذ أحمد أمين وأن من حقه أن يعلن غضبه عليك، والنفس الإنسانية معرضة للرضا والغضب، والفرح والترح، والرجاء والقنوط. فالأستاذ أحمد أمين يعبر تعبيرًا طبيعيـًا عن السريرة الإنسانية
طه حسين - إيه الحكاية؟
أحمد أمين - الحكاية أن زكي مبارك يقول إن طه حسين جاهل، وإن أحمد أمين جهول!
طه حسين - خبر أسود!
سعيد لطفي - أنا كنت أظن أن المسألة مزاح في مزاح. وأين نشر الدكتور زكي هذا الكلام المزعج؟!
أحمد أمين - نشره في مجلة «الرسالة» وعند الزيات. «الرسالة» التي خلقتها بقلمي
زكي مبارك - والزيات الذي سوَّيته بيديك!
طه حسين - لقد قرأت المقالة الأولى قبل السفر، وأوصيت الأستاذ عبده عزام بحفظ المجموعة لأقرأها يوم أعود، وسأقرأها في هذه الأيام، فإن رأيت فيها أني جاهل وأن أحمد أمين جهول فستكون وقعتك يا زكي زيْ الزفت!
أحمد أمين - وما شأنك بالأدب العربي؟ وما هي خدماتك لهذا الأدب الذي تقول إنك تغار عليه كما تغار على عِرضك؟
زكي مبارك - يكفي أني من تلامذة طه حسين
طه حسين - العفو! العفو! إني والله راض بأن تكون من أساتذة طه حسين!
زكي مبارك - يا سيدي الدكتور. . .
طه حسين - تقتلني حين تقول (سيدي الدكتور) وأنت ترى أني جاهل وأن أحمد أمين جهول
علي عبدالرازق - لم أشهد في حياتي أروع من هذا الحوار، وهو يستحق التسجيل
طه حسين - فهل نرجو أن يكف زكي مبارك عن العدوان بعد هذا الصفاء؟
زكي مبارك - هل تصافينا حقيقة؟
أحمد أمين - لن نتصافى أبدًا بعد الذي كان

زكي مبارك - يظهر أنك تستروح بالهجوم عليك، وسأخيِّب ظنك فأسكت عنك بعد ثلاث أو أربع مقالات... مساء الخير، يا سيدي الدكتور، والحمد لله الذي أرجعك إلينا بخير وعافية».

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

6 التعليقات على "الحرب في منزل طه حسين"

أكتب تعليقا