شجرة الإهمال الطبي

| |




مهنة يد الله فـي الأرض، أصبحت فـي عين العاصفة، والسبب: الإهمال.
بقعٌ تُلطخ ثوبها الأبيض النقي، وتثير تساؤلات عن أخطاء بعض الأطباء الناجمة عن الإهمال وسوء التقدير، أو إجراء عمليات جراحية في أماكن غير مجهزة لذلك، مما يفضي في أحيان كثيرة إلى حصد أرواح أبرياء، دخلوا المستشفى بحثـًا عن علاج، فإذا بهم يدفعون أرواحهم ثمنـًا لخطأ أحد هؤلاء الأطباء.
وفي وقتٍ لا توجد كلية طب واحدة في مصر معترفٌ بخريجيها خارج البلاد، فإن شجرة الإهمال والفساد داخل أروقة قطاع الصحة تحمل فروعها كل أنواع الفشل.
الراقصة سلمى طارق محمود وشهرتها «غزل» دخلت مجمع «ألفا الطبي» التخصصي في هضبة الأهرام في مطلع أغسطس 2017 لإجراء عملية كحت أو تنظيف الرحم عقب إجرائها عملية إجهاض في مكان آخر. بعد إجراء العملية بفترة وجيزة أعادها أقرباء  «غزل» إلى المستشفى مرة أخرى، لمعاناتها هبوطـًا حادًا في الدورة الدموية، وتم وضعها على أجهزة التنفس الصناعي لعمل إنعاش قلبي رئوي (سي بي آر)، لكنها تُوفيت في غضون دقائق. سرعان ما انفعل أقرباء الراقصة واتهم زوجها العرفي عمرو فاروق أحمد حسين، صاحب معرض سيارات، المستشفى بالإهمال والتقصير.
النيابة العامة حققت في الواقعة واستدعت مدير المستشفى والطبيبة المسؤولة عن الحالة وفريق التمريض المعاون لها وحققت معهم لساعات طويلة. تم انتداب لجنة من وزارة الصحة للتأكد من شروط الأمان والسلامة والالتزام بالمعايير الخاصة بالمستشفيات. تبين عدم وجود تصاريح للعمل، إضافة إلى مخالفات جسيمة، وأفاد التقرير المبدئي، بأن المجني عليها (وهي من مواليد مدينة الإسكندرية عام 1992) توفيت نتيجة جرعة تخدير زائدة، وتم أخذ عينات معوية ودموية من جثمانها لإرسالها إلى المعمل الكيماوي، ومعرفة نوع العقار المخدر المُستخدم في العملية. وبالتالي صدر قرار من النيابة بإغلاق المستشفى، لحين انتهاء التحقيقات مع إخلاء سبيل طبيبة النساء والتوليد "أميرة. ع" بكفالة بلغت قيمتها عشرين ألف جنيه.
ليست هذه حالة يتيمة، وإنما حلقة في مسلسل الإهمال الطبي المميت.
لم تكن «غزل» الأولى، ولن تكون الأخيرة من ضحايا الأخطاء الطبية، من مختلف الفئات والمهن والمستويات الاجتماعية. منهم من نجا، ومنهم من قضى، سواء أكانوا خضعوا لعلاج أو لجراحة بسبب التجميل، أم لأسباب صحية حقيقية. كما تحفظ الذاكرة العديد من الحالات التي تمّ السكوت عنها، لأسباب أو أخرى، كما نالت بعض أهل الفن، خاصة من الممثلات، تشوّهات في الوجه، بسبب أخطاء نتجت عن عمليات تجميل.
ولعل رحيل الممثلة سعاد نصر، بعد دخولها في غيبوبة طويلة، بسبب خطأ طبي خلال جراحة تجميلية، هو الأشهر في هذا الصدد.
ترجع وقائع القضية إلى ‏27‏ ديسمبر عام ‏2005‏ عندما دخلت الفنانة الراحلة سعاد نصر مستشفى في القاهرة لإجراء بعض عمليات التجميل وشفط الدهون، إلا أنها راحت في غيبوبة كاملة استمرت لما يقرب من عام انتهت بوفاتها، وذلك بسبب خطأ مهني جسيم في عملية التخدير التي أجراها لها استشاري التخدير، مما نتج عنه غيبوبة لحقت بالمجني عليها وجعلتها تعاني مدة طويلة حتى الوفاة.
قدم أقارب الراحلة بلاغات اتهموا فيها طبيب التخدير وإدارة المستشفى بالإهمال الجسيم الذي تسبب في المضاعفات الصحية ووفاة سعاد نصر. أمرت النيابة العامة وقتها بتشريح الجثة بمعرفة أطباء مصلحة الطب الشرعي لتحديد أسباب وفاة الراحلة، حيث أثبت تقرير الطب الشرعي وقوع خطأ طبي كان السبب في حالة الغيبوبة والوفاة‏.‏
بعد أكثر من ‏3‏ أعوام ونصف العام، قضت محكمة جنح مدينة نصر أول في يوليو 2009 بحبس استشاري التخدير ‏3‏ سنوات وكفالة ‏5000‏ جنيه وإحالة الدعاوى المدنية للمحكمة المختصة بعد إدانته بالتسبب في جريمة قتل خطأ راحت ضحيتها الفنانة سعاد نصر.
وتُوفيت السيناريست نادين شمس، وسط جدل كبير واتهامات بوقوع خطأ أو إهمال أودى بحياتها.
نادين نبيل عبدالخالق (نادين شمس)، التي شاركت في كتابة سيناريو عدة مسلسلات تليفزيونية مثل "موجة حارة" و"قانون المراغي" إضافة إلى فيلم "إحنا اتقابلنا قبل كده"، دخلت إلى المستشفى من أجل إجراء جراحة استئصال أورام ليفية بالرحم، لكنها لم تكن تعلم أنها ستخرج جثة هامدة.

هذه الحوادث الطبية تفرض علينا مراجعات شاملة سواء للمجمعات الطبية أو "المستشفيات" التي تمارس المهنة بدون التراخيص اللازمة، والتحقق من مدى تطابق أي منشأة صحية مع المواصفات الطبية، وبطبيعة الحال، هناك ضرورة لمواجهة الإهمال الطبي والتحقيق بشأنه لضمان وجود رادع حقيقي لكل من يهمل في التعامل مع حياة إنسان.. اي إنسان.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "شجرة الإهمال الطبي"

أكتب تعليقا