إضراب غزل المحلة.. وسيف سعفان!

| |





بعد نحو أسبوعين من الصمت والتجاهل الإعلامي لأزمة إضراب عمال غزل المحلة (أغسطس 2017)، نطق وزير القوى العاملة، محمد سعفان.
في أول تعليق له على الأزمة، رفع الوزير سعفان لواء التعنت، وبدا شاهرًا سيفه وهو يقول: «رئيس الوزراء مش هيروح المحلة وأنا مش هروح المحلة ولا يجوز وقف ماكينات الشركة بكل هذه السهولة وتعطيل اقتصاد البلد، وطرح المطالب لا يكون بهذا الشكل، والحكومة لن تتواصل مع من يضر باقتصادها».
هكذا رد وزير "القوى العاملة" على 16 ألف عامل في شركة غزل المحلة، ممن كانوا يواصلون إضرابهم عن العمل داخل مصانع وعنابر شركة الوبريات، والملابس الجاهزة، والصوف، والغزل والنسيج، احتجاجـًا على تجاهل مجلس الوزراء، مطالبهم التي تلخصت في صرف أرباحهم وحوافزهم المالية المتأخرة أسوة بزملائهم.
بالمثل، ستجد تصريحات متصلبة إزاء مطالب العمال المضربين، ومن ذلك مطالبة النائب محمد زكريا محيي الدين، بتطبيق قانون التظاهر بحق عمال شركة غزل المحلة، وقوله إن احتجاجهم يمثل خطورة على الأمن القومي للبلاد، وإن تجاوز احتجاجات العمال أسوار الشركة وامتداده إلى الشوارع استهانة بدولة القانون[1].
أما النائب محمود الصعيدي عضو مجلس النواب وعضو ائتلاف "دعم مصر"، فقال متوعدًا: "انتهى عصر الإضرابات والتظاهرات". وزاد على ذلك د.أحمد مصطفى، رئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج، بأن قال إن قيادات بشركة غزل المحلة تنتمي لجماعة الإخوان تقود إضراب عمال الشركة، بالاتفاق مع عناصر الجماعة من الخارج، وحركتي «٦ إبريل» و«الاشتراكيين الثوريين»، وبطرق منظمة[2].
الوضع شائك، والتصلب والتشنج ليسا حلًا.
لا أحد يدري سبب رفض الوزير وكبار المسؤوولين التفاض مع العمال المضربين، خصوصـًا وأن شركة غزل المحلة تتحمل أكثر من 4 ملايين جنيه، خسائر يومية، بسبب توقف جميعه شبكات الإنتاج بعنابر المصانع، في حين تجاوزت بلغت الخسائر الإجمالية -[3]حتى لحظة انتهاء الإضراب- نحو 100 مليون جنيه، في حين تعرض مجلس إدارة شركة الغزل والقابضة للصناعات الغزل والنسيج، لغرامات عقابية من جانب المستثمرين والعملاء بسبب تأخر تسليم الطلبات لهم.
مطالب المضربين عن العمل تتلخص في صرف العلاوة الاستثنائية بنسبة 10%، وعلاوة غلاء المعيشة، التي أقرها رئيس الجمهورية، بقيمة 10%، بالإضافة إلى زيادة «بدل الغذاء» من 210 جنيهات إلى 400 جنيه، أسوة بباقي الشركات التابعة للشركة القابضة، وسرعة انتهاء عمل لجنة التسويات والترقيات وصرف المكافأة والحافز السنوي، أسوة بزملائهم على مستوى قطاعات شركات قطاع الأعمال «تحقيقـًا للعدالة»، حسب وصفهم.
تأخر تحرك الحكومة ووزير قطاع الأعمال، د.أشرف الشرقاوي، لوضع آليات تستهدف الاستجابة لمطالب العمال وتنفيذها وفق جدول زمني مأمول لكافة طوائف العاملين داخل الشركة.
لم تنفرج الأزمة إلا مع إعلان عبدالفتاح إبراهيم، رئيس النقابة العامة لعمال الغزل والنسيج، فض عمال شركة غزل المحلة الإضراب عن العمل، وعودة عجلة الإنتاج للدوران. وتابع أنه فتح خط اتصال مباشر مع مسؤولي الشركة القابضة للغزل والنسيج، خلال تفاوضه مع العمال حول فض الإضراب، وتم الاتفاق على عودة عجلة الإنتاج أولًا، والتفاوض بعد ذلك حول المطالب المالية[4].
لا المدرعات ولا دوريات الشرطة ولا قوات من الأمن المركزي، تمكنا من تسوية أزمة من هذا النوع، وإنما التفاوض الهادئ المتعقل الذي يضع المصلحة الوطنية أولًا بدون مزايدات ولا تشنجات.
وهو ما كان.. بعد فوات الأوان!
ولو أن الأجهزة المعنية توقفت بجدية عند لافتة رفعها العمال المضربون تقول كلماتها «يا ريس فساد شركة غزل المحلة أقوى من الإرهاب»، لكان من الممكن التقاط طرف الخيط بشأن جوهر الأزمة، ومحاسبة المقصرين والفاسدين، مع إنصاف صاحب كل ذي حق.
هنا لا بدَّ أن نشير إلى أن الشركة شهدت تحسنًا كبيرًا في حجم الإنتاج خلال الشهور الماضية، مما أدى إلى زيادة الإنتاج الموجه للتصدير، والذي بلغ نحو 22 طنـًا يوميـًا، مما ساعد الشركة على البدء في تسديد ديونها.
دعونا لا ننسى أن الإضراب العام الذي شهدته مصر في 6 أبريل 2008 بدعوة من عمال المحلة الكبرى، كان طلقة البداية في سقوط نظام الرئيس حسني مبارك، بعد أن أدى صمود المحتجين إلى ظهور حركات مؤيدة وداعمة لها في الشارع المصري.
يومها لم يرض عمال المحلة بالصمت طويلًا على أوضاعهم المتردية، فخرجوا ثائرين في السادس من أبريل عام 2008، للدفاع عن حقوقهم، إيمانـًا منهم بأنه "لا يضيع حق وراءه مطالب"، فكانوا شرارة ثورة اندلعت في 25 يناير 2011. كان إضراب أبريل 2008 هو الأعنف عماليـًا، وانتشرت فكرة الإضراب بشكل سريع للغاية عن طريق الإنترنت والمدونات وكان أكثر من نشر فكرة الإضراب موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" وعن طريق الموبايلات والمنشورات وتعليق الشعارات في الشارع، وتحول الإضراب من مدينة المحلة الكبرى إلى أحداث شغب كبيرة عرفت بأحداث 6 أبريل أو أحداث المحلة شملت هجومـًا على أقسام ومراكز الشرطة وتدمير أجزاء من المدينة وإحراق مبانٍ وعمليات سلب ونهب بشكل عشوائي. وتوجه رئيس مجلس الوزراء أحمد نظيف وقتها، إلى المدينة في صحبة وفد وزاري كبير، وتعهد بطرح سلع مدعومة في المدينة وضخ استثمارات في شركة غزل المحلة، إلى جانب عدد من التعهدات الأخرى لامتصاص الغضب.
حين يكون هناك إضرابٌ في البيت، لا تجعلوه ينفجر في وجوهنا جميعـًا ويخرج إلى الشوارع.


[1] محمود جاويش، نائب يطالب بتطبيق قانون التظاهر على «المضربين».. و«شعبان»: القوة لن تحل الأزمة، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 20 أغسطس 2017.
[2] محمد عبدالعاطي، «القابضة للغزل»: قيادات الإخوان بالشركة تقود الإضراب، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 20 أغسطس 2017.
[3] كريمة حسن ومينا غالي ومحمد فايد، عمال شركة غزل المحلة ينهون اعتصامهم بعد إضراب ١٢ يومـًا، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 21 أغسطس 2017.
[4] محمد فايد وكريمة حسن ومينا غالي، انتهاء إضراب عمال «غزل المحلة»، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 21 أغسطس 2017.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!