ألغوا وزارة الثقافة

| |




الثقافة عصفورٌ مغرد، فلا تحبسوه في قفص، ولو كان اسم هذا القفص: وزارة الثقافة.
إن نظرة على أداء وزارة الثقافة منذ ثورة 25 يناير 2011 وحتى الآن، تكشف عن استمرار غياب الرؤية الثقافية، فضلًا عن أن أداء وزراء الثقافة المتعاقبين اتسم بالبيروقراطية والبطء وغياب الخيال الثقافي الخلاق، والاعتماد على الأداء النمطي لهيئات الوزارة الختلفة، التي عانت من الاحتجاجات الفئوية وتضخم العمالة، حيث تشكل بنود الأجور والمكافآت أكثر من 84% من ميزانية الوزارة، ومن ثم يبدو الجزء المخصص للأنشطة الثقافية محدودًا.
ظلت دائرة رؤساء الهيئات والذين معهم من المثقفين ثابتة طوال عهد فاروق حسني المديد. وليس مدهشـًا أنها ظلت كما هي، بما في ذلك د.جابر عصفور نفسه، الذي اختير وزيرًا للمرة الثانية قبل استبعاده في 5 مارس 2015. ومع ذلك، فإن نفوذه بقي حاضرًا في وزارة الثقافة ووزيرها حلمي النمنم، وبدا ذلك واضحـًا في الأزمة التي أدت إلى استقالة رئيس تحرير جريدة "القاهرة" سيد محمود في عام 2017.
الطريف أنه بعد توليه منصب وزير الثقافة، عقد عصفور -الذي ربما كان تعيينه وزيرًا خيارًا إصلاحيـًا قبل عشرين عامـًا، لا اليوم- اجتماعـًا بقيادات الوزارة وأعضاء المجلس الأعلى للثقافة وعندما تتمعن في صورة اللقاء ستجد أن "المثقفين" الذين اجتمعوا بالرئيس الأسبق، حسني مبارك، وخرجوا يدبجون المقالات في مدحه، هم الذين جلسوا لكي يرسموا لنا ملامح المستقبل . وكأن مصر قادرة على تحمل هزائم حضارية وتراجع ثقافي جديد بعد ذلك الذي أشرفوا هم أنفسهم على تحقيقه ولم يشعروا به.
أصيب مثقفون كثيرون بخيبة أمل كبيرة، وبإحباط شديد، لاعتباراتٍ كثيرة ومتداخلة، أبرزها التحولات الجذرية التي مسّت وظيفة المثقف وصورته في المجتمعات العربية، ومنها المجتمع المصري، بحيث لم يعد يتمتع بالقيمة الاعتبارية نفسها، وبالرمزية التي كانت له في فترةٍ مضت، ولم يعد مصدر إزعاج أو استفزاز للدولة، عندما كانت الأخيرة تهاب المثقف، وتحسب له حسابـًا، وكانت تعتبره خطرًا عليها، عندما كان يرمز إلى الثورة والتغيير والتجديد، وحتى تلك المكانة التي كان يحتلها في البنية الحزبية لم تعد قائمة، فبدل أن ترتفع أسهم المثقف في بورصة السياسة، نجد أنها هوت إلى أدنى درجة، فيما يشبه عقوبة من السياسي تجاه المثقف، أما الدولة، بمكوناتها ووظائفها، فقد خططت، منذ سنوات، لاحتواء المثقف وتدجينه وإغرائه، في مسعى حثيثٍ إلى تحييد فاعليته، وطمس إشعاعه، فتحقق لها هدف قتل المثقف، من دون أن تدرك أنها، بفعلها ذاك، ارتكبت خطـًأ جسيمـًا، كونها استأصلت من المجتمع أدوات التفكير العقلاني، والإنتاج الرمزي، وحوّلته، تبعـًا لسلوكها المتوجس، إلى صحراء، لا ماء فيها ولا كلأ.
إن الثورات الجماهيرية، بل وحتى الأحداث السياسية، من شأنها أن تحفز على التفكير من أجل تغييرات ثقافية كبرى‏.‏ وفي هذا السياق يمكننا إعادة قراءة كتاب طه حسين "مستقبل الثقافة في مصر" الصادر عام ‏1938‏ بالانطلاق من الاعتقاد بأن معاهدة ‏1936‏ المصرية البريطانية من شأنها وضع البلاد على طريق الاستقلال، ومن الثقة بقدرة المصريين على اللحاق بركب التقدم الإنساني والأخذ بأسباب الحضارة الحديثة‏.‏ كما يمكن إعادة قراءة كتاب "في الثقافة المصرية" لـعبدالعظيم أنيس ومحمود أمين العالم الصادر عام ‏1955‏ انطلاقـًا من الصراع حول مسألة التحرر الوطني والاجتماعي وبين القديم والجديد في منتصف الخمسينيات‏.‏ وهذا بصرف النظر عن أن الكتاب الأول قد كرَّس معظم صفحاته للانشغال بإصلاح النظام التعليمي بما في ذلك الجامعي، فيما اهتم الآخر بقضايا الأدب ونقده‏.‏
للأسف‏، لا تعرف مصر بعد ‏25‏ يناير وحتى الآن كتابـًا أو نصـًا متكاملًا على هذا النحو يطرح على المجتمع مسألة التغيير في الثقافة المصرية‏.‏ وحتى التيارات التي شغلت فضاء السياسة والمجال العام بشعاراتها عن الإسلام والشريعة لم تقدم إسهامـًا يُذكر على مستوى الثقافة أو الإبداع الفني من شأنه أن يثير جدلًا مجتمعيـًا‏،‏ أو حتى كتابـًا في السياسة أو التاريخ يمتلك شجاعة مراجعة الأفكار والأفعال أو يطرح نظرية لتقدم هذا المجتمع.

تجديد الثقافة قد يبدأ من إلغاء وزارتها، التي تبدو كيانـًا روتينيـًا لا معنى له في الألفية الثالثة.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!