الدموع ليست حلًا

| |






قبل 18 شهرًا بالضبط صدر نعي هيئة السكة الحديد في مصر.
النعي الحزين والصادم جاء وقتها على لسان وزارة النقل، حين قال أحمد إبراهيم، المتحدث الرسمي للوزارة، إن هناك حقائق مهمة يجب أن يعلمها الرأي العام عن حال السكة الحديد في مصر التي أصبحت لا تسر عدوًا ولا حبيبـًا؛ لأن الموجود حاليـًا هو حطام هيئة بها قضبان عمرها أكثر من ١٠٠ سنة، وتعمل بنظام التحويلات اليدوية والأسطوانات الذي انتهى من كل دول العالم، ولم تشهد أي تطوير منذ عشرات السنوات، ولم يكن هناك اهتمام بتدريب العاملين، ولم تفكر الدولة في إنشاء كلية أو معهد أو مدرسة لها، كما عفى الزمن على القوانين المنظمة لعمل الهيئة. وأضاف أن المزلقانات هي نقطة ضعف الهيئة ولا تفيدها، وأن تهالك الخطوط عقبة أمام تطوير المزلقانات، واصفـًا التصريحات بأنها توصيف حقيقي لحال الهيئة، وليست تنصلًا من المسؤولية.
لقد طال الحديث سنوات عن تطوير المزلقانات في هيئة السكة الحديد بإنشاء كباري أو أنفاق لمنع التقاطعات مع خطوط القطارات، من دون أن يحدث ذلك، وأهدرت الهيئة أكثر من 5 مليارات جنيه تم تخصيصها في عهد وزير النقل الأسبق محمد لطفي منصور لتحديث البنية الأساسية والمزلقانات على مشروعات وهمية في إعادة الهيكلة وتقسيم الهيئة لعدة شركات، حسب اعتراف عدد من قيادات الهيئة السابقين.
ولنستمع إلى شهادة مصطفى الليثي، نائب رئيس الرابطة العامة لسائقي القطارات؛ إذ يقول "إن هيئة السكة الحديد تدار بعشوائية"، و"إن قياديي الهيئة يديرونها بخطةٍ قديمة ترجع لعام 2008، وضعها لطفي منصور وزير النقل الأسبق، ما أدى إلى إهدار مليارات الجنيهات بحجة تطوير القطارات". وأضاف الليثي أن "الخطة تسببت في إهدار المليارات، خاصة بعد شراء صفقة جرارات (فاشلة) دخل نصفها ورش الصيانة بعد عام من تشغيلها".
ويشير فنيون ونقابيون بهيئة السكة الحديد، إلى أنه في عام 2007 وفي عهد محمد لطفي منصور، اشترت الهيئة 81 جرارًا بمنح عربية، إلا أن العجيب أنه تم تكهينها بالكامل بسبب عيوب فنية مثل (شرخ في العجلات وعيوب فنية في الإطارات)، علمـًا بأن لجنة فنية اختبرت تلك الجرارات في بلد الصنع وهي الولايات المتحدة، ثم تبين وجود هذه العيوب الفنية بها، وهو ما أدى إلى تكهينها جميعـًا.
ولمن لا يعرف، فإن وزير النقل منصور طالب منذ بداية توليه منصبه الوزاري بتخصيص 8.5 مليار جنيه لهيئة السكك الحديدية؛ إلا أنه لم تتم الاستجابة له إلا بعد كوارث متلاحقة، حيث جرى تخصيص 5.5 مليار جنيه من عملية بيع ترخيص شركة المحمول الثالثة لتطوير السكك الحديدية. فماذا فعلت وزارة النقل بهذه الأموال؟
استوردت وزارة منصور جرارات قطارات صينية من شركتي "كاتيك" -ووكيلها الرسمي هو مجدي راسخ ، حمو علاء مبارك- و"زيانغ" الصينيتين، إضافة إلى جرارات أميركية الصنع استوردت مناصفة بين شركتَي "جنرال ـ إليكتريك" و"إي. إم. دي".
الفساد تزكم رائحته الأنوف. أما الإهمال فهو الابن الأثير للفساد.
خلال الفترة من يناير 2001 إلى مايو 2006، وقعت 59 حادثة على خطوط السكك الحديدية، بمعدل 10.7 حادثة سنويـًا استأثر خط القاهرة- الإسكندرية بنسبة 41% منها، وكان 11.8% من هذه الحوادث نتيجة تصادم بين قطارين، ونسبة 28.3% نتيجة اقتحام سيارات لمزلقانات السكك الحديدية وهي مغلقة، و18.9% بسبب خروج القطار عن القضبان أدت في معظمها إلى انقلابه، و23% بسبب العبور الخاطئ في أماكن غير قانونية، و5% بسبب سقوط الركاب من القطار.
كل سببٍ من هذه الأسباب يفتح أبواب الجحيم، ويشير بوضوح إما إلى الإهمال أو الفساد. وعندما يلتقيان، ترتفع أرقام الخسائر البشرية والأضرار في الممتلكات.
نعالوا نستقرئ بيانات أخرى قد تلقي مزيدًا من الضوء على كارثة حوادث القطارات.
فقد أفاد تقرير لوزارة النقل بأن حوادث القطارات في مصر شهدت زيادة بنسبة ٣٣%؛ إذ بلغت ١٠٤٤ حادثـًا عام ٢٠١٤، تسببت في مقتل ٨٥ شخصـًا وإصابة ٦٨ آخرين، مقابل ٧٨١ حادثـًا عام ٢٠١٣، أسفرت عن مقتل ٧٧ وإصابة ٢٢٥ آخرين.
وأوضح التقرير أن المزلقانات شكلت نسبة ١٢% من إجمالى الحوادث، بـ١٥٢ حادثـًا ما بين اقتحام سيارات للمزلقانات الرسمية والبالغ عددها ١٣٣٢، وغير القانونية وعددها ١٩٩٣ مزلقانـًا.
كل هذا ونحن نبكي كلما وقع حادث مأساوي جديد لتصادم بين قطارات أو تصادم قطار مع حافلة أو قافلة سيارات.

الدموع ليست حلًا.. أوقفوا الفساد وحاسبوا المهملين والمقصرين، قبل أن تتكرر المأساة.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!