"عائلة جادو".. التحذير الأخير!

| |






أنت الآن محاصرٌ بالجثث في مكانٍ متجهم لا نافذة له ولا باب. وسط هذه المقبرة البشرية المسكونة، التي تحوي أبشع المناظر المحتملة، وأكثر الروائح الخبيثة نفاذًا، ستمتد يدٌ ما من العدم لتهديك نص النصوص: "عائلة جادو".
هذه هي الأجواء الميتافيزيقية التي تحيط بك وأنت تطالع هذه الرواية الملحمية الفذة للروائي أحمد الفخراني، بكل ما فيها من تحولات وانعطافات بل وحوادث عاصفة، تقودك في النهاية إلى الكنز النفيس: الوعي.
في هذه الرواية الصادرة عن دار العين (القاهرة، 2017)، تطالع عبر 433 صفحة من القطع المتوسط ملحمة الخوف إذ يعانق الفلسفة. وبلغةٍ سردية رشيقة يلعب فيها الحوار دورًا حاسمـًا، وإيقاعٍ للتلقي يسمح بقراءة النص حد الاستغراق فيه، وبتكثيفٍ يُحمِّل النص أوجه تأويل ومقاربات متنوعة، يأتي الروائي بعمل إبداعي متماسك، لا يخلو رغم تراجيديته ودمويته من تعليقاتٍ وعبارات تدفع إلى الابتسام.
ببساطة، حملق أحمد الفخراني في وجه بلاده، الآن وفي المستقبل، ثم كتب رواية سوادوية بامتياز. رواية بها الكثير من التسجيل والإدانة عبر صورة متخيلة لمستقبلٍ لن ينجو فيه -ولا منه- أحد.
بلغة السارد العليم وتعدد الضمائر، يقدم الفخراني عملًا روائيـًا رفيع المستوى، ورحلة تغوص في أغوار النفس الإنسانية، بكل تشوهاتها ولحظات جبروتها وضعفها، ليقدم لنا الرواية الأكثر صعقـًا في عام 2017. رواية عن بشر وكائنات "كلما اقتربت أرواحهم من اليأس من الحياة، ظهر جوهرهم اكثر" (ص415).
إنها رواية يتماهى فيها الواقعي مع الغرائبي، والخيالي مع الواقعي، تأتينا على لسان "رزق" تاجر العبيد، مالك بطل رهانات المصارعة الشعبية "عبدالمولى" الشهير باسم "هركليز"، الذي يزعم "رزق" أنه أتى به "عبر رحلة شاقة إلى مدينة مسحورة في موريتانيا"، في حين أن "الحقيقة غير ذلك. اشتريته ببساطة وأنا على مقهى في المطرية، أدخن الشيشة، واخترتُ جسده من بين آلاف الأجساد والأسعار بعملة الإنترنت المشفرة" (ص 12).
هذه التوليفة الغنية من الأفكار والأماكن، أفسحت طاقاتها لحركة الشخصيات، سواء الأساسية أو الثانوية، وحتى المحكي عنها، لتقدم أنموذجـًا سرديـًا قائمـًا على مرجعيات الزمان وتداولها ما بين ماضٍ وحاضر، وهي تتشابك مع عناصر الحكاية في سبيكةٍ واحدة.
في رحلته وحديثه عن مشقة الوجود، يقدم لنا الفخراني الذات بلا رتوش، ويدلنا على ذواتٍ متوازية متشظية، تاهت في سراديب العنف البشري والأسئلة الوجودية والماورائية. إنه يميط اللثام عن "تلك الكراهية المصبوغة بزيف المحبة، هي روح كل العائلات" (ص 81).
رائحة الخوف في كل صفحة، إذ نطالع: "أنظر إلى كنزي المخبوء، وأفكر في الرجل الذي كان يسأل بأدب: "هل تقبل أن تكون عشائي؟" أفكر لِمَ تحركتْ الضحايا إليه طواعية؟ أي غواية؟ هل يمكن لوم رجلٍ قدم عرضه دون إجبار؟ يُخبرهم أنه بأكلهم يحتفظ بجمالهم حيـًا داخله. وأفكر: أي فارقٍ بين الغواية والإجبار؟ سوط اللذة أم سوط العقاب؟" (ص 60- 61).
وهو يطاول في مقارباتٍ لماحة ذات السؤال الأزلي الذي يطارد البشرية المعذبة في تناوب أفراحها وأتراحها: كيف نتحمل عذابات الوجود؟
الإجابة كامنة، يمكن استقراؤها من تضاعيف النص، ومن خلال متابعة تلك المعادلة العصيّة على التوصيف، وهي معادلة الحياة بلا معنى والموت بلا ثمن. فهو يُنبهك إلى أنه "لا يمكن أن تعرف أثر الموت إلا على الوجه المحطم للنساء" (ص 72)، ويتحدث عن تجربة غسل الميت "جادو"، فيقول: "أدخل. جسده مسجى في وداعة. هذا الجسد لا يلوم أحدًا" (ص 74)، قبل أن يقرر "لا فائدة من قتل الموتى.. فليس لديهم ما يخسرونه" (ص 416).
يجنح الفخراني في روايته إلى تكثيف الحضور الحميميّ في قلب اللحظة المناسبة عن طريق آلة الاسترجاع المشحوذة دائمـًا بقوةٍ غامضة. وهو يترك شخصياته تخوض صراعـًا قاسيـًا لا يلين، يشبه لعبة مدمرة ترمي الخاسر في جوف العتمة.
اتسمت شعريّة الكتابة في النص الروائي على مستوى التعبير والتشكيل بقدرٍ عالٍ من التماسك، وهو ما لا يمكن تحقيقه بسهولة في نصٍ تشتبك فيه المسارات والخطوط بدرجةٍ معقدة أحيانـًا. لغةٌ لا تشبه غيرها من حيث تكوينها الفسيفسائي القائم على التلوين والتعشيق والتكثيف. لغةٌ تشتبك مع القارئ وتهز وعيه وتفتح له أبواب رؤية تعبيرية ثرية يتعزز فيها المعنى ويتجسد.
براعة الوصف تتجلى بدون تقليدية، وإنما تشف عنها أوصاف السلوك لا الملامح، كأن يقول عن الشقيقات "ليلى، جيهان، سارة": "الثلاث يتمتعن بكرامة ونبل الشقاء في العينين. والولد تائه في صراط مستقيم، لا يدخن، لا يسهر، لا يسكر، لا يشرب المخدرات، ولكنه كذلك لا ينبغ ولا يطمح ولا يشتهي" (ص 73).
هنا عالمٌ كاملٌ من التواطؤ، ينطلق من ثنائية القهر والخضوع، الأمن والفساد، وسط تساؤلات محيرة حول المعلوم والمجهول، بل برزخ الصحوة والمنام، حتى أن المعادلة السردية في مساراتها التفصيلية قريبة الشبه بحالة السرنمة الوجودية الوجودية التي نعيشها بواقعية تجعل اللا معقول.. معقولًا.
إنها رواية تقول لك إن أجمل ما في الحياة أن تخيط شباكـًا من الأمل فوق بحرٍ من اليأس.
البطل هنا منكبٌ على ذاته، متمترسٌ فيها، يُمشّطُ شَعْرَ الشياطين ويُغنّي، قبل أن يبدأ رحلة ملاحقةِ كائناتٍ أسطورية، تعدو بسرعةٍ خارقة وضراوةٍ مخيفة، كأنما لم تروضها الأقدار. مطاردة تحبس الأنفاس، تحت شمسٍ حارقة اسمها الحقيقة، حيث لا وجود لشجرةٍ أو ظل، إلا عند خط النهاية. وأنت كقارئ تتابع ما يدور أمامك على شاشة هائلة، تستحسن الأكاذيب، ثم تخشى أن تكون وقائع. هكذا ستستمتع وتفزع من هذا الكابوس، الذي لن تنساه ما حييت.
وحين تطالع أحداث الرواية، تشعر كما لو أن الراوي يقول لك: "من المفترَض أنْ يكون هذا سرًا، ولكن لا أستطيع أنْ أُخفيه".
وأنت تنزع الأشواك الدامية من قدميك.. وتتبعه!
الألم يتراكم ويتراكم كقوس قُزح، وأنت تلتهم الصفحات وتتحرّق شوقـًا لمعرفة الحقيقة أو بلوغ النهاية.
 تحفل الرواية باستعاراتٍ ورموز ودلالات ذكية وإشارات سيميولوجية، وصور وحالات ومشاهد مشبعة بالالتباس والغموض، تعكس واقع نصٍ يتكئ على الخيال. استثمر الكاتب هنا مواهبه في الرواية والشعر، وكأنه خلق حالةً مسرحية، مسرحها في الهواء الطلق أكثر مما هي في قاعات مغلقة. الإحالات شاهد ثقافي مهمٌ، من الإشارات إلى "عواء" ألن غينسبرغ (ص 29) وكلمات رامبو (ص 27)، و"مراد بك" وزوجته "نفيسة البيضاء" (ص 18-28) مرورًا بشخصية "عبدالمولى" القريبة الشبه من بطل فيلم Gladiator (ص 14)، والباحث الأجنبي الشاب الذي تعرض للتعذيب، قبل أن ينتهي به الأمر جثة ملقاة في مصرف (ص 29)، وصولًا إلى "قضية عبدة الشيطان" في قصر البارون إمبان في تسعينيات القرن العشرين (ص39)، ومقال "الحل البرازيلي" الذي رآه البعض دعوة لتصفية أطفال الشوارع جسديـًا أسوة بالبرازيل (ص76-77)، وتطبيق فكرة "الحل النهائي" (بمدلولها النازي المميت) "على الماركسيين المتخفين والظاهرين واللاماركسيين المسممة قلوبهم بهراءات الماركسية" (ص 99-100)، وتسريبات إدوارد سنودن موظف وكالة الأمن القومي الأمريكية السابق (ص 50).
منذ البداية تحضر شخصية كارل ماركس، فهو يقول: "كارل ماركس لازال حيـًا، كالضجيج وعضة الناموس وعواء الكلاب الضالة في الليل، خافتـًا كأعمدة الإنارة الذابلة، وكأكياس تطير في الهواء إلى اللاشيء" (ص 7)، كما يشير إلى أن "الروائيين صاروا أكثر شيوعـًا من فقراء الماركسيين" (ص 43)، و"جرثومة ماركس لا تموت" (ص 46)، وهو يحكي على لسان الجلاد "حمزة القسيوني": "لو كارل ماركس اعترض على عبدالناصر، كان هيبقى مرمي هنا زي الكلب" (ص 52)، ويذكّرنا بـ"كوميونة باريس"، جنة الماركسيين المزعومة" (ص53)، ويروي لنا كيف "صفق ماركس مع الحشد مؤديـًا معهم التحية النازية المضحكة" (ص 294)، قبل أن يسأل ويقرر "كيف نشفى من طاعون ماركس؟ أمل الفئران" (ص 46).
أما خاتمة الروائي، التي تتقدم بآيات الشكر والعرفان إلى قائمة طويلة من الشخصيات والأعمال الإبداعية من بينهم رامبو وفريد الدين العطار وحنة أرندت وإريك فروم وجاك دريدا، فلا تنسى أيقونة العمل ومحوره: "وإلى كارل ماركس طبعـًا" (ص 436).
في قصره الفخم، يتسلى "مولانا" "نخنوخ الهواري"، والد "رزق" وهو "يسأل عن أفضل طلبات القتل التي وردتنا" (ص 43) باعتبارهم قتلة محترفين. إنه "رسول النزوات الذي لا يرغب في الشهرة" (ص 55) ، أو القاتل المأجور و"منسق الانتخابات السري، مُعري المعارضين في الصحراء" (ص 55)، الذي سنبحث عن مصيره الغامض في فصول لاحقة.
كأنه صراعٌ على امتلاك كل شيء، ولو على حساب خيانة الذات.
تعامل أحمد الفخراني بوعي شديد وحرفية كبيرة ومهارة مع فكرة المزج بين السينما والتاريخ، مع إسقاطاتٍ سياسية نابهة، وظل في هذا كله وفيـًا لبراعة اللغة الشعرية، والجُمل القصيرة المكثفة/ محافظــًا على الترابط الفني ووحدة الحدث وعدم تفرعه لأحداثٍ ثانوية لا تفيد.
ساعد ذلك على جريان الأحداث على نحوٍ انسيابي بدأ من اللحظة الأولى بشكل يجمع بين العنف والهدوء، فأنت ترى معه الدم والتوحش كأنه مشهدٌ مألوف غير منفر، وهذا يُحسّب للروائي بشكل كبير. الهدوء والبساطة، حتى في لحظات التوتر والخوف، أمرٌ غير يسير، لكن الفخراني يضخ في دمك كل الأدرينالين المطلوب لتقرأ وأنت تشعر بما هو أعمق من مجرد العنف أو التوحش. ومن واقع الحركة أو الصراع تتحرك الأمور وتراوغك المفاجآت والصدمات.
هناك صورٌ موسيقية رائعة لحركة وأصوات أبطال العمل الأساسيين والثانويين، مثل القاصر المحيرة "نورا" في كل تجلياتها الأولى والأخيرة (ص 399)، وكلمات عبدالمولى الأخيرة "بلغت تمام قوتي، ولا شيء أمامي سوى الفناء" (ص 394)، إضافة إلى موسيقى حقيقية مثل "البلاك ميتال" (ص 40) و"الدانوب الأزرق" لشتراوس (ص 42).
يسكب البطل ماء همومه في حوض هموم الآخرين، وهو يجسد لنا الهوية الضائعة، وأنين الذات الجريحة، مع استلهام التراث الشعبي والتاريخي حينـًا، والمراوحة بين الماضي والحاضر والوقائع والرمز حينـًا آخر.
يقول:
"لا أتذكر طعم الهواء الحقيقي قبل أن أقرر أن التبغ هو أفضل وسائل التنفس، السجائر عظيمة، لأنها تجعل موتك على حسابك الشخصي، ولا تحمل في طريقك إليه حقدًا تجاه أحد. رغم ذلك نحن منبوذون. سنطارَدُ يومـًا بالحصى في الأزقة، وسنُحتَجز في مشافي عقاب" (ص 16).
قرب النهاية بقليل، ينعطف النص الروائي بنا في اتجاهٍ آخر نحو سلسلة من الأحلام والكوابيس، تتكشف فيها تفاصيل مهمة عن شخصيات الرواية وأفكارها ومشاعرها.
كواحدةٍ من مفاجآته وغرائبياته التي لا تنتهي، يشهد البطل السارد اللقاء الأخير بين "ماركس" وزوجته "جيني" عند بوابة الفردوس، قبل أن يسمع صراخ "ميخائيل باكونين" وعناده: "سأاجد الجنة"، وسؤاله الختامي للشاعر "دانتي" صاحب "الكوميديا الإلهية": "بأي ذنبٍ استحققنا الجحيم؟" (ص 433).
يفتح الروائي هنا مظلة اللغة الشاعرية على فضاء إنساني أكثر اتساعـًا، مع إشارات فلسفية تحمل القارئ على التأمل واستعادة ومضات معينة في هذه الحكايات المتشعبة.
الرواية عند أحمد الفخراني ليست فكرة، بل معنى شامل وبناء متكامل، وتحذير أخير لمن شاء، وهو هنا يُضفِّر رأيه عن الموت والحياة في سلاسةٍ مفزعة، تستحق القراءة والدهشة معـًا.


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!