قميصٌ اسمه البيت

| |







كلما تأملت التطور العمراني في مصر، وجدت فيه ما يستحق المراجعة والتساؤل: هل نؤمن حقـًا بالجمال أم أننا ننحاز -عمدًا أو دون قصد- إلى ثقافة القبح.
في زمن مضى، شبَّه ابن قتيبة (في "عيون الأخبار") الدار بالقميص، فحيث يُخاط القميص حسب مقاس صاحبه، كذلك يبنى البيت حسب مقياس ساكنه، وبهذا يُعَدُّ ابن قتيبة أول من تحدث عن المقياس الإنساني في العمارة الإسلامية.
"مقياس إنساني" يفهم معنى احتياجات الفرد والعائلة، ويلبيها بما يحفظ كلًا من الخصوصية (لا منازل تنتهك حياتك ولا جيران يشاركونك تفاصيل يومك داخل أركان بيتك) والكرامة الإنسانية من حيث المساحة (مقبولة وآدمية) وتوافر الخدمات والمرافق اللازمة.
لقد ارتبط المعمار ارتباطـًا وثيقـًا بمصلحة الساكن وحاجاته العائلية والاجتماعية وبطبيعته النفسية، وبقدرته على التفاعل مع البيئة.
شيء من هذا اهتم بها المعماري الفذ حسن فتحي (1900-1989)، الذي أُطلقت عليه جملة من الألقاب منها: (مهندس عمارة الفقراء، سيد البنائين في القرن العشرين، شيخ المعماريين، أبو المعمار العربي)، لإسهامه الكبير في التأسيس لمفهوم جديد في العمارة، يربط بين الإنسان وفن العمارة، حيث أراد تحويل العمارة إلى سكن وسكينة عند الإنسان، من خلال ابتكار طرز وتصاميم معماريّة بسيطة، تنفذ من مواد وخامات البيئة المحليّة، وذلك حفاظـًا على الإنسان والبيئة في آنٍ معـًا، لا سيما الإنسان الفقير في الريف والمدينة على حد سواء.
أول ما لفت انتباه حسن فتحي في التراث المعماري المحلي، المباني الريفيّة الطينيّة المنسجمة مع بيئتها، فوضع أولى تصاميمه لها عام 1937، ونفذ المجموعة الأولى منها عام 1941 في مدينة (يهتيم، الجيزة) التي شكّلت نقطة الانطلاق، لإعادة النظر بهذا الطراز المعماري المحلي المهم.
ومن ثم الاستفادة منه، في وضع تصورات واقتراحات، لإعادته إلى أرض الواقع، برؤية معاصرة، تراعي المواد المحليّة الداخلة في تنفيذه، وتوافقه الشديد مع حركة الناس في أسواقهم ومساكنهم وأمكنة تجمعاتهم المختلفة، والانسجام الكبير بين هذا الطراز والبيئة الطبيعيّة والاجتماعيّة.
لاحقـًا، أقام فتحي قرية (القرنة) مقابل مدينة الأقصر الأثرية، بهدف إنقاذ المقابر الفرعونيّة وما تضم من كشوف أثرية مهمة، كانت موجودة تحت منازل القرية القديمة، عمل الأهالي على انتشالها والمتاجرة بها.
غلبت السمة المعماريّة الإسلاميّة، على قرية حسن فتحي هذه، متماهية بالخصائص المعماريّة الطينيّة الشعبيّة المصريّة.
 إن هذه الرؤية تتفق بشدة مع المقياس الإنساني في العمارة الإسلامية، الذي تكوّن منسجمـًا مع الثوابت المُناخية والتقاليد وروح الحضارة الإسلامية، وليس سهلًا استيراد هذا المقياس وتطبيقه في غير موطنه، وكذلك ليس ممكنـًا اعتماد المقياس الهندسي الرياضي لتحليل ودراسة فن العمارة الإسلامية. لقد صنع المسكن لكي يكون موطن صاحبه ضمن إطار تاريخه وعقائده، وفي إطار حضارته وثقافته وعقائده الإسلامية.
يتجلى المقياس الإنساني الذي قامت عليه العمارة الإسلامية في حماية الإنسان من عوارض الطبيعة والتلوث والضجيج والروائح، ولقد استطاع المعمار الإسلامي أن يطّوع العمارة لتحقيق هذه الحماية.
إن أهم عنصر في المبنى الإسلامي هو الفِناءُ الداخلي، وفي المساجد يسمى الصحن. وهذا الفِناء يشكل القسم المنفتح على السماء مباشرة، وعليه تطل الأبواب والنوافذ في طابَقَين، ولا يدخله تيار خارجي؛ إذ يصله بالباب الخارجي المطل على الشارع دِلِّيج (دهليز) متعرج، وهكذا فإن الهواء لا يتسرب إلى داخل الفِناء، وكذلك الرياح والدخان والغبار.
  يتجلى المقياس الإنساني في العمارة الإسلامية في تحقيق التوازن المُناخي أو ما يسمى التكييف، ليس عن طريق إضافة أجهزة بل عن طريق التكوين المعماري، وكان أهم ما لفت اهتمام المعمار هو "العزل"، أي تخفيف أوصد المؤثرات المُناخية الخارجية عن المسكن. وهذه المؤثرات تتمثل في  الرياح والحرارة والملوثات. وأكثر المدن الإسلامية ذات مُناخ قاري شديد الرياح والغبار، ولحماية المبنى من هذا المُناخ، كان لا بدَّ من تحقق شروط معمارية أساسية أهمها زيادة سماكة الجدران لتحقيق العزل، وبناؤها بالطين والخشب، وهي مادة عازلة بطبيعتها. كذلك زيادة ارتفاع الغرف؛ وبخاصة القاعات والأواوين، لجعل الهواء نقيـًا لا ينقصه الأكسجين، ولا تؤثر فيه الشوائب الهوائية.
ويُلاحظ أيضـًا الاهتمام برفع أرضية الغرف في الطابَق السفلي عن مستوى أرض الفِناء حتى لا يتسرب هواء الخارج إلى الداخل حاملًا الحرارة المختلفة والغبار الملوث.
ولم يغب عن الأذهان موضوع الاهتمام  بالفناء الداخلي، الذي يختزن هواء نقيـًا  معتدل الحرارة والرطوبة، ويكون حاجزًا لمنع جريان الهواء العلوي من النفوذ إلى البيت، ذلك أن هذا الفِناء هو كالوعاء الكتيم ليس له منافذ سفلية تسهل عمليات جريان الهواء. وهكذا  فإن الهواء الخارجي، مهما كان شديدًا عاصفـًا، يحوم فوق الفناء، ويمضي حاملًا معه حرارته وغباره وملوثاته.   
كما راعى المعمار استعمال الحجر والآجر والخشب في عمارته بسِماكاتٍ مناسبة لحماية سكان المبنى من البرد والحر خارج المبنى.
وفي جميع المباني كانت المياه وسيلة نظافة وترطيب ومتعة عندما كانت تتدفق من الفوارات والسلسبيل في فسقيات وبرك مختلفة الأشكال. ولقد درس اتجاه المبنى؛ لكي يتفق مع الحاجة إلى دفء الشمس ونورها، ومع ضرورة الوقاية من دخان المطابخ وروائح المراحيض.
وتمتاز العمارة الإسلامية بخصيصة أساس تطلق عليها اسم خصيصة (الجَوَانية)، فأي مبنى سواء أكان مسجدًا أم مدرسة أم مسكنـًا، فإنه يحمل الطابَع الجواني بمعنى أن عمارته الخارجية أقل شأنـًا من عمارته الداخلية، ونرى ذلك في المساجد الأولى، كالجامع الأموي بدمشق وجامع عقبة في القيروان وجامع قرطبة، كما نراه بشكل شامل في المساكن والقصور. إن خصيصة الجَوّانية هذه تنسجم في المباني الخاصة، مع شاغل المبنى الذي يبحث عن مجال خاص به يستقل فيه عن العالم الخارجي، ولذلك فهو يغني هذا المجال الداخلي بأروع الزخارف والأثاث المعماري، ويهمل الواجهات الخارجية لأسباب كثيرة أبرزها رغبته بعدم التظاهر والتفاخر والمضاهاة.
وتدخل خصيصة الجَوَّانية في نطاق مفهوم المقياس الإنساني طبعـًا.
أظن أننا أحوج ما نكون إلى هذه المقاييس الإنسانية في عمائرنا ومبانينا.. اليوم قبل الغد.. أو حتى يكون لنا غد!

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "قميصٌ اسمه البيت"

أكتب تعليقا