تأديب «صناديق الموسيقى»!

| |




«ليست العظمة بظهور المرء كما يظهر الممثل أمام المتفرجين في خلقةٍ مزوّرةٍ من رأسه إلى قدمه، ولا في هذه الأخيلة الذهبية التي تملأ رؤوس الأغنياء كأنها أرواح الذهب، ولا في نحو ذلك من السخافات (العظيمة) التي ملأت الشرق كله. ولكن العظمة أحدُ شيئين: علمٌ منتج، أو عملٌ مثمر»[1].
هكذا تحدث مصطفى صادق الرافعي (1880-1937)، الذي وصفه شكيب أرسلان بأنه «نابغة الأدبِ، وحجة العربِ»، وقال عنه المُحَدِّث أحمد محمد شاكر: «إمام الكُتَّاب في هذا العصرِ، وحجة العربِ».
إنه ينكأ الجرح ويضع إصبعه على أصل الداء؛ إذ ينتقد صاحب «تاريخ آداب العرب»، و«وحي القلم» أولئك الذين يملأ الواحد منهم الدنيا صخبـًا، فإذا جئت إلى عمله وعطائه وإبداعاته، وجدته هباء منثورًا. وإن جالستَ أحدهم ستكتشف أنه أحمقٌ يسبح في لُجَّة الغرور. غنيٌّ عن القول أن الخجل لا يوضع على وجه من لا يخجل.
اللافت للانتباه أن "هؤلاء الذين لا يعملون يؤذي نفوسهم أن يعمل الناس" كما قال د.طه حسين؛ لذا تجدهم يهيلون التراب على العطاء المميز والإنتاج المحترم والإبداع المتفوق، وينالون من كل اسمٍ يستحق التقدير، بأي طريقةٍ كانت: الإقصاء والتهميش والاستبعاد، فإن لم يكن.. فالتشويه.
لم يحصل الرافعي في تعليمه النظامي على أكثر من الشهادة الابتدائية. مثل عباس محمود العقاد في تعليمه، فكلاهما لم ينل شهادة غير الشهادة الابتدائية. كذلك كان الرافعي مثل طه حسين صاحب إعاقة دائمة هي فقدان البصر عند طه حسين وفقدان السمع عند الرافعي. ومع ذلك فقد كان الرافعي مثل زميله طه حسين من أصحاب الإرادة الحازمة القوية فلم يعبأ بالعقبات، وإنما اشتد عزمه وأخذ نفسه بالجد والاجتهاد، وتعلم على يد والده وكان أكثر عمل عائلته في القضاء.
يقول الرافعي في مقالته التي نحن بصددها:
«فالعظمة خلقٌ إنساني يوجده العلم أو يوجد هو العمل الإنساني العظيم. فإن لم يكن علمٌ صحيح، ولا عملٌ صحيح، فاجمع بين الماء والنار قبل أن تجمع بين النفس والعظمة. وقد أرى الرجل من عظمائنا وهو من تعاظمه لغناه أو لمنصبه أو لجاهه أو لحسبه، كأن رأسه صندوقٌ من صناديق الموسيقى، وكأن كل حركاته وكلماته إنما توقع توقيعـًا منتظمـًا مع (النفخة) التي تخرج من هذا الصندوق، ومع ذلك فلا أكرمه ولا أجدُ له في نفسي من المنزلة، ولا أحفل بتلك العناصر الأربعة التي أنشأت عظمة من الغنى أو المنصب والجاه والحسب، إلا كما يكون في نفسي لبعض قطع من الخشب والحديد والمعدن والنحاس، وهي العناصر التي تصنع منها الأدوات الموسيقية»[2].
إن عقدة الجاه والنفوذ والعائلة، أو الشهرة والأضواء والنجومية، أصابت كثيرين بإعاقة تحول دون شعورهم بأهمية التواضع الإنساني واحترام الآخرين وعطائهم. دعونا نتوقف عند وصف الرافعي هؤلاء بأنهم يشبهون«صناديق الموسيقى» التي تعزف لحنـًا مكررًا مملًا هو: الاستعلاء. معزوفة العظمة عادة ما تكون على يد عازف يدرك في أعماقه أنه أقل شأنـًا وشأوًا من أهلم العلم والمعرفة والإبداع، وبالتالي فإنه يلجأ إلى حيلة دفاعية عنوانها التهجم على الآخرين والحط من شأنهم، عسى أن يرفع ذلك من مقامه ويرسم هالة زائفة حول شخصه.
والحق أقول، إننا نرى من هؤلاء نماذج تبعث على الشفقة أكثر مما تثير الضحك. نراهم على الشاشات منتفخي الأوداج، وفي الاجتماعات والمؤتمرات واللقاءات، وحتى على مقاهي المثقفين ومجالس الوجهاء والأثرياء، يحاولوان الإيحاء لك بأنهم صنفٌ آخر من البشر، وسماء أخرى لا تُمس!
غير أن الحقيقة غير ذلك، والتواضع هو أساس العظمة البشرية، والانفتاح على الآخرين وتبادل المعرفة والثقافة على جسر المودة هو طريق ارتفاع مقام المرء في أعين الناس. الإنسان السوي يخلق سياقات جديدة، ويستخدم لغات تواصل مختلفة ليصل إلى الجميع، أما الذي ينصّب نفسه وليـًا على الفكر أو الثقافة أو الفن، وشكله، وقوامه واتجاهاته، فإنه عاجز عن العطاء، لأنه ببساطة محدود القيمة قليل المعرفة.
يقول الرافعي:
«العظيم ذاتٌ مبنيةٌ على مبدأ، وما دام كذلك فهو عظيمٌ في خلقه وفي عمله، ولا يسلب هذه العظمة منه إلا الموت. على أن التاريخ يقوى على الموت فيستلِبها منه، ويحفظها لصاحبها العظيم، ثم ينفض عليها صبغة الخلود، فإذا هي حياة ثانية لاسمٍ من الأسماء الخالدة التي لا تموت إلا حين يموت الموت! وإذا كانت الذات مبنيةً على مبدأ، فيستحيل أن يسقط الرجل العظيم وذاته قائمة»[3].
نعم، يستحيل أن يسقط الرجل العظيم وذاتُه قائمة. تذكر هذا جيدًا حين تجد أمامك أحد «صناديق الموسيقى» في منطقة وسط البلد أو تلك اللقاءات المتلفزة.


[1] مصطفى صادق الرافعي، الإحسان الاجتماعي، مجلة «الرسالة»، القاهرة، العدد 484، السنة العاشرة، 12 أكتوبر 1942، ص 953-956.
[2] المصدر نفسه.
[3] المصدر نفسه.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

1 التعليقات على "تأديب «صناديق الموسيقى»!"

أكتب تعليقا