انتخبوا شاعرًا

| |







جربنا رؤساء وزعماء وقادة وملوكـًا وسلاطين من كل صنف ولون: من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. من خلفيات دينية وعسكرية، اشتراكيين وليبراليين ونيوليبراليين.
ربما حان وقت أن نجرب  صنفـًا آخر: الشعراء مثلًا.
قد نكون كمصريين في أشد الحاجة إلى انتخاب مبدعين، وخاصة في مجال نظم القصائد، كي نرى كيف سيديرون شؤون البلاد.
لا أخشى من النتائج والعواقب، فهي على الأقل لن تكون أسوأ مما شهدناه طوال عقود أو حتى قرون مضت.
نعم، الكتابة في السياسة غير ممارستها، لكن الشعر أقرب الأشياء إلى السياسة، تمامـًا كما أنه نموذج الفكر المبدع المتحرر من قيود الروتين.
نريد بعض الخيال في قصور الحُكم ودوائر صنع القرار.
لن نكون أول من فعل ذلك في هذا العالم.
لا يمكن أن نعد بالأفضل، لكن لم لا؟ّ!
ولعلنا لم ننس بعد، أن لوركا كان شاعرًا، وقُتِل شاعرًا، فيما يقضي السياسي والشاعر الصربي رادوفان كاراديتش حكمـًا مؤبدًا لارتكابهِ جرائم الحرب في البوسنة.
هناك أيضـًا الشاعر العظيم ليوبولد سنغور رئيس السنغال، الذي انتخبته الأكاديمية الفرنسية عضوا بها 1983، كما أنشأت فرنسا جامعة باسمه في الإسكندرية، وأصدر ما يزيد على 30 كتابـًا ومجموعة شعرية بالفرنسية، ترجم أغلبها إلى أهم اللغات الحية في العالم، وأثارت أفكاره عن الزنوجة والأدب الزنجي أصداء واسعة في دوائر المثقفين الغربيين والإفريقيين.
«لم أفكر قط في حياتي بوصفها مقسومة بين الشعر والسياسة» هكذا قال نيرودا في خطبة ألقاها في 30 سبتمبر 1969 معلنـًا قبوله ترشيح الحزب الشيوعي التشيلي لمنصب رئاسة الجمهورية. «أنا رجل من تشيلي عرف على مدار عقود شقاوات وجودنا الوطني ومصاعبه وشارك في كل ما مرَّ به شعبه من أتراح وأفراح. لست غريبـًا عليكم، إنما أنا منكم، جزء من الشعب. أنتمي إلى أسرة من الطبقة العاملة … لم أكن قط من أصحاب السلطة وطالما شعرت أن مهنتي وواجبي هما خدمة الشعب التشيلي بأفعالي وشعري. فعن هذا الشعب عشت أغني وأدافع».
وبسبب انقسام اليسار، انسحب نيرودا من الترشح بعد أربعة أشهر خاض فيها حملة شاقة، مفضلًا دعم مرشح الوحدة الشعبية.
من ساكني البيت الأبيض يمكننا أن نميز بعض الشعراء الذين أصبحوا رؤساء، أو رؤساء استهواهم الشعر، واختلفت حظوظهم فيه، وهم: توماس جيفرسون، وجيمس ماديسون، وأبراهام لينكن، وجون تايلر، وجون كوينسي أدامز، وجيمي كارتر.
اللافت للانتباه أن الشعراء لا يطيلون المكوث في البيت الأبيض؛، إذ لم يبق منهم لدورتين رئاسيتين إلا جيفرسون وماديسون، وكانا من آباء الأمة، وقادة الثورة وواضعي الدستور والشعار الأمريكي.
أما دوغلاس هايد فكان أول رئيس لأيرلندا، وهو أكاديمي وشاعر بالأساس، وتقول سيرته إنه ولد بمقاطعة روسكومون بأيرلندا فى١٧ يناير ١٨٦٠، وإنه درس القانون، لكنه لم ينخرط في المحاماة، وأسس في ١٨٩٣ ما يشبه المنظمة أو المعهد لإحياء التراث الأيرلندي الشعبي والحفاظ على اللغة الأيرلندية الأصلية، ثم جاء كأول رئيس لجمهورية أيرلندا، بعد استقلالها عن التاج البريطاني وشغل منصب الرئاسة، من ١٩٣٨ إلى ١٩٤٥، فكان أول من يشغل هذا المنصب من الأدباء والأكاديميين، وكان يدرس تاريخ الغاليين من سكان أيرلندا الأوائل، كما عكف على دراسة لغتهم وتراثهم الشعبي المكتوب والشفهى، وأسهم في تأسيس الرابطة الغالية لإحياء لغة الغاليين وتشجيع دراسة الأدب الأيرلندي القديم.
ولدوغلاس هايد كتب كثيرة في مجالي الأدب والتراث الشعبي والتاريخ الأدبي لأيرلندا، ومن أشهر كتبه «تاريخ أيرلندا الأدبي» فضلًا عن دواوينه الشعرية ومسرحياته، ومن أشهر أعماله في هذا السياق «بجوار النار» كما كانت له أبحاث متعلقة بالاستخدام الأدبي للغة الشعبية إلى أن توفي في ١٢ يوليو ١٩٤٩.
وكان الشاعر محمد إقبال (1877-1938)، الذي غنت له أم كلثوم قصيدة "حديث الروح"، رئيسـًا لحزب العصبة الإسلامية في الهند وعضوًا بارزًا في مؤتمر الله أباد التاريخي، حيث نادى بضرورة تأسيس دولة إسلامية اقترح لها اسم باكستان.
كان آيمي سيزار الشاعر السريالي عمدة فورت دي فرانس في المارتينيك. في المقابل، هناك كُتَّاب تولوا منصب الرئاسة في أمريكا اللاتينية مثل روموليو غاليغوس الذي كان رئيسـًا لفنزويلا.
وإذا كان التشيكي فاتسلاف هافيل (1938-2011) كتب خلال حياته ست مجموعات شعرية وأكثر من عشرين مسرحية وعددًا من الكتب التي ترجمت إلى لغات عالمية عدة، فإنه هو أيضـًا آخر رئيس لتشيكوسلوفاكيا قبل أن تنقسم بهدوء إلى جمهوريتي تشيكيا وسلوفاكيا.
دعونا نجرب!

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "انتخبوا شاعرًا"

أكتب تعليقا