لعبة الجوائز الثقافية ولعنتها

| |


في بلادنا، تنتشر الجوائز الثقافية التي تفوح منها رائحة المجاملات حينـًا والسياسة في أحيان أخرى كثيرة
الشاهد أن أغلبية الجوائز الثقافية والإبداعية المعتبرة - ماديـًا على الأقل - تنتمي هذه الأيام إلى دولٍ وأنظمة حديثة النشأة نسبيـًا، تسعى إلى ترسيخ أقدامها في عالم الثقافة، ولو من باب المنح والعطايا، كمدخل تمهيدي لصنع اسمها ومكانتها سياسيـًا.
وإذا كانت المهرجانات الثقافية مواسم الهبات والعطايا لنوعية معينة من الكُتَّاب والمثقفين ممن لم يغادروا مفهوم بلاط السلطان في أزمنة مضت، فإن جوائز الثقافة والإبداع في عصرنا الراهن، وخصوصـًا "بوكر العربية" و"كتارا" القطرية، تأتي في الأساس لتقديم الدول والجهات المانحة ربما أكثر من تقديم المتفردين من المثقفين والمبدعين، وإلا فليقل لنا أحدٌ، هل استطاعت أي جائزة عربية أن تتخطى الحدود، فتدفع إلى ترجمة الأعمال الأدبية والإبداعية الفائزة إلى لغاتٍ أخرى، وطبعها وتوزيعها في بلاد المشرق والمغرب؟!
يحاول البعض أن يصنع لنفسه تاريخـًا ثقافيـًا عبر سياسة الجوائز.
وإذا كان وجود مثل هذه الجوائز في حد ذاته أمرًا محمودًا يستحق الإشادة والتقدير، فإنه لا يخفى على أحد أنها رصيدٌ إضافي للطرف المانح في المقام الأول، هكذا تصنع الجوائز هوية ثقافية لا تعكس بالضرورة ثراء التربة الأصلية التي شهدت التوزيع والتكريم والسهرات الفخمة تحت أضواء عدسات المصورين.
وما هكذا تورد الإبل، ولكنه منطق الأشياء في الأماكن التي تبحث عن بقعة تحت شمس الثقافة.. وربما السياسة. 
السياسة تسبق وتؤثر، إلا في حال الجوائز الثقافية في بلادنا على الأقل! 
ستستمر جائزة "كتارا" القطرية، وستواصل منح جوائزها، وأتوقع ألا يتأثر عدد المتقدمين للجائزة - خصوصـًا من مصر- بالظروف والخلافات السياسية. 
يمكن القول بوضوح إن عدد المتقدمين المصريين لنيل الجائزة سيظل الأكبر في تلك الجائزة، وذلك لاعتبارات عدة. 
أولها: هو تلك المسافة الفاصلة بين الثقافة والسياسة، على الأقل في ذهن المبدعين أنفسهم، ورغبة كثيرين في الإبقاء على تلك المسافة بعيدًا عن حساسيات السياسة التي عادة ما تكون مؤقتة. 
وثانيـًا: لأن إغراء القيمة المادية للجائزة له رونقه عند أهل الثقافة، والروائيين، وبعضهم يتطلع إلى الجائزة أو يحلم بها، أملًا في أن توفر له فرصة لتحسين أوضاعه المالية.
ولأن الجائزة عربية وتُمنح لعددٍ من المبدعين والروائيين العرب، فإنها ستحاول الإبقاء على هذه الصيغة، وبالتالي سيكون هناك كما هو متوقع نصيبٌ للمصريين وباقي العرب من الترشح للجائزة، والفوز بأحد فروعها على حدٍ سواء، ولا ننسى هنا أن الجائزة تُمنح عادة للمتقدمين بأعمالهم برغبتهم وإرادتهم، ما يعني أنهم يتطلعون للفوز وليس من الوارد أن يعلنوا مقاطعتهم لها في حال فازوا بها.
إن الكُتَّاب يكتبون للأدب والفن أي للكتابة وفقط، أو هكذا ينبغي أن يكون، ومع ذلك فالموقف حرجٌ بلا شك والكُتَّاب والمحكمون معذورون، وأظن أن منهم من سيرفض المشاركة أو الاستمرار - في ظل أزمة العلاقات السياسية الراهنة - حتى لا يُتهَم بالخيانة والعمالة أو التعاون مع دولة داعمة للإرهاب أو تجنبـًا لأي تشويش أو تشويه، ورغم أنه ينبغي أن تكون هناك مسافة بين القرارات الدبلوماسية بين الدول من جهة، وما يتعلق بالأفراد المواطنين من جهة أخرى، فإن التنظير شيء والواقع شيء مختلف، لا سيما في بلادنا التي تخضع لأهواء وتقلبات ما أنزل الله بها من سلطان.
الجوائز الثقافية تتغلب على السياسة في معظم الأحيان، واسألوا جائزة صدام للأدب والإبداع، وجائزة القذافي، وقد حصل على كل منهما مثقفون ومبدعون مصريون وعرب، من بينهم د. يوسف إدريس، د. جابر عصفور، وآخرون.. ولم يتراجع أحدهم عن الجائزة.. ولا قيمتها.
نقول هذا ونحن نعلم أن المثقف أو المبدع في بلاد العرب يشارك في الجوائز من أجل المكسب المادي والتكريم الأدبي، وربما بدافع المنافسة، ولذا فإن مواقف حاصدي الجوائز تكون فردية يصعب تعميمها، يتخذها أصحابها ويتحملون نتائجها، فقرار يوسف إدريس بالتمسك بقيمة جائزة صدام حسين (بعد غزو العراق للكويت في 2 أغسطس 1990)، وقرار جابر عصفور قبول جائزة القذافي (التي رفضها الإسباني خوان جويتيسولو، بسبب رأيه في نظام القذافي وممارساته)، ربما لا يكون قرار غيرهم من المثقفين الآن أو في المستقبل.
ربما يكون هذا كله امتحانـًا جديدًا لمدى تأثر المانحين، ومعهم لجان التحكيم، بالأوضاع السياسية المتوترة بين هذه الدولة أو تلك، وغيرها من تصاريف السياسة، سواء في لحظات التصويت والاختيار وما إلى ذلك من أمور.
هذا هو تحدي الجوائز الثقافية والإبداعية من طرفيها المشدودين بحبل السياسة، في بحور العرب التي لا قرار لها!


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "لعبة الجوائز الثقافية ولعنتها"

أكتب تعليقا