ألقاب للبيع!

| |







على مواقع التواصل الاجتماعي وفي البطاقات التعريفية التي توزَع عليك في اللقاءات والمناسبات، تجد البعض يرصع اسمه بألقاب ووظائف من عينة "الكاتب" أو "الإعلامي" أو "الشاعر"، وهو أمرٌ غريب حد الاستهجان. لا نعرف في الغالب الأعم أطباء أو مهندسين مثلًا يفعلون مثل هذا، إلا فيما ندر.
غير أننا نتقن الابتداع، ونأتي بما يقره عقل ولا منطق.
اللافت للانتباه أن من يخلع على نفسه لقبـًا ومهنة، يدرك أنه إن نسب إلى نفسه صفة الطبيب أو المهندس أو المحامي فإنه سيؤثم قانونـيـًا وقد يزج به إلى السجن، غير أنه سيفلت من هذا المصير إن قال إنه "إعلامي" أو "كاتب" أو حتى "مثقف"، فالقانون عندنا لا يعاقِب من يسبغ على نفسه صفة الثقافة أو الإبداع أو حتى العمل الإعلامي، حتى وإن كان بعيد الصلة عن هذا المجال!
في كتابه "قواعد الفن" (ترجمة: إبراهيم فتحي، دار الفكر، 1998) ، يقول بيير بورديو "إن مهنة الكاتب واحدة من أقل المهن على الإطلاق تقنينـًا، وأقلها قدرة كذلك على تحديد وإعالة الذين يعتدون بها، وهم في الأغلب لا يستطيعون مزاولة الوظيفة التي يعتبرونها رئيسية إلا بشرط أن تكون لهم مهنة ثانية يستمدون منها دخلهم الرئيسي.. ولكننا نرى المكاسب الذاتية التي يقدمها هذا الوضع المزدوج، فالهوية المعلنة تسمح على سبيل المثال بإشباع الحاجة من كل الحرف الصغيرة المسماة "حِرَف القوت" التي تُقدِمها المهنة نفسها، مثل حِرف القارئ أو المصحح في دور النشر، أو تُقدِمها المؤسساتُ القريبة من المهنة مثل الصحافة والتليفزيون والراديو.. إلخ".
وهذه الأعمال التي تعرف المهنُ الفنية مقابلًا لها يُعادلها، لها ميزةُ وضعِ شاغليها في قلب "الوسط"، حيث يجري تداول المعلومات التي تُشكّل جزءًا من القدرة النوعية للكاتب أو الفنان، حيث تعقدُ الصلات وتكتسب ألوان الحماية النافعة للوصول إلى النشر، وحيث يتم الاستيلاء أحيانـًا على مواقع السلطة النوعية، مثل الأوضاع القانونية لرئيس التحرير ومدير التحرير لمجلة أو سلسلة أو لأعمال جمعية تستطيع أن تفيد في زيادة رأس المال النوعي من خلال الحصول على الاعتراف والاحترام من جانب الوافدين الجدد مقابل النشر والتقديم، والنصائح.. إلخ.
يأتي هذا في الوقت الذي نلمس فيه تراجع دور المثقف بشكل عام، فبعد أن كان ضميرًا عضويـًا، وُضِعَ على الرف، وصار دوره هو حمل صفة "خبير" في الفضائيات. لم يعد المثقف عضويـًا بعد هذه المسيرة الطويلة من التطور الثقافي في مصر، ولم يعد متنوعـًا وآتيـًا من من بيئة وناس. هو أيضـًا تعرض للقصاص وثأر منه تجار السياسة والبيزنس وأدعياء الدين، ممن أزاحوه عن موقعه الحيوي في معركة التنوير.
أما المؤسسات الثقافية التابعة للدولة فقد أعلنت وفاتها إكلينيكيـًا، ورقدت في غرفة الإنعاش، محاطة بأجهزة تحاول دون جدوى إعادتها إلى الحياة، في إصرار واضح على تبوير مصر ثقافيـًا، وهو جزء من خطة اختطاف البلاد، جنبـًا إلى جنب مع التنكيل الإداري. لم يكن هذا سوى إرث عهود سابقة -عجزنا عن أن نغيره- شهدت تجريف العقول وسط ضجيج المهرجانات، وممارسات مريبة تتعلق بشراء ولاء المثقف لمؤسسات النظام، وإلا تم إقصاؤه وتهميشه.
وفي ظل مركزية الثقافة، أي إدارة المؤسسات الثقافية من خلال سلطة الدولة، نشأ نوعٌ من الاستبداد الثقافي، ويقصد به وجود قدر من الوصاية على متلقي الرسالة الثقافية. وتعمل هذه الوصاية، بحكم كونها سلطة منح ومنع، على فرض نموذج استبدادي من الموضوعات والمعارف ومناهج التفكير، وتقيم حول هذا النموذج أسوارًا منيعة من الأجهزة الرقابية المباشرة وغير المباشرة، والحواجز البيروقراطية الكثيفة. هكذا تسقط حرية الرأي في مواقف وقضايا وأزمات مختلفة، مثلما حدث في أزمة كتاب نصر حامد أبو زيد "مفهوم النص"، وكذا أزمة رواية حيدر حيدر "وليمة لأعشاب البحر" في أواخر إبريل من عام 2000، وقضية مصادرة الروايات الثلاث. أما من يتمرد ويخرج عن السرب الثقافي الذي ترعاه الأجهزة والمؤسسات الرسمية، فإنه يواجه الاستبعاد والتهميش.
"البيزنس كارد" لا تصنع مثقفـًا، تمامـًا كما لا تفعل مقاهي "وسط البلد" وقنوات "مدينة الإنتاج الإعلامي".

لكن البعض يختلق الكذبة ويصدقها.. فنصدقها معه!

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "ألقاب للبيع!"

أكتب تعليقا