في "الأطلال".. لا تصدقوا الزوزات!

| |







حتى يومنا هذا، يدور نقاشٌ حول ملهمة الطبيب الشاعر والشاعر الطبيب إبراهيم ناجي (1898-1953) في قصيدة «الأطلال» التي غنت أم كلثوم مقاطع منها.
تحدث البعض وتكلمت كثيرات عن علاقتهن بالشاعر والقصيدة، ومن ذلك ما نشرته «أخبار الأدب» (العدد 10، 7 أكتوبر 2012)، في مقال عنوانه «أنا ملهمة شاعر الأطلال» لمحمد رجب، نقل عن الممثلة الراحلة «زوزو حمدي الحكيم» ما يفيد بأنها ملهمة ناجي في هذه القصيدة، مع نفي وجود علاقة غرامية أصلًا بينهما!
غير أن هناك ما ينفي هذه المزاعم جملة وتفصيلًا؛ إذ إن الأديب حسن توفيق، وهو حجّة في تراث ناجي الأدبيّ وحياته، بان له من خلال حديث ناجي نفسه عن الكتب التي أثّرت فيه وأهمّها رواية «ديفيد كوبر فيلد» لتشارلز ديكنز أن لـِ«زهرة المستحيل» التي أبدعت «مثال» ناجي وجودين: خيالي وحقيقي. الخيالي هو «دورا» بطلة رواية ديكنز، والحقيقيّ قريبة جميلة للشاعر هي التي ألهمته «الأطلال» والتي كان يرمز لها بـ «ع.م» وأهداها كتابه «رسالة الحياة».
كشف حسن توفيق عن أن الاسم الذي يرمز له الحرفان (ع.م) هو «عنايات محمود الطوير» بعد أن سأل الشاعر صالحَ جودت في السنوات الأخيرة من حياته، عن ملهمة «الأطلال» لناجي، فكان الجواب تأكيده «أن ناجي لم يكتب رائعته من وحي أيّ ممثّلة من اللّواتي ادعين ذلك الادعاء»، وأنّها «من وحي حبّه الأول (ع.م)»، وأخبره باسمها ورجاه أن يحتفظ بالأمر سرًّا لأنّها كانت، آنذاك، على قيد الحياة، وأن ناجي كان يحبّها من جانبه هو فقط. >
نعيد هنا التذكير بما أورده صالح جودت من أن سبعة من «سراة» القاهرة انتقلوا من أماكن سكناهم المختلفة فيها، وبنوا بيوتـًا سبعة أقرب إلى القصور في «شبرا الصّغرى» سمّوها «مدينة الأحلام»، كان من بينها بيتا «أحمد ناجي» والد إبراهيم، و«حسّونة الطّوير» الذي كان بينه وبين أُسرة الشاعر وشيجة قربى، ثم قال: «وفي بيت من هذه البيوت السبعة أيضـًا -ولا أُسميّه- كان الحبّ الأول في حياة الشاعر. صحيح أنه كان حبّ طفولة، ولكنه كبُر من جانب واحد هو جانب الشاعر حتّى ملك عليه مشاعره، وطارد خياله طوال حياته على يأس. وظلّ هذا الحُبّ مصدرًا لإلهام الشاعر كلّما أعوزه الإلهام. بل لقد كان هو مصدر إلهامه الأصيل يجترّه كلما شارفه أيّ جمال في أيّ زمان وأيّ مكان».
حاول حسن، بعد وفاة صالح جودت، أن يتأكد ممّا اعترف له به، فسأل المهندسَ حسن ناجي شقيق الشاعر الأصغر فأكدّ الاسم «عنايات محمود الطّوير»، وأعاره، كذلك، كتابـًا مخطوطـًا كتبه الشاعر الراحل محمد مصطفى الماحي عن ناجي، وكان من أصدقائه المقرّبين، تحدث فيه عن (ع.م) دون أن يشير إلى اسمها الصريح، واكتفى بأن قال: «وحدث أن هيأ القدر لناجي طفلة من قريباته تماثله في السنّ، وتقيم في أحد قصور (مدينة الأحلام)؛ فنشأت بينهما صلة ودّ إلى جانب القرابة. وبدأت عاطفته تتحرك بشيء لا يدرك كنهه، وبدأت ملكة الشّعر تثمر في وجدانه فنطق بالشّعر وهو في سنّ العاشرة، وقد أطمعته هي في استمرار هذا الحبّ وفي أن ينتهي بالرّباط الوثيق بينهما حتّى تأصّل في قلبه، وأصبح يتمثّل فيها الوجود كلّه».
ويذكر وديع فلسطين، وكان من أصدقاء ناجي المقرّبين ووكيلًا لرابطة الأدباء التي كان ناجي رئيسها، أنه شاهد «زوزو ماضي» على شاشة التليفزيون تعترف بأنّها هي بطلة «الأطلال». أما هو فيميل إلى ما ذهب إليه حسن توفيق، ويؤكده في مقاله «جوانب مجهولة عن حياة الشاعر إبراهيم ناجي» حيث يقول: «لكنّ الذي أعرفه وأكاد أُؤكده أنّ الشّاعر ناجي كان مقصد هؤلاء الفنّانات بل والأديبات أيضـًا لاستشارته في أعراض صحيّة يعانين منها، وكان من جملة مرضاه الشاعرة جليلة رضا، والأديبة منرفا عبيد محرّرة مجلة (الطالبة). وكان ناجي يستقبلهنّ بحفاوة وروح وديّة حانية يصف لهنّ العلاج كطبيب وليس كعاشق. فإن تلّقى، بعد ذلك، رسالة من إحداهنّ ردّ عليها بهذه الروح الإنسانيّة الشفيفة. فالزوزات جميعـًا خارج نطاق (الأطلال)، وإنّما البطلة الحقيقيّة هي جارة قديمة لناجي عندما كان يقيم في حيّ شبرا».

لا تصدقوا الممثلات والملهمات. فقط ثقوا في الحقيقة!

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "في "الأطلال".. لا تصدقوا الزوزات!"

أكتب تعليقا