كمال الشاذلي.. الصورة الأخيرة

| |




كلما تحدث أحدٌ عن "الحرس القديم" داخل الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في عهد مبارك، قفز اسم كمال الشاذلي إلى صدارة المشهد.
إنه خادم المعبد الصاعد من أسفل ليحمل مفاتيحه كلها. لا يهتم بكون الدولة شمولية أو ديمقراطية. المهم هو "استقرار" السلطة و"استمرار" الرئيس في الحكم.
يسير مع التيار وتتلون بدلاته حسب الموسم السياسي، ويقرأ قبل أن يخرج من بيته تفاصيل الطقس الرئاسي، ولهذا تفتقده المجموعة الحاكمة.
كان كمال الشاذلي، ابن محافظة المنوفية المولود عام 1934، غول البرلمان، والمايسترو الذي يدير كل شيء لمصلحة الحزب الحاكم بديماغوجية وأحيانـًا مزايدات تحاول إسكات صوت المعارضين في مجلس الشعب.
تعلم السياسة ولعبة الانتخابات وأسرار البرلمان على يد البرلمانية القوية نوال عامر، التي تزوج شقيقتها بعد ذلك.. هي التي نقلته من مجرد محامٍ في الأرياف إلى أن يصبح عضوًا في البرلمان.. من رجل يتحرك بدراجة في طرقات الباجور إلى صاحب قصر منيف في مارينا في "لسان الوزراء"، وقصر آخر فخم في بلدته كان يطلق عليه "البيت الأبيض"، ومالك ثلاث قطع أراضٍ في القاهرة الجديدة،وغير ذلك من أراض وحيازات وشقق وقصور.
ويروي عادل حمودة كيف كان الشاذلي في بداياته يركب دراجته حتى يصل إلى أول مركز في القاهرة ليركب بعد ذلك "تاكسي بالنفر".. لكنه عندما عاد إلى الباجور في زمن لاحق، كان يركب سيارة مرسيدس.. بل كان هناك أكثر من ذلك فقد عاد ومعه توكيلات المرسيدس في شركات القطاع العام[1].
شق الشاذلي طريقه السياسي منذ أن انتخب نائبـًا لأول مرة في البرلمان عام 1964، حينما كان في الثلاثين من عمره. أصبح عضو مجلس الشعب عن دائرة الباجور في محافظة المنوفية، هو رمز القوى التي تحرك ما يدور تحت قبة البرلمان في مشهد عبثي يختلط فيه الجد بالهزل.
كمال الشاذلي، الباشا الصاعد بقوة وظيفته البيروقراطية، شخصية فوق تاريخية في مدينته.
خبرة "نادرة" كان من الصعب تجهيز بديلها بين يوم وليلة.
اعتمد النظام في عهد مبارك على الشاذلي بدرجة لا يمكن تخيلها؛ إذ كان يحمي نفسه بملفات جاهزة للجميع، ويدير النواب بمنطق القطيع يشد ويرخي. عارف بخبايا ودهاليز كل موقع في مصر. لديه خارطة الأنصار ومناطق الضعف. ورغم أنها قديمة فإنها الوحيدة على العموم.
كان يعرف خارطة السيطرة على الأرض، عندما كان مسؤول التنظيم في الحزب الحاكم. يعرف تفاصيل"قيادات الشارع"، ومفاتيح الوصول الى المقاعد البرلمانية. خارطة سرية، جعلته كاهن البرلمان وحامل أختام الوصول اليه. لم يصل أحد البرلمان، طوال سيطرته على موقعه، إلا ومرّ من بوابته، عبر صفقة أو اتفاق شفهي، أو ملف "مستمسكات" يخرج في الوقت اللازم[2].
كمال الشاذلي علامة من علامات عصر مبارك. كان رمزًا لقوة النظام وهو في كامل صحته، وجبروته، مصارع مرعب في حلبة البرلمان، يوقف المعارضين عند حدودهم في استعراضات مذاعة على الهواء.
هو عابر للعصور . في خدمة السلطة ما دامت سلطة. ولاء على الطريقة الريفية. تابع وليس سياسيـًا. بارع في تكوين جيوش الموالين والمرتزقة وفق عقيدة الإيمان برأس النظام وحكمته.. وأنه القادر على تحقيق المصلحة.
في كثير من الأحيان، بدا خطابه النظري داعمـًا للإصلاح السياسي ومؤيدًا للإصلاح الاقتصادي بكلمات إنشائية، لكن عند المحكات الرئيسية التي تتطلب مواقف واضحة ومحددة كان يبدي تحفظات تجاه أي خطوات إصلاحية كبيرة، مؤكدًا أن سياسات الحزب الوطني معبرة عن نبض الشارع، وأن الحزب اتخذ من الإجراءات ما يكفل للممارسة السياسية أن تكون جيدة في بيئة لها خصوصية وحساسية معينة.
شغل الشاذلي عدة مناصب منها أمين عام الاتحاد الاشتراكي في المنوفية، ووزير الدولة لشؤون مجلسي الشعب والشورى، والأمين العام المساعد للحزب الوطني الديمقراطي، وأمين التنظيم. وفي كل مرة، كان نفوذه يكبر، وتأثيره يظهر أقوى من ذي قبل.
وصل به الحال في فترة من الفترات إلى أن يصبح أحد أعمدة حُكم مبارك.. أو بدقة أكثر كان أحد الفرسان الثلاثة الذين يديرون البلد ويتحكمون فيه.. إبراهيم سليمان في الحكومة.. زكريا عزمي في الرئاسة.. وكمال الشاذلي في البرلمان.
يقول رئيس الوزراء الأسبق كمال الجنزوري:
"قررت في مجلس الوزراء منذ اليوم الأول عدم نشر أي نعي للعزاء من جانب الوزراء والمحافظين على حساب الدولة؛ لأن هذه التكلفة تهدر المال العام. فوجئت بعد سنة وبعد أن استقر الأمر، بمدير المراسم يخبرني أن شقيقة كمال الشاذلي توفيت، فطلبت أن يرسل برقية عزاء، وسأتصل به عندما أعود للمكتب أواسيه.
"إلا أنني فوجئت في اليوم التالي بنعي في جريدة "الأهرام" باسمي، وقد شعرت بضيق شديد جدًّا، ولماذا كمال الشاذلي؟! فأحلتُ من ساهم في هذا الأمر سواء مدير المراسم أو المعاون له للمساءلة. وكان الهدف الحفاظ على المصداقية أمام الرأي العام. كيف أستمر أكثر من سنة في عدم نشر نعي لأي حالة وفاة، ثم يحدث ذلك مع كمال الشاذلي؟، فسيبدو أن له وضعـًا خاصـًا يختلف عمن عداه.
"تحدث كمال الشاذلي مع زكريا عزمي أو مع الرئيس، المهم طلبني الرئيس، وقال لي: لا داعي للتحقيق، وخلاص النعي تم، وأعتقد أنه لن يتكرر ثانية".
وحتى لا أفاقم الأمر أوقفت التحقيق، وكفاني أنه أعلن أن هذا التصرف خطأ، ومضيت في طريقي مع الزملاء الذين كانوا يعملون بجد من أجل الوطن، إلا أنني أذكر قول الرئيس في تلك المناسبة: إنني أخاف عليك من كمال الشاذلي، ويمكن أن يشكل لك الكثير من المشكلات داخل المجلس.
قلت: لا تخف يا ريس، فأنا أعرف جيدًا كمال الشاذلي، وحتى يتبين لك مدى قوة وخطورة كمال، أرجو أن تتوقف لمدة شهر واحد عن مخاطبته لا تكلمه تليفونيـًا أو ترد على اتصالاته، وسترى يا ريس من هو الشاذلي.
يضيف الجنزوري قائلًا: ومرت أيام وأسبوع وأسبوعان، ولم يتم أي اتصال من الرئيس إلى كمال الشاذلي حتى جنّ جنونه، وأخذ يتصل بي يوميـًا ويسألني لماذا لا يحضر أي اجتماع مع الرئيس أو يرافقه في أي زيارة ميدانية، كيف هذا، وهل يمكن أن يتعامل مع أعضاء المجلس، وهم يرونه بعيدًا عن الرئيس؟! كان ردي دائمـًا: لا أعلم، فلجأ إلى زكريا عزمي، وبالطبع كان زكريا يبلغ الرئيس، واستمر الأمر كما هو لمدة شهر، وعلم الرئيس الحجم الحقيقي لكمال الشاذلي، ولكن لم يعلق على هذا، حتى لا أتصور أنني كنت صائبـًا[3].



في الأعوام الأخيرة من مسيرته السياسية، تراجع دور كمال الشاذلي، وحاول جاهدًا الحفاظ على بريقه السياسي. وفى انتخابات 2000 فاز بصعوبة بمقعد في البرلمان. قبل إعلان النتيجة بساعات تردد أنه سيدخل الإعادة.. وبدأت تتكشف حقيقة كمال الشاذلي. خرج مانشيت العدد الأول من جريدة "صوت الأمة" في أواخر العام 2000 بعنوان مثير هو: "سقوط خرافة كمال الشاذلي".
غير أن الرجل قاوم فكرة السقوط وتشبث بموقعه ونفوذه، حتى آخر فرصة.
وعندما جاء جمال مبارك، وأتى برجاله إلى الحكومة والبرلمان كان لا بدَّ أن يثحال رجال مبارك الأب إلى الاستيداع، وأن يختفي كمال الشاذلي من المشهد. جاءت حكومة رجال الأعمال.. ظهر رشيد محمد رشيد ومحمود محيي الدين وأحمد المغربي، وكان ضروريـًا أن يطيحوا إبراهيم سليمان.. ولما جاء "الطفل المعجزة" أحمد عز الذي رمى شباكه على أمانة التنظيم بالحزب الوطني، كان لا بدَّ أن ينزل كمال الشاذلي من على المسرح وبأقصى سرعة.. وحتى أحمد نظيف لم يرغب في بقائه وزيرًا في حكومته فأطاح به من منصبه كوزير لشؤون مجلسي الشعب والشورى.. وهو ما جعل الشاذلي يكره الأحمدين.. عز ونظيف.. أقصر وأطول مسؤولين في مصر حينذاك.
هكذا ظهرت بوادر تقليص نفوذ الشاذلي في الحكومة في التغيير الوزاري الذي جرى في يوليو 2004 ؛ إذ أصبح مسؤولًا عن مجلس الشعب فقط، بعد أن سُحبت منه مسؤولية مجلس الشورى، وأعطيت للدكتور مفيد شهاب. تزامن هذا التوجه مع محاولات تيار التحديث في الحزب الوطني إزاحة بعض الرموز من طريقه، أو تقليل صلاحياتها.
استمر الشاذلي في وجوده الفاعل داخل الحكومة والحزب الوطني الحاكم -حينذاك- ففي الأولى ألقيت على كاهله مهمة تقديم مبررات أو تصورات إزاء دورها أمام نواب الشعب واستثمر علاقاته الجيدة مع غالبيتهم في تحقيق هذا الهدف. وفي الثانية حافظ على مركزيته في الحزب وقاوم مساعي الحد من نفوذه، مستفيدًا من دفاعه الكبير عن توجهات الحزب وخياراته في مجال الإصلاح، ومستندًا على علاقته القريبة من الرئيس مبارك.
لعب الرجل دورًا رئيسيًا في حوارات الحزب الوطني مع أحزاب المعارضة بشأن عدد من القضايا السياسية، حتى أُصيب بمرض خطير في الأمعاء.. سافر إلى الولايات المتحدة ليجري عملية جراحية، لكن يبدو أن العملية لم تنجح فقد نتج منها ما يطلق عليه "مضاعفات ما بعد الجراحة"، وكان لا بدَّ أن يجري عملية أخرى.. مكث فترة طويلة في الخارج، وفقد نصف وزنه على الأقل، قبل أن يتوفى في 16 نوفمبر 2010 بعد صراع مع المرض[4].
صورة الشاذلي الأخيرة كانت هي صورة نظام مبارك في لحظاته الأخيرة. هزال، وعدم قدرة على إدراك ما تعنيه الشيخوخة، وما يستدعيه تجديد شباب الدولة.



[1] عادل حمودة، حلقة "كمال الشاذلي" - برنامج "كل رجال الرئيس"، قناة "سي بي سي"، القاهرة، 18 أغسطس 2011.
[2] وائل عبدالفتاح، البحث عن كمال الشاذلي، جريدة "السفير"، بيروت، القاهرة، 1 مارس 2014.
[3] د.كمال الجنزوري، طريقي.. سنوات الحلم والصدام والعزلة.. من القرية إلى رئاسة مجلس الوزراء، دار الشروق، القاهرة، 2013.
[4] ماهر حسن، زي النهارده.. وفاة كمال الشاذلي 16 نوفمبر 2010، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 16 نوفمبر 2013.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

1 التعليقات على "كمال الشاذلي.. الصورة الأخيرة"

أكتب تعليقا