هكذا تُبنى الأمم

| |





إن أفضل من يدير الاقتصاد هم الذين يحلمون ويملكون الخيال ويخططون للمستقبل بشكل جيد. وفي بلادنا، يعتني كثيرون بالماضي على حساب قضايا المستقبل، ووفقـًا للباحث وليد عبدالحي، فإن "إحدى ثغرات ثقافتنا العربية تتجسد في أحد أبعاد في موقفها من الزمن؛ إذ طغى عليها الماضي والحاضر، بينما لم يحظ المستقبل، "حيث سنعيش" إلا بأقل القليل، على الرغم من أن معرفة أو محاولة معرفة المستقبل تمثل أحد عناصر القوة"[1]. وإذ غدا الزمان ساحة صراع وتنافس بين الأمم، فقد وضع الباحث المغربي مهدي المنجرة مفهوم "استعمار المستقبل"، منذرًا: "إن العالم الإسلامي إذا لم يخطط لمستقبله، فإنه يوشك أن يُستعمَر بدوره، كما استُعمِر ماضيه وحاضره"[2].
في إطار بحثنا عن المستقبل، سنحاول استقراء تجارب النهضة في عدد من الدول التي تجاوزت التحديات والصعوبات لتحقق معدلات عالية من التنمية وعززت مكانها ومكانتها اقتصاديـًا على المستوى العالمي.
إنها تجارب تكشف لنا معنى أن تعمل العقول السياسية والاقتصادية والعلمية المختلفة والمشتبكة أحيانـًا لرسم مستقبل بلدها ورسم مستقبل الأجيال القادمة.
ماليزيا: من المطاط إلى التصنيع
ماليزيا بلد صغير يقع في جنوب شرق آسيا، مكون من 13 ولاية وثلاثة أقاليم اتحادية، بمساحة كلية تبلغ 329,845 كيلومترًا مربعـًا، وهي مساحة تقل كثيرًا عن مساحة محافظة الوادي الجديد في مصر (أكثر من 440 ألف كيلومتر مربع). عدد سكانها نحو ثلث سكان مصر، حيث يبلغ سكانها 30 مليون نسمة. كانت قبل نحو أربعة عقود مجتمعــًا زراعيـًا لا يعرف سوى زراعة الأرز والمطاط وبعض النباتات والفاكهة.
غير أن التطور حدث، لتتحول من معدل فقر يصل إلى 70%، إلى بلد معدل الفقر بها نحو 5% فقط، وليزيد دخل الفرد السنوي من 350 دولارًا ليتجاوز في الوقت الراهن 18000 دولار.
لعل من الأمور اللافتة للنظر في تجربة ماليزيا قدرة المجتمع هناك على تجنب الصراعات والخلافات بين المجموعات العِرْقية الثلاث الرئيسية المكونة للسكان، وهي: الملايو الذين يمثلون 50% من السكان، والصينيون الذين تبلغ نسبتهم 24%، والهنود البالغ نسبتهم 7%.
فقد عمل النظام هناك على تعزيز الوحدة بين فئات الشعب مع اختلاف دياناتهم؛ حيث توجد الديانة الأساسية وهي الإسلام بالإضافة للديانات الأخرى مثل البوذية والهندوسية.
وينص الدستور الماليزي على أن "الدين الرسمي للدولة هو الإسلام مع ضمان الحقوق الدينية للأقليات الدينية الأخرى"؛ لذلك لزم التوحد بين جميع الأطراف لتسير البلاد كلها من أجل الاتجاه نحو هدف واحد والعمل وفق منظومة تتكاتف فيها جميع الفئات.
الركيزة الثانية في خطة التنمية تمثلت في البحث عن دولة مناسبة تقوم بعملية الدعم لماليزيا في تجربتها نحو التقدم والتنمية؛ وكانت هذه الدولة هي اليابان التي أصبحت من أكبر حلفاء ماليزيا في مشروعها نحو التنمية والتقدم.
وتتمثل الركيزة الثالثة في العمل على جذب الاستثمار نحو ماليزيا وتوجيه الأنظار إليها.
اهتم رئيس وزراء ماليزيا الأسبق مهاتير محمد بإدخال التكنولوجيا الحديثة والتدريب عليها حتى يتم الانتقال بالبلاد سريعـًا إلى مرحلة أخرى أكثر تقدمـًا، مع تحقيق إمكانيات التواصل مع العالم الخارجي.
تبنت الحكومة المنهج التنموي والذي دفع بالبلد نحو النهضة التنموية؛ وذلك من خلال توفير مستويات عالية من التعليم والتكنولوجيا، كما شجعت على تعلم اللغة الإنجليزية، وأوفدت بعثات تعليمية للخارج وحرصت على التواصل مع الجامعات الأجنبية.
في إطار سياسته الاقتصادية، عمل مهاتير محمد على تجهيز المواطن الماليزي بكافة الوسائل العلمية والتكنولوجية كي يستطيع الانفتاح والتواصل مع العالم الخارجي والتعرف على الثقافات المختلفة، ثم بعد ذلك الدفع به إلى سوق العمل من أجل زيادة الإنتاج وخفض مستوى البطالة بين أفراد الشعب؛ حيث كان يهدف لتفعيل الجزء الأكبر من المجتمع الأمر الذي يعود بارتفاع مستوى التنمية الاقتصادية للبلاد في نهاية الأمر.
واستطاع أن يحول ماليزيا من دولة زراعية يعتمد اقتصادها على تصدير السلع الزراعية والمواد الأولية البسيطة مثل المطاط والقصدير وغيرهما إلى دولة صناعية متقدمة، وأصبحت معظم السيارات التي توجد بها صناعة ماليزية خالصة، وزاد نصيب دخل الفرد زيادة ملحوظة فأصبحت واحدة من أنجح الدول الصناعية في جنوب آسيا.. ما أدى إلى تقوية المركز المالي للدولة ككل.
بدأت ماليزيا في السبعينيات تقليد اقتصاديات النمور الآسيوية الأربع (كوريا الجنوبية وتايوان وهونغ كونغ وسنغافورة)، وألزمت نفسها بالانتقال من كونها تعتمد على التعدين والزراعة إلى اقتصاد يعتمد بصورة أكبر على التصنيع. بوجود الاستثمارات اليابانية، ازدهرت الصناعات الثقيلة في غضون سنوات، وأصبحت صادرات البلاد محرك النمو الرئيسي. حققت ماليزيا باستمرار معدل نمو محلي إجمالي أكثر من 7٪ مع انخفاض معدلات التضخم في الثمانينيات والتسعينيات. تعد ماليزيا اليوم واحدة من أكبر مصنعي الأقراص الصلبة الحاسوبية.
هل هي معجزة؟
سؤال يجيب عنه رئيس وزراء ماليزيا الأسبق مهاتير محمد في موسوعته، وتحديدًا في المجلد الخامس الذي حمل عنوان "ماليزيا" فيقول: ما يحدث في آسيا في الواقع أبعد ما يكون عن المعجزة. لقد حدث النهوض نتيجة للعمل الشاق والإيمان بالحلول العملية والواقعية والاعتراف بالسوق كقوة من قوى النمو والتعليم والانفتاح مع الأفكار. كانت تلك بعضـًا من مفاتيح التحول الاقتصادي في شرق آسيا.
كل سطر في كتابه يقطر فخرًا واعتزازًا؛ إذ يقول "كثير ممن أذلونا بالأمس هم الذي يمدحوننا اليوم وهم يتحدثون الآن عن النموذج الماليزي الجدير بالتقليد".
ويحكي عن بداية النجاح، فيقول "منذ عام 1991 تسابق مجتمع ماليزيا بالكامل حول ما نسميه برؤية 2020. كان الهدف الذي استحوذ على خيال الناس حتى من هم في جانب المعارضة هو هدف النمو بمعدل 7% على امتداد السنوات من عام 1991 إلى عام 2020 ونكون بذلك قد ضاعفنا من دخلنا القومي في كل عشر سنوات ونخرج للوجود كدولة متقدمة بشكل تام قبل نهاية عام 2020".
ويستكمل "كي نحقق هذا الهدف البطولي للغاية حددنا سلسلة من إصلاحات واستراتيجيات اقتصادية اعتبرناها الصيغة الربحية، تتكون من أشياء كثيرة أولها أن الحكومة لا تدخل في مشروعات تجارية، وبدأنا في بداية الثمانينيات بالانتقال الاستراتيجي ليصبح القطاع الخاص آلة أساسية للنمو".
وأكد "استغرق منا ذلك عدة سنوات صادفنا فيها أصعب الأوقات، لكن القطاع الخاص الذي ربيناه وكبرنا أصبح اليوم نابضـًا بالحياة. لقد اصبح بحق الآلة الرئيسية لنمونا".
يوضح مهاتير محمد أن تجربة النهضة في ماليزيا ليست بالتجربة السهلة، لكن ''الجميع وضعوا مصلحة ماليزيا أمام أعينهم". وعن أهم المشكلات التي واجهت ماليزيا يقول "هي مشكلة البطالة، ولكن قمنا بالتغلب عليها ووفرنا العديد من فرص العمل للشباب، من خلال إقامة المشروعات الكبرى، وجلب الاستثمارات الأجنبية، وركزنا على الزراعة والصناعة، مقدمين إعفاءات وتسهيلات ضريبية على الاستثمارات الأجنبية لمدة عشر سنوات''.
وتابع ''كان على الصناعة الماليزية أن تتخذ خطوة جديدة في طريقها النهضوي، فقمنا بصناعة الإلكترونيات التي كانت تتطلب تنمية العنصر البشري، فعملنا على المناهج التعليمية الماليزية وتعديلها، حتى يتم بناء طلاب قادرين على مواكبة التقدم".
 كان اهتمام مهاتير محمد بالتعليم منذ مرحلة ما قبل المدرسة الابتدائية؛ فجعل هذه المرحلة جزءًا من النظام الاتحادي للتعليم، واشترط أن تكون جميع دور رياض الأطفال وما قبل المدرسة مسجلة لدى وزارة التربية، وتلتزم بمنهج تعليمي مقرر من الوزارة.
كما تم إضافة مواد تُنمي المعاني الوطنية وتغرز روح الانتماء للتعليم الابتدائي -أي في السنة السادسة من عمر الطفل.. ومن بداية المرحلة الثانوية تصبح العملية التعليمية شاملة؛ فبجانب العلوم والآداب تُدرَّس مواد خاصة بالمجالات المهنية والفنية التي تتيح للطلاب فرصة تنمية وصقل مهاراتهم.
وإلى جانب ذلك كان إنشاء الكثير من معاهد التدريب المهني التي تستوعب طلاب المدارس الثانوية وتؤهلهم لدخول سوق العمل في مجال الهندسة الميكانيكية والكهربائية وتقنية البلاستيك، وكان من أشهر هذه المعاهد معهد التدريب الصناعي الماليزي، والذي ترعاه وزارة الموارد البشرية، وقد أصبح له تسعة فروع في مختلف الولايات الماليزية.
وتوافقًا مع ثورة عصر التقنية قامت الحكومة الماليزية في عام 1996 بوضع خطة تقنية شاملة من أهم أهدافها إدخال الحاسب الآلي والارتباط بشبكة الإنترنت في كل مدرسة بل في كل فصل دراسي؛ وبالفعل بلغت نسبة المدارس المربوطة بشبكة الإنترنت في ديسمبر 1999 أكثر من 90% وبلغت هذه النسبة في الفصول الدراسية 45%.
كما أنشأت الحكومة الماليزية العديد مما يعرف بالمدارس الذكية التي تتوفر فيها مواد دراسية تساعد الطلاب على تطوير مهاراتهم واستيعاب التقنية الجديدة؛ وذلك من خلال مواد متخصصة عن أنظمة التصنيع المتطورة وشبكات الاتصال ونظم استخدام الطاقة التي لا تُحدث تلوثـًا بالبيئة.
"مجموعة من الإنجازات" هي ملخص تجربة مهاتير في ماليزيا، لكن من صاحب الإنجاز؟
يقول في المجلد الأول من موسوعته، إنه عندما منح جائزة الإنجاز على مدى الحياة من بيت التمويل الأميركي (لاريبا) اعترافـًا بدوره في معالجة الأزمة الاقتصادية، أعلن وقتها أن الشعب الماليزي هم الذين يستحقون هذه الجائزة.
مهاتير محمد الذي يعتبر نفسه مسلمـًا سلفيـًا، يؤمن بمبدأ "إذا أردت أن أصلي فسأذهب إلى مكة وإذا أردت المعرفة فسأذهب اليابان".
هكذا تُبنى الأمم.



[1] وليد عبدالحي، الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية، دار تينمل، مراكش، 1993، ص 3.
[2] Mahdi Elmandjra, Première Guerre civilisationnellem Casablanca, Editions Toubkal, 1992, p. 176.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "هكذا تُبنى الأمم"

أكتب تعليقا