أسامة الباز.. صانع الملوك يركب المترو!

| |

  


في مصر، معادلة شبه مستحيلة اسمها: النفوذ مع الولع بالبساطة.
لكن أسامة الباز نجح في حل المعادلة ببراعةٍ ربما لاحقت ككابوس من جاؤوا إلى السلطة بعده.
فقد احتفظ الباز بصورته اللامعة كمفاوض سياسي عتيد، ولاعب رئيسي ومستشار نافذ، مع تمسكه بصفة التواضع التي منحته مكانة فريدة في قلوب كثيرين.
ولأنه كان "نقطة تلاق" بين مختلف التيارات والأنظمة المختلفة، فقد اجتمعت مصر والعرب في سرادق عزائه. مئات السياسيين والدبلوماسيين والعسكريين والوزراء الحاليين والسابقين، وآلاف المواطنين العاديين من مختلف الفئات الاجتماعية والشرائح الاقتصادية، كانوا هناك في وداع مايسترو السياسة الخارجية المصرية[1] ورجل الدولة بكل ما يعنيه هذا الوصف.
كنت تراه يمشى منفردًا دون حراسة، مستقلًا المواصلات العامة، ومن بينها مترو الأنفاق، أثناء تحركه من منزله في المعادي -قبل أن يتركه ويذهب للإقامة في القاهرة الجديدة- إلى مقر عمله بالقرب من ميدان التحرير، سُرة مصر، وآية حيويتها الدافقة. تجده في المترو مسندًا ظهره إلى الباب الخلفي، دون أن يكترث به أحد، وهو ما يريده بالفعل. تلهو أصابعه بتذكرة مترو بيضاء، تشير إلى أنه يحمل اشتراكـًا في مترو الأنفاق. شخصية ودودة تحب أن تكون وسط الناس؛ لأنه واحدٌ منهم.


المترو كان اختيار رجل عملي، يعرف أن المترو يمكن أن يقطع هذه المسافة في نحو عشر دقائق، في حين تقطعها السيارة في ساعة ونصف الساعة، وهو أمرٌ لا يطيقه، خاصة إذا كانت سيارته متواضعة وغير مكيفة، ويمكن أن تتمرد عليه من الحر.
درج الناس على رؤيته في كل مكان دون أي حراسة، وكان يمكن أن تشاهد هذا الدبلوماسي رفيع الشأن والفقيه القانوني عابرًا ميدان التحرير ليشتري بنفسه شيئـًا، أو قاطعـًا الشوارع المحيطة به أو أمام مبنى جامعة الدول العربية، أو مارًا فوق كوبري قصر النيل، وأحيانـًا يقطع الطريق ليلتقط سيارة أجرة. وربما تندهش وأنت تراه واقفـًا في الطابور لقطع تذكرة سينما في وسط البلد، أو وهو يتناول وجبة الفول والطعمية المفضلة لديه أمام محل التابعي الدمياطي أو محل نجف للسندوتشات.
وربما تجد صانع الملوك في عهدَي السادات ومبارك أمام كشك لبيع الصحف والمجلات وهو ينتقي بعضها للقراءة، أو تشاهده مصطحبـًا طفلته مريم لشراء أدواتها المدرسية من مكتبة "فوليوم" بنفس الشارع الذي يسكن فيه. وببساطة أيضـًا ستشاهد نفس الرجل، مساء، جالسـًا في هدوء شديد على مقهى أو في غاليري أو ندوة فكرية وثقافية يستمع أكثر مما يتكلم.
كان اسمه يكفيه، وأعماله تحميه.
رآه جيرانه أكثر من مرة يقوم بدفع سيارته لنهاية الشارع مع حارسه عندما تتعطل ويفشل في إصلاحها، وكان يجلس بشكل شبه يومي في مقهى "سيلانترو" في المعادي ويتناول فيه القهوة، وقد يشاركه الجلسة عددٌ من الأصدقاء من زائريه.
رغم عمله في قلب المطبخ السياسي، وقربه من الرئيس الأسبق حسني مبارك، ودوائر صنع القرار في نظامه، فإنه لم تظهر عليه أعراض مئات المسؤولين الكبار والصغار الذين ساهم في وصولهم إلى مناصبهم.. ومن هذه الأعراض الغطرسة والتعالي والكلام من طرف الأنف. اتسم على الدوام بترفع نادر عن المناصب ومواقع السلطة، مارسه بصفاء نفس ظل ملازمـًا له حتى وافاه الأجل.
وبالإجمال، فإن المسؤول الفاسد تظل له رائحة تسبقه، وإن أخفاها، وإذا كان الأمر كذلك، فإن أسامة الباز الذي نعرفه، ظل أبعد الناس عنها، بامتداد حياته.
لم يكن أسامة السيد محمد الباز، الذي رحل في 14 سبتمبر 2013، يدخل صالة كبار الزوار في المطار، ولم يألف ركوب سيارة فخمة في حياته اليومية، بل إنه لم يكن يحِبُّ أن يُطلَق عليه أو ينادى بالألقاب التي تطلق على نظرائه ويفضل مناداته بالدكتور أسامة فقط. حتى الذين عرفوه خلال دراساته العليا في بوسطن يروون كيف أن العاملين في المطعم الذي يرتاده بانتظام كانوا يعرفون ما يطلبه أسامة كل يوم؛ كوب من اللبن وحلقات من البصل.
يشير شقيقه فاروق الباز إلى أن والدته كانت تشفق على أسامة؛ لأنه كان نحيفـًا ضعيف البنيان وكانت تعد له طعامـًا خاصـًا وتجلس بجانبه لكي تشجعه على الأكل، يتشاوران في أمور شتى. فضلت الوالدة أسامة على باقي أشقائه جميعـًا في شراء ما يحتاجه المنزل لحكمته في اختيار المشتريات، ولأنه كان يجالسها أثناء الطهي، فقد تعلم منها الكثير، وذلك هو ما جعله طاهيـًا ماهرًا خلال سنوات الدراسة في الولايات المتحدة[2]. ويشيد رفاق الدراسة بإجادة أسامة طهي الطعام. وكان الطبق الأشهر له "العدس الأباظي"؛ لذا كان الطلبة المصريون والعرب يطلبون منه في مناسبات عدة طهي هذا الطبق الشهي[3].
هكذا عاش أسامة فترة غير قصيرة ينفق على دراسته مقيمـًا في شقة صغيرة متواضعة يشاركه فيها شاب أميركي يدرس هو الآخر في جامعة هارفارد، مترفعـًا عن أن يطلب لنفسه شيئـًا ربما لا يكون له حق فيه.

ويحكي البعض عن دقته واهتمامه بالتفاصيل الصغيرة في عمله، حتى أنه كان يحوِّل عادةً بخطه العربي والإنجليزي الجميل، الملاحظات والتحليلات والخطط والسيناريوهات المحتملة إلى رسم بياني واضح المعالم. والحقيقة أن القلم والورقة كانا من أهم ما في حياته، وكم كان يسعد كثيرًا إذا قدم إليه أحدٌ مجموعة من الأقلام تكتب كالحرير.
وأسامة الباز، المولود في 1931، بقرية طوخ الأقلام، بمركز السنبلاوين، في محافظة الدقهلية، هو "الألفة والنابغة في العائلة"، كما قال لي ذات يوم شقيقه عالم الجيولوجيا الكبير د.فاروق الباز.
تربَّى أسامة وسط عائلة كبيرة أكبر أبنائها محمد، الذي أصبح ضابطـًا بالمدفعية، ثم مدرسـًا بالكلية الحربية، ثم أسامة ثم عصام الذي أخذ نفس مسار الأخ محمد ثم فاروق. جاء بعد فاروق ثلاث بنات: ليلى التي أصبحت تدرس الفنون، ثم ثريا التي درست العلوم مثل شقيقها فاروق وسمَّاها أسامة "فاروقاية" وأصبحت أستاذة للكيمياء في مدارس الرياض، وأصغرهن صفاء الطبيبة التي أصبحت مساعدًا لوزير الصحة، جاء في نهاية المطاف حازم الذي يُعلم الهندسة الميكانيكية في الجامعة الأميركية بالشارقة، ثم نبيل خريج التجارة الذي عمل في قطاع الائتمان في المصرف العربي الدولي.
مع أن أسامة وُلد في قرية طوخ الأقلام أثناء الإجازة الصيفية لأبيه الذي تنقل بحكم عمله بين محافظات عدة، كما كان الحال سنويـًا، لكنه قضى مرحلتي الابتدائية والثانوية في دمياط وتعلم من أهلها الكثير. كان يتباهى بأن إعداد الحلوى في دمياط لا يعادله أي مكان آخر. كذلك بدأت مهارته في الكتابة تظهر عندما سأله عصام أن يكتب مسرحيات قام الأشقاء بعرضها على شباب الحي بين آونة وأخرى، حيث كانوا يبيعون تذكرة الدخول بنصف قرش، وكان عصام يتصرف في الحصيلة لأنه يقوم بدور البطل[4].
اتصف أصدقاء أسامة في هذه المرحلة بالتميز لاحقـًا. شمل ذلك إبراهيم شحاتة الذي أصبح نائبـًا قانونيـًا لرئيس البنك الدولي في واشنطن، والوزير المهندس حسب الله الكفراوي، وعبدالرؤوف الريدي الذي أصبح سفيرًا لمصر في واشنطن. وتزامل الريدي مع الباز في معظم مراحل الدراسة في مدرسة دمياط.
عندما التحق أسامة بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، أصرت والدته على الانتقال هناك؛ إذ لم تكن تتخيل معيشته وحده؛ لذا كان الأب يقضي معظم أيام الأسبوع في شبين الكوم لإدارة معهدها الديني، ويأتي إلى العائلة يومي الخميس والجمعة.
أجاد أسامة اللغة الفرنسية خلال دراسته الجامعية؛ لأن القانون كان مبنيـًا على ما تركه نابليون في مصر. وشهدت سنوات دراسته الجامعية الكثير من القلق السياسي، خاصة التظاهر ضد الاحتلال الإنجليزي. كان يميل في ذلك الوقت إلى حزب الوفد وخطابات مصطفى النحاس وحكومات مكرم عبيد ومحاورات فؤاد سراج الدين. شاركه في ذلك زميلاه إبراهيم شحاتة ومفيد شهاب. 
تخرج أسامة بامتياز؛ لذا عُيِّن بالقضاء وترقى بسرعة وكيلًا لنيابة الوايلي والزيتون ومصر الجديدة عام 1953. تعرف في هذه السنوات على مسار القانون في مصر قبل أن يتقدم للعمل بوزارة الخارجية، ويتم تعيينه سكرتيرًا ثانيـًا، عام 1958، ليصبح أصغر من حصل على درجة سفير في العام 1975، حتى وصل إلى منصب وكيل أول وزارة الخارجية، وكان مديرًا لمكتب إسماعيل فهمي، الذي عُيِّن وزيرًا للخارجية في نوفمبر 1973 واستقال احتجاجـًا على زيارة السادات للقدس في نوفمبر 1977.
في السلك الدبلوماسي وأروقة الخارجية، تعرف على جهابذة السياسة الخارجية تحت قيادة الوزير محمود فوزي، وعمل معه في ذلك الوقت تحسين بشير ونبيل العربي وعمرو موسى وغيرهم.
حصل أسامة على بعثة للدكتوراه في القانون الدولي بجامعة هارفارد عام 1960. اختار موضوع البحث في الوضع القانونى لانفصال دولة إلى دولتين، كان اختياره محل استغراب المقربين منه، لكن انفصال سوريا عن مصر في تجربة "الجمهورية العربية المتحدة" أثبت أن لاختياره تطبيقـًا عمليـًا!
تأثر أسامة بسنوات دراسته في جامعة هارفارد، حيث تعلم هناك على أيدي أساتذة كبار منهم هنري كيسنجر وروجر فيشر. وكان يقضي معظم ساعات النهار في مكتبة "وايدنر" حتى غروب الشمس، ثم يتنقل بين أسواق كامبريدج لاختيار ما لذ وطاب للطهي لمن يأتيه من زملائه، خاصة إبراهيم شحاتة وإسماعيل سراج الدين وأكي كلمتسيس وغيرهم.
بزغ نجم أسامة وسط زملائه في الولايات المتحدة، حيث أصبح رئيسـًا لمنظمة الطلبة العرب. اتصف عندئذ بالحكمة في سياق المنظمة ورئاسة اجتماعاتها وتقنين عملها تبعـًا لقوانين "روبرتس" الصارمة. تعرف في ذلك الوقت على كمال الجنزوري وعاطف عبيد وفؤاد سلطان الذين برزت أسماؤهم لاحقـًا في حكومات مصر، إضافة إلى محسن العيني وعبدالكريم الإرياني من اليمن وعبداللطيف الحمد من الكويت وغيرهم.
نال الدكتوراه في القانون من جامعة هارفارد الأميركية في 1962 قبل أن يعود إلى مصر. تألق أسامة في تلخيص أهم الأخبار العالمية ووقعها على سياسة مصر. قام بذلك العمل في مكتب حسنين هيكل الذي كان يطلب الملخصات لاختيار ما يرى منها ملائمـًا للعرض على الرئيس جمال عبدالناصر. كان ذلك العمل هو مدخل أسامة إلى أروقة السياسة العليا في مصر.


[1] معتز نادي ووكالة أنباء الشرق الأوسط، وفاة الدكتور أسامة الباز المستشار السياسي لمبارك عن عمر 82 عامـًا، موقع "بوابة المصري اليوم" الإلكتروني، 14 سبتمبر 2013.
[2] د.فاروق الباز، أسامة الباز: الزاهد عاشق البساطة الذي عاش وسط الجماهير وتميز بالذكاء الخارق، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 13 مارس 2014.
[3] د.سعد الدين إبراهيم، أسامة الباز وشريط الذكريات، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 21 سبتمبر 2013.
[4] د.فاروق الباز، مصدر سابق.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "أسامة الباز.. صانع الملوك يركب المترو!"

أكتب تعليقا