باشوات وأوباش: التاريخ السري للفساد

| |



هذه سطورٌ من الحاضر والتاريخ، تنبه إلى النيران الزاحفة قبل أن تلتهم أي أمل في المستقبل، وتدفع البلد كله إلى المجهول.
قضايا وملفات، وأمثلة وحكايات، تدفع إلى التأمل، وتحث على التدبر في فكرةٍ أساسية، مفادها أنه لا أحد بوسعه أن يقف على أرض صلبة ما لم يتقدم إلى محاربة الفساد وشبكات الامتيازات المغلقة التي تتكون عادةً من عناصر من قلب السلطة السياسية وأجهزتها الإدارية وبعض المختارين بعناية من رجال المال، وتنال فرصـًا احتكارية حصرية في مجالات الاستيراد، والمضاربة العقارية، والمالية، بما يمكنها من احتجاز معظم المغانم، والعوائد بطرق لا تمتثل بالضرورة للقوانين والتشريعات القائمة.
حسب كل الدراسات التي تطرقت إلى ظواهر الفساد في العقود الأخيرة فهو منهجي ومقنن ومؤسسى. بل إن مصر كما هو مثبتٌ الآن ومنذ تم اختراع قياسات للفساد الإداري وأثره على عمل القطاع الخاص والاستثمار، بلدٌ يعاني معدلات مرتفعة من الفساد، وهذه حقيقة لا سبيل لتغييرها بالسلب أو بالإيجاب إلا بشكل نسبي وكمي لا كيفي. وطبقـًا لمنظمة الشفافية العالمية فإن مصر احتلت في عام ٢٠١٥ المركز رقم ٨٨ من ١٦٨ دولة. وتتكامل تلك الصورة مع مؤشرات البنك الدولي للسيطرة على الفساد، والتي تشير إلى تدهور مركز مصر في السيطرة على الفساد من ٤١% في ٢٠٠٩ إلى ٣٢% في ٢٠١٤.
عصف الفساد بمصر وأكل عناقيدها والتهم محاصيلها، ولم يرحمها حتى في سنينها العجاف، بل دأب على الاستغلال والتربح، ونسج شبكات متقنة من المنتفعين وأصحاب المصالح الخاصة، الذين يجيدون لي عنق الحقائق والتلاعب بمواد القانون وشراء القائمين على تنفيذه بشكل أو بآخر، والتحايل على الجميع، بتقديم "الآراء المريحة" بدلًا من "الحقائق الكاملة"، حتى تستمر آلة الفساد في جني المال واحتكار النفوذ. ويتحايل الإعلام العام والخاص، ويذبح حرية تداول المعلومات والتعبير عن الرأى تواطؤًا مع تحالف الفساد والثروة.
انضوت تحت مصطلح الفساد في مصر أشكالٌ عدة من الانحراف تتضمن الرشوة والاختلاس والمحسوبية والابتزاز والتهرب الضريبي والمحاباة واستغلال الوظيفة وتعارض المصالح وحجب أو إفشاء الأسرار الاقتصادية بغير الطريق المشروع، وغير ذلك من صور استغلال السلطة أو الوظيفة للحصول على مكاسب خاصة. بالطبع، تظهر من فترة لأخرى أشكال جديدة للفساد، معقدة ومراوغة وذكية، تستفيد من الثغرات الموجودة لتتسلل منها إلى عروق المجتمع والدولة.
ومن دواعي الأسف، أن الصراع الحاصل في مصر توسل بإفساد الضمائر كي تُفتح له أبواب ثروات البلاد وخزائنها، ثم انتقل إلى اختطاف الذاكرة. والمساومة على استعادة الماضي أو استبقائه لا على بناء المستقبل.. أي على احتجاب مصر وإقعادها.
لم يكن هذا عملًا عشوائيـًا، بل تحركـًا مدروسـًا من تحالفات ليست فوق مستوى الشبهات، وأجهزة نخر فيها سوس الإهمال والترهل، قبل أن يضرب الفساد ضربته وتنتشر رائحته العطنة.
ومن المعلوم أن غياب الكفاءة وانتشار الفساد يكبدان الاقتصاد والمجتمع تكاليف باهظة متمثلة في الاستثمارات غير المتحققة والموارد المهدرة والفرص الضائعة علاوة على التكلفة السياسية من حيث فقدان الثقة في جهاز الدولة ونزع الشرعية والمصداقية عن السياسات والمؤسسات العامة.
ما يضعف هيبة الدولة، أي دولة، إثارة التساؤلات حول جديتها في مواجهة الفساد، وما ينزع الثقة في مؤسساتها أن يتمدد الفساد مطمئنـًا أن سيف القانون لن يلاحقه. غياب المواجهة الجدية مع مراكز الفساد ومؤسسته، التي تعتقد أن نفوذها أقوى من أي نفوذ لمؤسسة أخرى، هو الذي يضر بالأمن القومي ويُعرِّض السلم العام للخطر.
في حربها على الفساد، تحتاج مصر أن تثق بنفسها وفي قدرتها على تجاوز المصاعب التي تعترضها دون ذعر من طوارئ الأحداث أو سطوة أهل الفساد ورموزه. الثقة من متطلبات العمل الجاد للقضاء على الفساد، والنزاهة والشفافية والحسم هي أهم إجراءات تصويب المسار واستئصال الفساد والمفسدين، بهدف الاطمئنان على صورة المستقبل. كلما بدا التحرك غامضـًا لا يتسم بالحزم والدقة والنزاهة وفق الوسائل القانونية والإجراءات الأمنية السليمة، فإن الأرض التي نقف عليها في الحرب على الفساد ستكون أقرب إلى رمال متحركة تأخذ ما فوقها إلى ما تحتها.
يتعين أن نقرأ حقيقة أوضاعنا، قراءة علمية منطقية عادلة، بعيدة عن شطط العواطف وحماسة التمني وأحلام اليقظة ومدخلات الدجل الممزوجة بالفولكلور. لقد تاهت خطط الإصلاح الحقيقي للتشوه الحادث في علاقة مؤسسات الدولة بأبناء المجتمع، وغابت خطوات الإصلاح الجذري في كل مؤسساتنا، وسط ادعاءات بتدرج الإصلاح، تبدو للباحث المدقق كأنها محاولة لإطالة أمد الفساد وتجنب مواجهته بشكل حاسم وجاد.
كما آلاف الملفات المفتوحة، ليست المشكلة في قلة الحلول، ولكن في جدية الطرح وإرادة التنفيذ.
إن اعتمادنا أساليب بالية واستسلامنا لأفكار عفا عنها الزمن ورفضنا التقيد بالقواعد والمعايير الدولية المتعارف عليها في مجالات شتى، في كثير من الأحداث والمواقف المعاصرة، أظهر أننا بعيدون عن العالم المعاصر، لا نملك الرغبة والنية، أو القدرة والجدية الكافية، للاندماج والمساهمة الفعالة في حضارته.
لقد عشنا عقودًا طويلة نُصدِّر خطابـًا خارجيـًا يتحدث عن النزاهة والشفافية والإصلاح المالي والإداري والسياسي واحترام القانون والحقوق، ونمارس في الداخل كل ما يتعارض مع هذا الخطاب، فلم تكن النتيجة سوى فقدان مؤسسات الدولة القدرة على العمل بكفاءة ونزاهة من ناحية، وفقدان مصداقيتها في الخارج من ناحية أخرى.
إن قدر مصر أن تتحرر من قيود الماضي البائس وتصوغ مستقبلها بيد كل أبنائها.. شركاء الوطن جميعهم، سلطة وحكامـًا ومحكومين. بل إن قوتنا تكمن في ثلاث: اختيار الكفاءات، والمحاسبة والمساءلة بكل شفافية، واحترام الحقوق والحريات.
هذا يتطلب تحسين البيئة القانونية وبناء أجواء تحترم الحريات والرأي المستقل ثم السعي نحو الشفافية والتنافس الحقيقي والديمقراطية، إلى جانب تنفيذ استراتيجية تخفف، على مراحل، من حجم الدولة في إطار التخلص من الفساد، بما يسهم في تقوية مناعة المجتمع ومؤسسات الدولة تجاه الفساد.
ما لم تكن هناك إصلاحات حقيقية تستجيب لأنين المواطنين، وتكافح الفساد، وتؤسس لتوافقات صلبة، فإن كل شيء سوف يندفع إلى نهاياته دون قدرة على تجنب أية كوارث محتملة تأخذ من البلد أمله في مستقبله.
مواجهة الحقائق أيـًا كانت قسوتها أفضل ألف مرة من دفن الرؤوس في الرمال.
ما تملكه مصر هو أن تبادر وتصحح وتمسك مقاديرها بيديها، تحاور نفسها بجدية وتفتح الملفات الصعبة وتحسم كل انفلات، وفق قواعد دولة القانون.
إن الضجيج لا يُحدِث هيبة، والتاريخ لا تكتبه ولا تخدعه مقالات الصحف أو تهويلات البرامج التليفزيونية؛ لأن الديمقراطية جوهر التقدم، والشفافية علامة النزاهة والعدل أساس الملك. يحتاج المشهد السياسي في مصر رؤية تتسم بالجرأة والشجاعة تنجم عنها قرارات جذرية تحمل رؤى إصلاحية لا تعاند الزمان وسنن التغيير.
ظني وأملي أن في مصر بقية من رشد، تكفي وتفي لكي تقينا شرورًا يُنشئها التعامي عن لحظات الحقيقة.
أتمنى لكم قراءة مفيدة وممتعة.

من مقدمة كتابي
باشوات وأوباش: التاريخ السري للفساد، مركز الحضارة العربية، القاهرة، 2016.


لكل من يستفسر عن الكتاب، أماكن التوزيع في المكتبات التالية:
القاهرة :
1-     مكتبة ديوان 
159 ش 26 يوليو، الزمالك
هاتف: 26908184
مصر الجديدة : 105 ش أبو بكر الصديق
هاتف:  27362582 - 26908184
2-مكتبة دار الشروق – ميدان طلعت حرب
هاتف: 0223930643
سيتي ستارز - مدينة نصر
هاتف:  23912480 - 25735035- 24802544
3-روعة بوك ستور - 30 ش حسن عاصم، من ش البرازيل - الزمالك
هاتف:
01140178144
4- عمر بوك ستور - ش طلعت حرب، فوق فلفلة
هاتف: 23960047 / 01003361217
5- مكتبة ليلى - وسط البلد، بجوار الخطوط الجوية الليبية
6- مكتبة ألف -  ش الميرغني، مصر الجديدة, القاهرة
هاتف: 0224192396 
7- مكتبة تنمية بوسط البلد، 18 ش هدى شعراوي متفرع من ش طلعت حرب، خلف مول البستان
هاتف: 01005029128/01111139636
8- مكتبة مدبولي - ميدان طلعت حرب
هاتف: 0225756421
9- مكتبة فكرة - سيتي ستارز - مدينة نصر
10- مكتبة كتب خان- المعادي
11- مكتبة الشرق الأوسط والجمل بالمطار
المنصورة:
1-      مكتبة بوكس آند بينز: 7 ش جزيرة الورد - المشاية السفلية
هاتف: 0502242285
2-     المكتبة العصرية: المشاية السفلية، بجوار فندق مارشال الجزيرة
3-     مكتبة كلمات: أمام كلية طب الأسنان - عمارة غانم، الدور الأول علوي
4-     مكتبة الشوبري: أمام بوابة الجامعة، ش جيهان
5-     مكتبة الصحافة
الإسكندرية :
1-     مكتبة منشأة المعارف:
44 ش سعد زغلول - محطة الرمل
هاتف: 01221214657
2-     مكتبة روايات الشباب
3-     مترو سان ستيفانو مول 
هاتف: 01003528603
4-     مكتبة ديوان بالإسكندرية
5-     مكتبة أكمل مصر
6-     مكتبة ليليت
7- الخياط بوك ستور
طنطا:
‏المكتبة القومية الحديثة: 6 شارع القاضي
هاتف: 0403349069
الشرقية /الزقازيق:
1-     الميدان
2-     مكتبة حروف
بورسعيد:
1-     كتابيكو
2-     أولاد نسيم
أسيوط:
مكتبة ألف
مكتبة ومضة
الأقصر:
مكتبة حرف - حي الفيروز ، ش عبدالله بن مسعود، أمام مديرية الأمن

·       الإمارات:
1-     مكتبة زين المعاني
2-     كينكونيا - دبي مول
3-     بوردرز
·       الكويت:
مكتبة ذات السلاسل



ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "باشوات وأوباش: التاريخ السري للفساد"

أكتب تعليقا