حرائق التفكير والتكفير

| |





ليس هناك أنسب من اللحظات الصعبة للاشتباك مع القضايا الصعبة، والوقت المناسب لكلمة الحق هو دائمـًا الآن. وحينما توجد مصائر أمة وقضايا وطن وأرواح على المحك، فالوقت المناسب هو الآن.. وفورًا.
وكتابنا هذا يضع يده على مجموعة من أخطر القضايا والأزمات والشخصيات التي شغلت الرأي العام في السنوات الأخيرة.
أزمات اختلط فيها الفن والسياسة والإعلام بالدين، فكان هذا الخلط بيت الداء.
في هذه الأزمات والحوادث والوقائع ذات البعد الديني بشكل أو بآخر، ارتفعت حدة المواجهات وزادت مساحة الانقسامات تحت راية الدين، التي يُفترض بها أن تجمع ولا تُفرِّق. ووجدنا أنفسنا إزاء شخصيات أقامت الدنيا ولم تُقعدها بمواقف وتصريحات لامست -إن لم تكن تجاوزت- خطوط الدين، المحظورة بالنسبة لكثيرين.
يمتد قوس الأزمات والصراعات التي نحن بصددها ليشمل عددًا لا يستهان به من حروب التفكير والتكفير، وجرائم جماعات الإرهاب باسم الدين، وأخطرها تنظيم "داعش"، الذي ارتكب جرائم مروعة من القتل الوحشي والتمثيل بالجثث، في محاولةٍ لإعادة عقارب الزمن إلى الوراء.
كما تطرقنا في كتابنا هذا إلى حوادث وممارسات وتجاوزات أثارت جدلًا واسعـًا، مثل "فتنة رفع المصاحف"، وجريمة قتل عدد من أبناء المذهب الشيعي في أبو النمرس، ووقائع محرقة ابن رشد الجديدة للكتب في المدارس، فضلًا عن إعداد دراسة موسعة لواحدة من أخطر أدوات المتطرفين لإثارة الأزمات، ونعني بذلك القنوات الدينية، التي تحوَّل بعضها إلى منصات للتعصب والتحريض.
تناولنا أيضـًا مسائل شائكة تتعلق بالخطاب الديني، وجرائم الكراهية الدينية، ودعوات خلع الحجاب في ميدان التحرير، والدعوات المغرضة لتسييس الحج والحوادث التي ارتبطت بالأراضي المقدسة لدى المسلمين من حادث جهيمان العتيبي إلى وقتنا هذا.
لم ننس استقراء التاريخ في قصص وحكايات أثارت أزمات وصراعات دينية، من حوادث هدم الكعبة، وأزمة قبر الرسول، وقضايا عرض أفلام مثيرة للجدل عن الأنبياء وكبار الشخصيات الدينية، ما بين الرفض والتأييد.
يمكن القول إن معالجة الموضوعات والمحظورات الدينية ليست آمنة، فهي تدفعك إما للصمت والتجاهل أو للنفاق والتدليس أو للإحباط واليأس، والمشكلة أن النخب في عصور الفوضى والارتباك تكون مستجيبة للهستيريا، وأن الجموع الغفيرة تشارك في زيادة الموقف تعقيدًا.
ربما لهذا السبب فإننا نرى أن حسم الصراع حول القضايا والمسائل المرتبطة بالدين والفكر والحريات والمجتمع، يبدأ في الضمير العام قبل أن يُحسم في الميادين المفتوحة. ولنتذكر –على سبيل المثال- ما قاله الشيخ عبدالعزيز جاويش: "وما كان للعقائد أن تتكون بالإرغام والقهر، ولا للإسلام الذي هو دين البحث والنظر أن يقول بقتل من لا يدينون به"، وما ذكره شيخ الأزهر المستنير عبدالمتعال الصعيدي: "الحرية الدينية عبارة عن حق الإنسان في اختيار عقيدته الدينية، فلا يكون لغيره من الناس سلطانٌ عليه فيما يعتقده، بل له أن يعتقد ما يشاء، وله ألا يعتقد في شيء أصلًا، وله إذا اعتقد في شيءٍ أن يرجع عن اعتقاده من الدعوة إلى ما يعتقده بالتي هي أحسن".
في الدول التي قطعت أشواطـًا للأمام، تعد حرية التفكير والاعتقاد هي الميزان، وسيادة القانون هي نقطة البداية للتعامل مع أي تجاوز محتمل أو مخالفة واردة.
من هنا، نفتح في هذا الكتاب نوافذ النقاش وأبواب الاختلاف، كي نبحث بهدوء وموضوعية في تلك القضايا التي انتقلت من حرية التفكير إلى حروب التفكير، في غفلةٍ من الوعي أو نقص في الإدراك، وفي ظل حرائق التعصب وتيارات الكراهية التي أصابت أفرادًا ومجتمعات بأمراض خطيرة تنخر فيها وتهدد مستقبلها.
أحد دروس التاريخ هو أن توسيع دائرة الأعداء والأزمات ليس من مصلحة أي مجتمع، وأن حصر الحزم السياسي والأمني على من يرفعون السلاح في وجه أبناء الوطن، ويحرضون على الفتنة وخطاب الكراهية، هو أحد مفاتيح أمن أي مجتمع وأمانه الفكري والاجتماعي والديني.
يبدو أن ما تحتاجه بلادنا هو أن تفتح مجالها العام لكل تنوع في الرأي وكل اجتهاد في الفكر والرؤى الدينية. ونحسب أن تقييد الحريات وتكبيلها تربة مثالية للإرهاب والتطرف والتشدد.
وسطور هذا الكتاب خير دليل على ما نقول.
نكتب هذا ونحن نعلم أن هناك من يؤثر الغفلة ويستعذب العيش في عالم الأمنيات والأوهام، في حين يضيق ذرعـًا بملامسة الواقع بحقائقه وأعبائه. وفي هذه الحالة فإن العيب يصبح في المتلقي وليس في الكاتب.
إن حرب التفكير والتكفير طويلة.. ومن أسف أننا لا نملك عدتها المؤهلة لحسمها في المدى المنظور.
أتمنى لكم قراءة مفيدة وممتعة.

من مقدمة كتابي: حرائق التفكير والتكفير، دار اكتب، القاهرة، 2016.

أماكن التوزيع:

القاهرة
 مكتبات الشروق
 مكتبات ديوان
 فيرجن
 مكتبات أ
ليلى "وسط البلد"
 كتب خان "المعادي"
 الأهرام
 أطياف "وسط البلد"
الأزهري "المعادي"
 الكتبجية "المعادي"
 مداد "التجمع الخامس"
الرشاد "مدينة نصر"
آدم "المعادي"
 السراج "المعادي"
أقلام "وسط البلد"
ك "عين شمس"
الإسكندرية
 روايات الشباب
بورسعيد
كشك الأهرام
المنوفية
 أنتيكا
المنصورة
 الشوبري
الشرقية
حروف
أسيوط
ومضة
طنطا
الصحافة القومية
دمنهور
كريم
سوهاج
البطش
---
دول عربية
 الإمارات:
 زين المعاني

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "حرائق التفكير والتكفير"

أكتب تعليقا