أمهات الأنبياء.. القصة كاملة

| |



تذكر لنا الكتب والمراجع فضلًا عن الكتب السماوية، حكايات وتفاصيل بالغة الثراء عن أمهات الأنبياء والرسل، مثل أم إسحاق عليه السلام، سارة، وكانت بارعة الجمال.. وأم يوسف عليه السلام، راحيل، التي تميزت بالجمال والذكاء.. وأم يحيى عليه السلام، ايشاع, التقية الصالحة.
غير أن اللافت للانتباه هو دور الأمهات في حياة الأنبياء الأربعة، إسماعيل، وموسي، وعيسي، ومحمد. يستوقفنا هنا أن الأنبياء الأربعة عاشوا في كنف الأم، وقد عُهِد بهم في طفولتهم إلى الأمهات وحدهن دون مشاركة الآباء، فلم تقم الأم بدورها الطبيعي فقط، بل عوضت إلى جانب فقد الأب أو غيابه، لتكون الأم هنا أقرب إلى رعاية أصحاب الرسالات الدينية التي تقوم على الروحانية.
في عيد الأم، نسترجع معـًا عطر تلك الحكايات النبيلة.

أم إسماعيل عليه السلام
إن قصة إسماعيل وأمه رضي الله عنهما، تبدأ عندما هاجر إبراهيم إلى فلسطين، ومعه زوجته سارة وخادمتها هاجر كانت سارة عاقرًا لا تلد وأحزنها أشد الحزن عندما رأت زوجها يتطلع إلى أن يكون له ذرية، ولكنها بلغت من الكبر عتيـًا، فأشارت إلى زوجها أن يدخل بخادمتها هاجر علها تنجب ولدًا تشرق به حياتهما، ويسري عنهما بعض ما يجدانه من لوعة الوحدة، ومرارة الوحشة.
ودخل إبراهيم ـ عليه السلام ـ بهاجر، فأنجبت غلامـًا زكيـًا هو إسماعيل، فانتعشت نفس إبراهيم، وقرت عيناه، ولكن الغيرة بدأت تأخذ طريقها إلى قلب سارة، ثم طلبت من إبراهيم أن يقصي هاجر وابنها عن دارها وأن يذهب بهما إلى مكان بعيد جدًا، حتى لا تسمع صوتهما ولا تقع عيناها عليهما.
وكان الله قد أوحى إليه أن يطيع طلبها، فاستجاب إلى رجائها، وركب دابته، واصطحب الغلام وأمه. وسار بهما طويلًا في الصحراء، حتى استأنس مكانـًا، فوقف وأنزل هاجر وابنها إسماعيل.. وترك قليلًا من الطعام والماء، وإيمان بالله يعمر قلبيهما؟
وقد وصف هذا المشهد كثير من المفسرين، وحاولوا جاهدين أن يصوروا ما حدث مستوحين بآيات القرآن، فمن الممكن حدوثه، أن تستعطف هاجر إبراهيم عندما رأته يبدأ في الرحيل.. وربما سألته قائلة: إلى أين تذهب يا إبراهيم.. ولمن تتركنا بهذا الوادي.. الموحش المقفر.
ولا شك أنها حاولت استعطافه، ولعلها قد توسلت إليه بفلذة كبده ترجوه ألا يتركهما للجوع، وقسوة حرارة الشمس وربما ظلت تبكي، وتتعلق بثيابه، وبخطام دابته، توسلت إليه ألا يتركهما بلا حارس يحميهما من هجمات الذئاب والوحوش.. ولعله لم يستمع إليها لأنه كان موحى إليه بكل ما يقوم به من أعمال.. فلم يقل لها شيئـًا سوى إن الله قد أمره بهذا، فلا بدَّ من الخضوع لأمر الله، والتسليم له ، والإيمان به..
امتثلت هاجر، التي عُرِفت فى التاريخ بأم العرب العدنانيين، لحكمة الله.. ومرت الأيام، ونفد الماء والطعام وجف ريقها من شدة الحر، فاحتملت صابرة، ولم يلبث أن جف ضرعها، وأصبحت لا تجد لبنـًا ترضعه الطفل.. واشتد صراخه، فتفتتت نياط قلبها، وانهمرت دموعها مدرارًا وودت لو تروي ظمأه بدموعها لتنقذه من العطش المميت ونظرت هنا وهنا، فلم تجد إلا الرمال تنتظرها، وظلت تعدو في الصحراء المقفرة، لتبحث عن نقطة ماء، ولكن بحثها وجريها وراء السراب.. لم تثمر شيئـًا، فلم تجد إلا الطفل وقد علا بكاؤه، وكان يتلوى من ألم الجوع، وكان يضرب الأرض بقدميه.
وحدثت المعجزة.. لقد تفجرت المياه من تحت قدمي الطفل إسماعيل.. فبهرت الأم لما حدث واستقر إيمانها بالله، فارتوت بعد أن شرب إسماعيل من العين المتفجرة.. عين زمزم التي مازالت قائمة حتى اليوم.. يزدحم حولها الحجاج ليفوزوا بقطرة.. ولما نبع الماء تكاثرت الطيور، فحومت حوله وحلقت فوقه.. وكان قومٌ من جُرهم يسيرون قرب المكان، فرأوا الطير يحط في ساحته.. وأنهم ليعرفون أن الطيور لا تقع إلا على الماء، فرجع يزف إلى قومه البشرى، فوفدوا إليه زرافات ووحدانـًا، واتخذه بعضها موطنـًا ومقامـًا.
فأنست هاجر بهم، واطمأنت إلى جوارهم، وشكرت الله أن جعل أفئدة من الناس تهوي إليهم.
ثم شب إسماعيل، وذاع صيته، واختلط القوم.. وتزوج بواحدة منهم وأحس بالسعادة تغمره، ولكن المنية اختطفت أمه، فعز عليه فقدها، وتقطر قلبه حزنـًا عليها، فقد تعهدته في مهده، ورعته في طفولته، وأظلته بحنانها في شبابها، وكانت له أكبر معين في كل الأزمات والملمات.

أم موسى عليه السلام

أما الأم الثانية التي وردت في القصص القرآني فهي «يوكابد» أم موسى وقد جاءها المخاض.. وولدت موسى.. وعندما أبصرته طفلًا ذكرًا، اضطرب قلبها، لأنها كانت تعلم أن فرعون قد أمر بقتل كل مولود في بني إسرائيل، لأن الكاهن أخبره «أن ملك فرعون يذهب علي يد مولود في بني إسرائيل» وأصبح فرعون عدو الأطفال: وعندما خافت يوكابد على ابنها الوليد وخشيت أن يعلم جنود فرعون وعيونه بمولد ابنها فيأخذونه منها، ويقتلونه كما فعلوا مع كثير من الأطفال، ألهمها الله أن تهيئ للوليد صندوقـًا، وأن تضعه فيه، ثم تلقي به في النيل، وترسل على الشاطئ أخته لقص أثره.
 ظلت أخت موسى تقص أثره حتى رأت امرأة فرعون وهي تأمر خدمها أن يأتوا بالصندوق العائم في النيل، وعندما عرفت أن فيه طفلًا، طلبت رؤيته فأحبته ثم طلبت من زوجها فرعون أن يتبنيا الطفل ليكون ابنـًا لهما.. بينما كانت «يوكابد» في قلق شديد على مصير ابنها، وكانت في انتظار ابنتها لتخبرها ماذا حدث للطفل.. وعادت أخت موسى إلى أمها لتخبرها بما حدث، فازداد قلق الأم على وليدها الذي وقع في أيدي آل فرعون.
حاولت زوجة فرعون أن تجعل المراضع يرضعن الطفل، ولكنه عاف المراضع.. وعندئذ انبرى هامان وأشار على أخت موسى، قائلًا: إن هذه الطفلة تعرفه، فخذوها حتى نعرف منها شيئـًا.. وقالت الفتاة: إنما أردت أن أكون للملك من الناصحين، وإنني أعرف مرضعـًا تستطيع أن ترضع الطفل الصغير.. فأمرها فرعون أن تأتي بمن يكفله.. وذهبت الفتاة إلى أمها وأخبرتها بما حدث، فأسرعت مهرولة إلى فرعون، وتقدمت من طفلها لترضعه فالتقم ثديها من دون المرضعات، فدهش فرعون وقال لها.
-من أنت؟
ـ إنني امرأة طيبة الريح.. طيبة اللبن.. لا أوتى بصبي إلا قبلني.
عندئذ طلب منها فرعون، أن تأخذ الطفل لترضعه، وأجرى عليها رزقـًا.. فرجعت بالطفل إلى بيتها، والسعادة تغمر جوانب قلبها، فقد كافأها الله على إيمانها وصبرها.. وأتمت «يوكابد» رضاع ابنها موسى، ثم أرسلته إلى القصر الفرعوني ليكون لهم عدوًا وحزنـًا.. وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى.. أوحى الله إليه بالنبوءة وأتاه العلم والحكمة.
أما في القرآن فإننا نشير إلى الملاحظات التالية:
أولًا: أجمل القرآن الحديث عن أم موسى  في سورة (طه) في معرض الامتنان على النبي موسى:"فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن "40 ويلاحظ هنا تكريم الله لأم موسى لأن موسى -إذ ذاك – لك يكن يعي ما الحزن وما قرة العين.
ثانيـًا: فصل القرآن الحديث عن أم موسى في سورة (القصص) فبيَّن أن الوحى أمرها أمرين ونهاها نهيين وبشرها بشارتين وكل ذلك في الآية السابعة.
ثالثـًا: سلط القرآن الضوء على الطبيعة البشرية لأم موسى -على الرغم من الوحي- إذ توله فؤادها على وليدها حتى كادت أن تظهر أمومتها له لولا أن ثبتها الله، وهنا شهادة ربانية بأنها من المؤمنين.(الآية العاشرة)
رابعـًا: تحدث القرآن عن قلق الأم وأمرها لابنتها أن تتبع أثر أخيها.
خامسا: سلط القرآن الضوء على تحقق وعد الله مع أنه تعالى لا يخلف الميعاد كى يظهر الله نعمته لمن يشكرها وقدرته لمن ينكرها.(الآية الثالثة عشرة وما بعدها).
سادسـًا: لم يذكر القرآن كلمة واحدة عن أب موسى والله أعلم أكان موجودًا أم لا.

أم عيسى عليه السلام

الأم الثالثة هي «العذراء مريم»، قبل أن تولد مات والدها قبل أن تقر عيناه برؤيتها، وكانت أمها تريدها أن تكون ذكرًا، فلما رأتها أنثى تحسرت وحزنت إلى ربها، إذ كانت ترجو أن تلد ذكرًا تهبه لبيت المقدس، وتقفه على خدمته تقربـًا إلى الله، وشكرًا على نعمته.. ولذلك سمتها «مريم» ـومعناها العابد ـ وطلبت إلى الله أن يعصمها بعنايته، فحملتها إلى بيت المقدس، وقدمتها إلى الأحبار، ودفعتها إليهم قائلة:
ـ دونكم هذه البنت.. فإني قد نذرتها لخدمة البيت..
ثم تركتها وانصرفت.. وهناك كفلها زكريا.
وفي يوم ما اعتكفت مريم كعادتها تصلي لله وتعبده، فاضطربت نفسها فجأة وداخلتها رهبة لم تعهدها من قبل وظهر أمامها ملك من السماء، وقد تمثل لها بشرًا سويـًا، لتأنس به، ولا تنفر منه، فحاولت الهروب، واستعاذت بالله، إذ ظنته معتديـًا أثيمـًا، ولكنه أعاد إليها طمأنينتها، وسكن روعها، ثم طفق يتحدث إليها قائلًا:
ـ إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلامـًا زكيـًا.
فغشيتها سحابة من الحزن، وطافت بها موجة من الأسى ولكنها استجمعت شارد قوتها، وقالت له.
ـ أنى يكون لي غلام، ولم يمسسني بشر ولم أك بغيـًا.
فقال:
ـ كذلك قال ربك هو علي هين، ولنجعله آية للناس ورحمة منا.. وكان أمرًا مقضيـًا..
ثم مضى واختفى.
جلست مريم حائرة تفكر فيما سمعت، ولا شك أنها تخيلت ما سيقوله الناس: عذراء تحمل من غير أن تتزوج، فارتاعت وتملكها الخوف، ومرت الأشهر، وهي تقاسي الآلام النفسية المبرحة، وتنتابها الوساوس، وتمضي أكثر وقتها منفردة مع نفسها، ورحلت عن «بيت المقدس» إلى «الناصرة» منبتها ومسقط رأسها فأقامت في بيت ريفي عن الناس متظاهرة بالتعب والإعياء، خوفـًا من أن يكتشف أحد سرها. اقتربت ساعة الوضع، وأحست ألم المخاض وخرجت من القرية.. فألجأها المخاض إلى جذع نخلة يابسة وهي وحيدة منفردة بلا يد رحيمة تساعدها في محنتها وتخفف آلامها، وتعالجها.. وهناك قاست تلك الأم العذراء آلام الوضع.. وفي الفضاء الواسع ولدت الطفل.
وعندما رأته اشتدت حسرتها، وجعلت تتمنى لو ضمها القبر فقَالَتْ:
ـ  يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا.
ولكنها ما لبثت أن سمعت صوتـًا يرن صداه في آذانها، فبددت مخاوفها فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا..
ـ «أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً» يجري ماؤه في تلك البقعة الجرداء.. «وهزي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً...» فكلي منه ليعيد إليك بعض ما فقدت من قوة واشربي وقري عينا، واطمئني قلبـًا، بما ترين من قدرة الله التي اخضر بها جذع النخلة اليابسة، وطيبي نفسـًا، بما حباك الله من جريان الماء في تلك البقعة المقفرة.
لقد كانت تلك المعجزة بلا شك أقوى دليل على براءتها، وأسطع برهان على طهرها وكان ذلك المولود الصغير وقد أطلعه الله على سبب حيرتها، وكشف له عن دخيلة نفسها، فكفاها الكلام بما يبرئها، وأخذ على نفسه الجواب عما يوجه إليها.. فقال: 
ـ «فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا» وعندما ذهبت إلى قومها رأوا الطفل على ذراعيها.
ـ يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا"
لم تنفرج شفتاها، وعقد الحياء لسانها، والتزمت الصمت وقالت:
إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فلن أتكلم بكلمة، أو أرد سؤالًا، وإن أردتم أن تعرفوا الحقيقة، فاسألوا الغلام.
فعجبوا من أمرها وسخروا منها وقَالُوا:
ـ "كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً".
وانطق الله الطفل بتلك الكلمات التي برأت أمه من كل الاتهامات والافتراءات، وقَال: 
ـ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا".
عندئذ انجلت عن صدر مريم الهموم، وانداحت فيه نشوة هزتها، فانهمرت دموع الفرح من مآقيها.. ودخلت مريم دار أهلها، فإذا أشرقت الشمس جلست أمام الباب تداعب ابنها، وتمد بصرها إلى ما حولها، فتحس انشراحـًا، كأنما ردت إلى شبابها، والتلال توجت بأشجار التين، والزيتون فلاحت في النور زاهية، وانطلقت الأغنام ترعى العشب هادئة بريئة، براءة ذلك الطفل الراقد في حجرها يهز يديه ورجليه في صرح ثم كبر عيسى عليه السلام، وأدى الرسالة التي كلف بها، وأنار السبيل إلى عبادة الله الحق المبين.
في ميزان القرآن، نجد التالي:
 أولًا: ذكر القرآن اسمها (مريم) أربعـًا وثلاثين مرة.
ثانيا: تحدث القرآن عن حديث الملاك معها وتبشيرها بولد من غير أب وأن هذا أمر الله.
ثالثـًا: تحدث القرآن عنها فى حال الوضع وتثبيت الله لها، وتسخير النخلة لها.
رابعـًا: تحدث عن موقف قومها منها ولزومها الصمت كما أمرها الله.
خامسـًا: تحدث القرآن عن قول عيسى فى المهد "وبرا بوالدتي".
سادسـًا: ذكر القرآن السيدة مريم بلفظ "أمه" ثلاث مرات في سورة (المائدة) فى الآيات :17-75-116.

أم محمد عليه الصلاة والسلام

والأم الرابعة هي أم الرسول، آمنة بنت وهب بن عبد مناف.. وتبدأ القصة عام 571 ميلادية، عندما اجتمعت في ذلك اليوم النسوة عند السيدة آمنة بنت وهب. كانت النساء يرحن ويغدون حول صاحبة الدار آمنة التي جلست هادئة لا تشاركهن حركتهن الكثيرة، وإن كانت أكثرهن فرحـًا وسرورًا.. فقد كانت في انتظار عودة القافلة التي خرجت من مكة منذ شهور وغايتها «غزة» في جنوب الشام.. وكانت الأنباء قد ترامت إلى أهل مكة بأن القافلة على أبواب هذه المدينة.
فخرج الشبان على عادتهم ينتظرونها وجعلت النسوة يجتمعن عند من كان لها في القافلة رجل أو زوج.. أو ابن.. أو زوج ابنة.. ودخلت القافلة العائدة إلى مكة، فترك الرجال منها، وهرعوا إلى بيوتهم، تستقبلهم زوجاتهم مرحبات، ويستقبلون هم بيوتهم فرحين راضي..
وانتظرت آمنة بنت وهب أن يعود زوجها عبدالله، فلم يعد، فحسبت أنه لقي أحدًا في طريقه إلى داره، فحدثه، وطال الحديث فعاقه قليلًا، ولكن الانتظار طال، وعبدالله لم يعد، فانتابها القلق، واشتاقت إلى رؤية زوجها الذي لم يبلغ الخامسة والعشرين.. لكن عبدالله لم يعد، وعلمت آمنة بنت وهب أن زوجها في «يثرب» عند أخوال جده، لأنه مريض مرضـًا عاقه عن السفر إلى مكة.
ثم جاءها النبأ المفجع، فقد فاضت روح زوجها وهو في «يثرب» ودفن بها عندئذ انطوت على نفسها، وكل عزائها الجنين الذي يتحرك في بطنها، والذي لا تشعر لحمله بما يشعر به النسوة من ألم وتعب.
وفي يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وضعت آمنة جنينها، فخرج إلى الحياة يتيم الأب وأسرع عبدالمطلب والد عبدالله إلى آمنة، فوجد طفلها إلى جانبها، فحمله وقبَّله، وأسرع به إلى الكعبة، حيث سماه «محمدا».. وعندما أصبح محمد في السادسة من عمره، ذهبت به أمه إلي يثرب ليزورا معـًا قبر «عبدالله» والده، زوجها، وليزورا أيضـًا أخواله من بني النجار فلما فرغت الزيارة وقفلا عائدين، ماتت آمنة، ودفنت في «الأبواء» وهو مكان بين مكة والمدينة.. وبذلك كمل يتم الطفل.
وقد عاش محمد عليه الصلاة والسلام مع والدته قبل مماتها بثلاث سنوات، لم يشعر خلالها بقسوة اليتم ومرارته، فقد سبغت عليه من حنانها، وعطفها، بحيث عوضته فقدانه لأبيه.
في القرآن الكريم وكتب السيرة النبوية نلاحظ التالي عن أم الرسول الكريم:
أولا: لم يتحدث عنها القرآن بكلمة واحدة.
ثانيا: ذكرت كتب السيرة أن ثويبة جارية أبي لهب كانت أول من أرضعته.
ثالثا: دفعته أمه إلى حليمة السعدية في بادية بنd سعد على عادة العرب حينذاك.
رابعا: عاد محمد إلى حضن أمه فترة قليلة ثم أعيد إلى البادية.
خامسـًا: كانت أكبر مدة قضتها السيدة آمنة مع ولدها في الرحلة التي قامت بها إلى المدينة، والتي انتهت بوفاتها.


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

2 التعليقات على "أمهات الأنبياء.. القصة كاملة"

أكتب تعليقا