كاتبو الخطابات الرئاسية

| |




تبدو هوية كاتب خطابات الرئيس في مصر سرية للغاية في أحيان كثيرة، رغم أن الشفافية تقتضي الكشف عن الأسماء، باعتبار هذا العمل مهنة.
يمثل كاتب خطابات الرئيس عبر التاريخ أهمية كبيرة منذ محمد نجيب مرورًا بجمال عبدالناصر وأنور السادات وحسني مبارك ومحمد مرسي وعدلي منصور، وصولًا للرئيس عبدالفتاح السيسي، فخطابات الرئيس ليست مجرد ألفاظ رنانة، لكنها تحتوي على أفكار وتتضمن في فحواها قرارات مؤثرة، لذلك عليه أن يختار بعناية مفردات الخطاب التي تراعي تباين المستوى الثقافي والتعليمي بين عموم الشعب.
في الخارج، يعد كاتب الخطابات وظيفة رسمية في فريق العمل المعاون لأي رجل سياسة، سواء كان رئيسـًا للجمهورية أو محافظـًا أو وزيرًا أو نائبـًا بالبرلمان، ومن المعروف أن الكاتب الفرنسي الكبير أندريه مالرو كتب العديد من خطابات الجنرال شارل ديغول، أما فيليب كولنز فكان كاتب الخطابات الرسمي لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير، أما في النظام الأميركي فأول كاتب خطابات رسمي كان في عهد الرئيس الأسبق وارن هاردنغ عام ١٩٢١، وإن كان من المعروف أن ألكسندر هاملتون كان يكتب خطابات مؤسس الولايات المتحدة جورج واشنطن،
وقد عرفنا في هذا السياق آرثر شلزنغر، كاتب خطابات جون كنيدي، في حين كان بوب شرام هو كاتب خطابات شقيقه السيناتور إدوارد كنيدي، وكان وليام سافاير كاتب خطابات ريتشارد نيكسون، ومايكل والدمان كاتب خطابات بيل كلينتون، وكريس ماتيوز كاتب خطابات جيمي كارتر، كما عرفنا أيضــًا كاتبة خطابات امرأة هي بيجي نونان، التي عملت كاتبة خطابات للرئيسين رونالد ريغان وجورج بوش الابن، في حين كان لزوجته لورا بوش كاتب خطابات مستقل هو تشارلي فيرن، أما باراك أوباما فكان كاتب خطاباته، حتى مطلع عام 2013، هو جون فافرو، وهو شاب نابغة في الثلاثينيات من عمره استقال ليؤسس مكتبه الخاص.
ورغم أن كاتب خطابات الرئيس ليس من الأمور، التي يتم إعلانها رسميـًا، فإن هناك عددًا من الكُتاب الذين عُرف عنهم تولى هذه المهمة في عهود مختلفة، ومن بين أهم هؤلاء الكاتب محمد حسنين هيكل، أحد أشهر الصحفيين الذين اقتربوا من دائرة الحُكم منذ عهد الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، ليصبح أشهر من كتبوا خطابات الرئيس جمال عبدالناصر، ومن بعده الرئيس الراحل محمد أنور السادات الذي وجد في هيكل الكاتب والسياسي والمستشار.
ويشير البعض إلى دور هيكل ككاتب وصحفي في كتابة خطب الرئيس جمال عبدالناصر وصياغة الميثاق وتوصيل اتجاهات وبرامج الثورة إلى المواطنين من خلال الكلمة وقد شارك هيكل أيضـًا في اختيار المسؤولين كالوزراء والمحافظين وغيرهم من أصحاب مواقع المسؤولية العليا في البلاد وقد كان يتم استشارته في بعض القرارات السياسية من قبل ثورة يوليو.
 ومن أشهر خطابات الرئيس عبدالناصر التي كتبها هيكل خطاب التنحي عقب هزيمة يونيو 1967، وفيه صاغ هيكل كل كلمة من كلماته بميزان حساس وألقاه الرئيس جمال عبدالناصر بحزن مهيب، الأمر الذي كان له أثر في شحن عاطفة المصريين، الذين خرجوا آنذاك للهتاف باسم الزعيم.
كتب هيكل للرئيس السادات العديد من الخطب الرسمية التي ألقاها على الشعب في مواقف مختلفة أخطرها الخطاب الذي أعلن فيه فشل المفاوضات على فك الاشتباك. غير أنه وفي أول فبراير 1974 قرر السادات إقالة هيكل من "الأهرام" وعيَّنه مستشارًا لرئيس الجمهورية واتصل عبدالفتاح عبدالله وزير شؤون رئاسة الجمهورية به ليخبره بوجود خمس فرق جاهزة تنتظره في الجناح الذي أُعِد له في قصر عابدين، لكن هيكل فاجأه قائلًا: "لا أنتوي الذهاب إلى قصر عابدين وإنما أنا خارج من "الأهرام" إلى بيتي حتى أعثر على مكتب أعمل فيه كصحفي".
استعان السادات بأكثر من كاتب في مراحل مختلفة، منهم موسى صبري، وإحسان عبدالقدوس. ويقال إن الكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين قد كتب بعض الخطابات القليلة للسادات في بداية حكمه، وأيضًا قيل إن أنيس منصور قد صاغ بعض الخطابات الرئاسية للسادات.
 ويمكن القول إنه بعد خلاف السادات مع هيكل، أصبح الكاتب الصحفي موسى صبري هو كاتب خطابات السادات المقرب والمحبب، لكنه في النهاية لم يكن مقنعًا كما سلفه في مخاطبة الشعب، وربما لأن الأول كان أكثر "كاريزما" منه ويحظى بقبول شعبي أكبر.
من أهم خطابات الرئيس السادات خطابه في الكنيست والذي أبدع د.أسامة الباز في صياغته، ووقف العالم بأكمله منصتًا للرئيس السادات وهو يلقيه بثقة.
 ثم جاء حسني مبارك فاستقرت هذه المهمة عند مستشاره السياسي أسامة الباز، الذي روى ذات مرة للكاتب الصحفي محمد سلماوي كيف سحبت منه هذه المسؤولية بالتدريج إلى أن وصل لمرحلة كان يكتب فيها الخطاب ليجد الرئيس يلقي خطابـًاآخر كتبه ابنه جمال.
ومن بعد الباز، كان الكاتب الصحفي مكرم محمد أحمد، نقيب الصحفيين الأسبق، الذي اشتهر بكتابة خطابات مبارك في آخر سنوات حكمه.
أما د.مصطفى الفقي، فقال إن أسامة الباز كان أول من كتب خطاب للرئيس مبارك بالإضافة إلى "إنني قمت بكتابة اكثر من خطاب له"، ولكنه لاحظ أن "لغتي زايدة شوية متشددة، قوية شوية اللغة، يعني فصاحة".
وقد قيل إنه إذا كانت لغة خطاب مبارك بسيطة وفي مستوى العامة فالكاتب هو سمير رجب رئيس تحرير "الجمهورية" ورئيس مجلس إدارة دار التحرير سابقـًا.. وإذا كانت عميقة فالكاتب هو مكرم محمد أحمد.. أما إذا كانت دبلوماسية ومختصرة فالكاتب هو أسامة الباز.. أما إذا كان الخطاب دينيـًا فإن كاتبه هو  د.أحمد عمر هاشم.
وقد أكد مكرم محمد أحمد أنه لم يكتب الخطاب العاطفي الذي ألقاه الرئيس الأسبق حسني مبارك يوم 1 فبراير 2011 قبل ساعات من "موقعة الجمل"، والذي مس قلوب بعض المصريين حين قال "سأموت على أرض مصر".
وقال مكرم خلال لقاء تليفزيوني: "أقسم بالله أنا لم اكتب هذا الخطاب". وأضاف أن الذين كتبوا هذا الخطاب العاطفي هما جمال مبارك وأنس الفقي وزير الإعلام الأسبق، وأنهما الأقرب إلى كتابة مثل هذا النوع من الخطابات. وأوضح قائلًا: "أنا توقفت عن كتابة خطابات مبارك منذ عام 2005، وكنت أكتب له الخطابات السياسية فقط. وكان هدفنا في الخطابات طمأنة الناس وأن يكونوا راضين عن الفرعون الذي يحكم".
وأشار مكرم إلى أنه ظل يكتب خطابات الرئيس السابق حسني مبارك لمدة 10 سنوات قبل أن تطيح به لجنة السياسات التي وقفت بالمرصاد له، ولتوجيهات أسامة الباز الخاصة بحال الشارع المصري.
عن هذا الخطاب العاطفي لمبارك، هناك روايتان إحداهما أوردها عبداللطيف المناوي الذي كان يرأس قطاع الأخبار في التليفزيون الرسمي، حين قال إن أحمد المسلماني لم يكتب هذا الخطاب، وإنما كتب نقاطـًا، ولم يتم إرسالها للمشير محمد حسين طنطاوي لينقلها إلى مبارك، وإنما كان المناوي يعطيها أولًا بأول للسكرتيرة لكي تقوم بطباعتها على الكمبيوتر، فظن المسلماني أن المناوي أرسلها للمشير طنطاوي.
وأضاف المناوي: نقاط المسلماني وغيرها مما كتبته أنا، كانت ضمن مشروع خطاب أرسلته لواحد من المصادر الكبيرة ليلقيه مبارك في ذلك اليوم، لكن ما ألقاه في الأول من فبراير (ليلة موقعة الجمل) كان خطابـًا مختلفـًا، لم يتضمن تنازلًا عن السلطة، ومع ذلك تعاطف معه الناس.
بشكل عام، وبقراءة في خطابات مبارك على امتداد عهده الذي استمر 30 سنة، نجدها تتضمن في البداية دائمـًا التأكيد المستمر علي المفهوم الشامل للإصلاح بجميع أبعاده وتحقيق مصلحة المواطن العادي وأن يشعر كل مواطن بأنه استفاد من عائد التنمية، وذلك تأكيدًا لمبادئ العدالة الاجتماعية التي كان مبارك يشدد عليها دومـًا في كلماته.
ومن الأهداف التي كان مبارك يكررها دائمـًا السعي نحو ضمان استقرار وسلامة البلد، فكنا نجده يقول: "إن مصر تعيش وسط عالم يموج بالمتغيرات السريعة والمتلاحقة وتعيش وسط منطقة مليئة بعناصر التفجر وعدم الاستقرار، وكان عهدي لكم ولايزال ألا أنجرف لمغامرات تقامر بمستقبل الوطن وموارده وأرواح أبنائه".
وبقدر ما يتوجه الخطاب الرئاسي نحو الإصلاح السياسي والديمقراطي للمجتمع كله فإنه يتجه بشكل خاص لمحدودي الدخل والفقراء الأمر الذي ظهر في تركيز البرنامج الانتخابي على تلبية احتياجاتهم الاقتصادية والاجتماعية علي حد سواء، ولا يكاد خطاب من خطابات مبارك يخلو من الوعد بالارتقاء بمستوى معيشتهم والحديث عن الإنجازات برغم أن التقارير والدراسات الصادرة عن جهات رسمية وحكومية تنفيها لتبدو الأمور وكأنها تحدث في دولة أخرى غير مصر.
في عهد محمد مرسي، لم يعرف كاتب خطاباته بشكل واضح، وهناك من قال إنه هو يكتبها بنفسه، أو لا يكتبها على الإطلاق ويلجأ إلى الخطب الشفاهية، وآخرون قالوا إنها تأتي إليه من مكتب الإرشاد.
وقد أثارت الأخطاء الفادحة الواردة في خطابات الرئيس محمد مرسي زوبعة من الانتقادات، كشفت أن كاتب خطابات الرئيس ليس على المستوى المطلوب، وبدا أنه من دائرة المقربين وعلى الأرجح أنه من دوائر جماعة الإخوان المسلمين.
أما المستشار عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية العليا، الذي تولى منصب الرئيس المؤقت عقب الإطاحة بمرسي في 3 يوليو 2013، فقد تردد أن كاتب خطاباته هو واحد من اثنين:  د.مصطفى حجازي، مستشار الرئيس منصور للشؤون السياسية والإستراتيجية، وهو أستاذ أكاديمي ومفكر مصري خبير في مجال التطوير المؤسسي، وشغل مناصب استشارية مختلفة لعدد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة، وتميز بردود متزنة في مؤتمراته الصحفية، وكلمات دبلوماسية، وقدرة فائقة على الإقناع. وهناك رأي آخر يقول إن الكاتب الصحفي أحمد المسلماني، المستشار الإعلامي للرئيس منصور، كان يتقاسم مع حجازي كتابة خطابات الرئيس منصور.
غير أن منصور الذي لقب بـ''رجل قضاء من الطراز الأول'' في الأوساط القضائية، لم تكن خطاباته إلا في المناسبات والأحداث المهمة، وكانت دائمـًا كلماتها محدودة ومختصرة بلغة قوية، بدون استطراد، لفتت الأنظار له وترددت أنباء عن أن منصور هو من يكتب بنفسه.
لا يُعرف على وجه الدقة كاتب خطابات الرئيس عبدالفتاح السيسي، والتي تتسم غالبيتها بالارتجال. غير أن هناك تقديرات بأن عددًا من الشخصيات الإعلامية المقربة من الرئيس وعلى رأسهم ياسر رزق، رئيس مجلس إدارة مؤسسة "أخبار اليوم"، ومحمود مسلم رئيس تحرير جريدة "الوطن" والدكتور سامي عبدالعزيز، عميد كلية الإعلام السابق بجامعة القاهرة، هي التي تتولى صياغة خطاباته.

غير أن ياسر رزق قال في يوليو 2015، في تصريحات لراديو 9090 عبر برنامج "جر شكل" للإعلامي محمد علي خير، إنه لم يكتب أي خطاب للرئيس السيسي، مما يزيد الأمر غموضـًا.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "كاتبو الخطابات الرئاسية "

أكتب تعليقا