الانفجار الجنسي في مصر

| |









البعض يبحث عن الحرية الجنسية.. البعض الآخر يصنعها. فريق ثالث، يعارضها ويتحفظ على هذا الانفجار الجنسي الذي يصعب السيطرة عليه.
الكاتبة الطبيبة د.نوال السعداوي ببساطة، من النوع الذي أحدث ثقبـًا في منطاد الجمود. اقتحمت المحظورات وكسرت قارورة الجنس والسياسة والدين.
في أجزاء السّيرة الذّاتية الثّلاثة "أوراقي.. حياتي" تتبنى د.نوال السعداوي أسلوب الصراحة الصادمة.. فهي محاطة منذ طفولتها بأحاديث وحكايات وإرث زاخر بالجنس والعلاقة بين المرأة والرجل.
"جسمي يشعر بالتعب فأغمض عينَي وأتمدد فوق الأرض وأنام، أفتح عينَي، أرى النجوم وصوت ستي الحاجة لا يزال يحكي عن ليلة الدخلة، الدم كان ينزف من بين فخذيها، فضت الداية بكارتها بإصبعها المدبب، حملتها الحمارة من بيت أبيها إلى بيت زوجها، أغرق الدم بردعة الحمارة وهي تسير من خلفها الطبول. في بيت العريس رقدت فوق الحصير تنكمش داخل جلبابها الجديد المزركش ببقع الدم. جاء العريس ناداها بصوتٍ غليظ؛ قومي يا بت حضري العشا. تأخرت في النهوض، فانهالت عليها العصا الخيزران التي يقود بها حمارته" (ج 1: ص21).
الدم هنا ألم وأنوثة.. عذاب واستسلام.. "تلك الليلة كانت ستي الحاجة في العاشرة من العمر، لم يدركها الحيض بعد، وقد جثمت فوقها وهي تدس الطرحة في فمها تكتم الصراخ. لم يكن للعروس أن تصرخ وإلا لسعتها الخيزرانة، أو ألسنة الجيران، فلا يعود لها أو لأبيها وجهٌ في القرية" (ج 1: ص 22).
في محيط العائلة كانت الأمنية المستحيلة أن تصبح الفتاة ولدًا.. و"ترفع عمتي رقية كفيها نحو السماء تدعو الله أن يقلبني ولدًا. أسمعها تقول: ربنا قادر على كل شيء.. وترد عليها ستي الحاجة: من بقك لباب السما يا بنتي".
"كنت أتطلع نحو السماء بعينين أن يكون باب السماء مفتوحـًا وأن الدعوة سوف تنطلق من فم عمتي مباشرة إلى أذن الله، وأني سأصحو في الصباح لأجد الشق (أو الفرج) بين فخذي مسدودًا وقد نبت مكانه العضو الذي عند أخي.
"في الصباح أدخل الحمام أختلس النظر إلى جسدي. لا أستطيع النظر بين ساقَي، أخشى أن تتسع المسافة بينهما أكثر من اللازم، لا أقوى على النظر إلى تلك المنطقة المحوطة بالخزي والخوف والخشية من قدرة الله"(ج 1: ص 33-34).
لا تخشى نوال السعداوي سرد آلام تجربة الختان المفزعة التي تعرضت لها. وفي سن الصبا تزداد المسافة اتساعـًا بين عالمي المرأة والرجل.
"كنت أشد الحمالات من فوق كتفي، أكشف صدري وبطني للهواء والشمس. ترتفع يد خالتي نعمات في الهواء وتضربني، وصوتها يخرق أذني: عيب! وأصرخ: اشمعنى طلعت! يعود إليّ صوتها مثل نعيق البوم: هو ولد وأنتي بنت!
"كانت هذه العبارة تخرق أذني منذ ولدت، تدخل فمي في مياه البحر المالح.. "هو ولد وأنتي بنت" (ج 1: ص 49).
ثم تضيف قائلة: "أخي يكشف صدره للهواء والشمس وأنا أخفي صدري.. صدري عورة تستوجب الإخفاء. كلمة "عورة" تخرق أذني مثل المسمار" (ج 1: ص 49-50).
لم تكن نوال السعداوي الوحيدة التي أحدثت ثقبـًا في جدار الصمت.
في عام 1995، نشر ياسر أيوب كتابـًا مهمـًا حمل عنوان "الانفجار الجنسي في مصر". في الكتاب الضخم يرصد الكاتب الطبيب ملامح مصرية منذ الفترة السابقة لثورة 23 يوليو من أول 1952 من أيام الملك فاروق حتى تسعينيات القرن العشرين، ليوضح أن ما حدث في المجتمع المصري من هوس في هذا الباب انفجار بمعنى الكلمة لسعار الجنس.
يرى ياسر أيوب أن حالات التحرش والاغتصاب ليست جرائم جنسية، لكنها جرائم جنائية انتقامية يرتكبها الجاني الذي حُرِم فرصة حقيقية عادلة فيصب جام غضبه وإحباطه من المجتمع والنظام في ضحيته.
وفي تقديره أن التحرش والاغتصاب ليس نتيجة الكبت الجنسي أو تأخر سن الزواج، بدليل أن معدلات الاغتصاب في أوروبا وأمريكا تفوق المعدلات المصرية رغم ما في الغرب من حرية جنسية كاملة. ويضيف أن معدلات الطلاق في مصر وصلت إلى 60% بعد العام الأول للزواج منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين. وتشير إحصائيات مركز البحوث الجنائية والاجتماعية إلى أن الطلاق في جميع الحالات يرجع إلى التنافر الجنسي وذلك بسبب غياب الثقافة الجنسية. ويقول إن الثقافة الجنسية لابد من تدريسها في المدارس والتدرج في المحتوى من الابتدائي إلى الثانوي.
أما د. خالد منتصر، فقد وضع عدة كتب حول الحب والجنس، منها "حقائق وأوهام عن الجنس"(2010) و"الختان والعنف ضد المرأة" (2007)، وتتلخص رؤيته في أن معظمنا يتعامل مع الجنس على أنه أداة تلقيح وماكينة إنجاب ومفرخة تناسل، وبرغم أن الجنس لقاء لا لقاح، فإننا مازلنا نغفل بديهيات هذا اللقاء وآدابه، وبرغم أن شعرنا العربي يؤكد أنه كلام فسلام فلقاء، فإننا مازلنا ننكر الكلام والسلام واللقاء ونقتحم باب الجنس بدون استئذان أو تمهيد.
يقول منتصر: اللقاء له إتيكيت إنساني، واللقاح له غريزة حيوانية، فنحن نفترق عن الحيوان أننا لا نملك مواعيد محددة للجماع أو ما يطلق عليه في علم الحيوان موسم التلاقح، وهي مواسم منضبطة جدًا يتجه فيها ذكور القطيع أوتوماتيكيـًا إلى الإناث ويتم الجماع والسفاد والإخصاب. اللقاء يعني مواجهة، في الجنس ننفرد ونتميز عن الحيوانات بأننا نرى ملامح بعضنا البعض أثناء الجنس، الرفيق يرى الفرحة ويراقب البهجة ويحس النشوة فتنتقل إليه كهرباء التفاعل الجنسي، ومن الممكن أن يلاحظ ألمـًا وصدودًا وهجرانـًا بل وتمثيلًا، فيفهم أنه راسب في اختبار الحب، وعليه أن يطور أدواته الإنسانية، ويعدل من مفاهيمه الجنسية، ويفهم أنه يلتقي ولا يلقح ويعي أنه يضع بذرة المحبة قبل أن يضع بذرة الإخصاب.
يشرح خالد منتصر وجهة نظره بالقول إن الجنس له ثلاث وظائف "الإنجاب، المتعة، الصلة بمعنى إقامة علاقة حب" وليس لقاء أجساد في غرف مغلقة.. بل هو "لقاء ثقافات مسبقة"، ويتابع: الوظيفة الثالثة للجنس، وهي الحميمية وإقامة علاقة الحب وهي للأسف ليست موجودة عندنا فهناك علاقات كثيرة في البيوت المصرية تحولت إلى اغتصاب مقنن بورقة" – في إشارة منه إلى الزواج.
وفي أكتوبر 2015 فتحت تصريحات الكاتبة الصحفية منى الطحاوي، للتليفزيون الفرنسي، بابـًا للجدل والنقاش على نطاق واسع، وتحول الموضوع المثار إلى رقم واحد على قائمة الأكثر تداولًا على تويتر بهاشتاغ #الثورة_الجنسية.
منى الطحاوي نادت بما أسمته "ثورة جنسية" في الشرق الأوسط، مؤكدة أن العالم يحتاج هذه الثورة في الوقت الراهن لتحرير المرأة من العنف، على حد قولها. وقالت الطحاوي، خلال لقائها في برنامج "حوار" عبر قناة "فرانس 24"، إن الدولة تمارس العنف الجنسي ضد المرأة من خلال قانون فحص العذرية للفتاة".
واستكملت: "لازم الثورة الجنسية تبقى مع البحث عن لقمة العيش". وأكدت أن المرأة تريد إسقاط النظام في المنزل والشارع، وأن كتابها بعنوان "الحجاب وغشاء البكارة" جاء لأن العالم الإسلامي وصل لمرحلة النظر إلى الأنثى حسبما هو أعلى رأسها، وإلى ما بين فخذيها، مضيفة أنه بعد تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك حدثت فحوص العذرية على عدد من المتظاهرات، وأنه كان واضحـًا ممارسة الدولة للعنف الجنسي ضد المرأة.
وأردفت أنه "مستحيل أن نصل إلى الحرية السياسية بدون الثورة الجنسية؛ لأن المرأة نصف المجتمع، وليست أقلية، والثورة الجنسية مهمة كلقمة العيش، وجسد المرأة ملكها فقط، ويجب أن نحارب الختان، والاغتصاب الزوجي، والعنف الجنسي بالشارع، ومن حق المرأة البالغة أن تختار ممارسة الجنس مع أي شخص داخل أو خارج الزواج، ومثلي أو غير مثلي".
كلام منى الطحاوي أثار دوامة من الجدل.
لم تكن منى الطحاوي وحدها التي تسبح ضد التيار وتنادي بثورة جنسية في مصر.
الفنانة انتصار أثارت بدورها حالة واسعة من الجدل بعد تصريحاتها الساخنة حول الجنس في برنامج "نفسنة" الذي قدمته على قناة "القاهرة والناس" مع كل من شيماء سيف وهيدي كرم.
في الحلقة الأولى من برنامج، توقف كثيرون عند فقرة عُرِض فيها فيديو قصير عن الفرق بين الأفلام الجنسية وبين الجنس في الحقيقة، موضحـًا أن الأفلام الإباحية تخدع المشاهدين وتقدم لهم "أحجامـًا" و"فترات ممارسة" غير حقيقية، وتختلف تمامـًا عما يحدث في الواقع. عرضت الفقرة تقريرًا صوّر في الشارع، سائلًا شبابـًا مصريين إن كانوا يشاهدون أفلامـًا إباحية، فأجاب معظم من شملهم الاستطلاع بنعم. بعد انتهاء التقرير قالت انتصار إن أكثر رأي أعجبها في التقرير، قول أحد الشبّان: "أصّبر نفسي بأفلام البورنو". واعتبرت انتصار الشاب صريحـًا لأنه غير قادر على الزواج. فقاطعتها شيماء سيف قائلة: "ما الذي تقولينه، ماذا تريدين من الناس أن تفعل"؟ فردّت انتصار: "يصبروا أنفسهم". فعلّقت شيماء مرة أخرى: "الدين يقول عكس ذلك، من لم يستطع الزواج عليه أن يصوم". فتابعت انتصار ساخرة: "من لا يستطيع الزواج يصبر نفسه، هناك قناة تعرض أفلام سكس في شكل دراما". فردّت عليها شيماء: "يبدو أنك ملمة بالموضوع"، فواصلت انتصار: "نعم طبعـًا". حينها سألتها شيماء مباشرةً: "هل تشاهدين هذه الأفلام؟" فأجابت انتصار: "نعم أشاهد".
وأضافت انتصار أنها مع منح كل فرد في المجتمع حرية الاختيار وضد منع هذه النوعية من الأفلام والمواقع لأنها ترى أن المنع ليس حلًا؛ لأن هناك رجالًا لايعلمون أي شيء عن العملية الجنسية وتعلموا ذلك من خلال هذه الأفلام.
قبل منى الطحاوي وانتصار، كانت المخرجة إيناس الدغيدي أقامت ولم تُقعدها بتصريحات لها ترى فيها أنه لا مانع من إقامة علاقات جنسية قبل الزواج.
في حديثها الصادم والمثير للجدل، اعتبرت إيناس الدغيدي أن الجنس بشكل عام حرية شخصية، حتى وإن كان خارج إطار الزواج، قائلة في مداخلة هاتفية أجرتها مع جعفر عبدالكريم، في برنامجه "شباب توك"، على قناة "دويتشه فيله" الألمانية، إن هناك أناسـًا يخافون الإقدام على الجنس؛ لأنه "محطوط في مخهم من وهما صغيرين إنه حرام"، على حد قولها.
وأضافت أن "الجنس اختيار شخصي ليس له أي اعتبارات من الآخرين، وهذا حق لكل شخص يمارسه حسب فكره وحسب عقليته وعاداته وتقاليده".
ورأت الدغيدي أن العلاقة الجنسية قبل الزواج، تكمن أهميتها في معرفة الأشخاص بعضهم البعض قبل الزواج، منوهة بوجود مشكلات كثيرة تظهر بعد الزواج من الناحية الجنسية، تتمثل في ظهور حالات عجز جنسي بين الشباب، الأمر الذي يؤدي إلى الطلاق.
وحين دعت الدغيدي إلى تقنين بيوت الهوى، ومنح تراخيص لفتيات الليل اللاتي يمارسن أقدم مهنة في التاريخ، دافعت عن وجهة نظرها قائلة إن "الدعارة حسب ما يعلم الجميع موجودة في كل العالم، وأنها من أقدم المهن، ولا يمكن محاربتها، ويجب تقنينها، ومنح بيوت الدعارة تراخيص، هدفه تلافي سلبياتها، فالترخيص يحصرها في مكان معلوم، وإجراء كشف طبي على ممارسيها". يومها أكدت أن "ترخيص بيوت الدعارة في مصر يقلل من ضغط الجنس على الشباب".


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "الانفجار الجنسي في مصر "

أكتب تعليقا