الكوميكس.. الفن التاسع في مصر

| |





 يبدو "الفن التاسع" أو "فن القصص المصور"، الشهير بفن "الكوميكس"، نوعاً من اتحاد الريشة والكلمة من أجل عمل إبداعي أكثر قوة وتأثيرًا على الجمهور.
وربما بسبب عالم الدهشة الذي تصنعه الكوميكس، فإنها اختيار الشباب الرافض للتقليد والراغب في التغيير والتمرد.
وفي مصر، كان فن الكاريكاتير منذ زمن بعيد الوسيلة التي يستخدمها المصريون لانتقاد ما لم يكن لينتقد. ولذلك فإن فكرة الكوميكس الذكية ليست بجديدة عليهم. وربما غذى الاهتمام بفن الكوميكس تلك التناقضات القائمة في الشارع المصري والارتباك السياسي والاقتصادي خلال العقود الثلاثة الأخيرة. فتحت هذه الظروف غير المستقرة المجال أمام مجموعة من الشباب المدرك لحساسية اللحظة الثورية وأهميتها. من هنا، انطلقت مجلات الكوميكس (القصص المصوّرة) في مصر كأداة مختلفة للتعبير والاحتجاج على النمط الفكري السائد.
ولأن طبيعة هذا الفن ترتبط بالسخرية من الوضع القائم، فقد سمح المجال العام المصري باختلاف أطيافه الفكرية والأنثروبولوجية أن ترتبط الصورة بالنصّ. لم يعد فن الكوميكس يرتبط بالأطفال، فقط أصبحت هناك مساحة أرحب لفئات عمرية أكبر.
ربما كانت بدايات هذا الفن في مصر مرتبطة بالتاريخ الفرعوني القديم. اهتم المصري وقتها بتدوين يومياته ومعاملاته السياسية بأسلوب قصصي متسلل يميل إلى الخفة وتقديس قيمة اللون. لكن البداية الفعلية لهذا الفن جاءت مع مجلة «روضة المدارس» التي أصدرها وزير المعارف علي مبارك عام 1870، وتولى رئاسة تحريرها رفاعة الطهطاوي، واهتمت تلك المطبوعة بتقديم قصص مصوّرة إلى أطفال المدارس بشكل حيوي وجذاب. غلب على تلك المجلة الطابع الإرشادي، وصدرت لمدة ثماني سنوات ثم توقفت بعد ذلك، ولم تحظ بالقدر الكافي من الاهتمام.
ارتبط اسم «سمير» بالذاكرة الجمعية للطفل المصري، لكن بخلاف مجلة «سمير» التي ظهرت لاحقاً، جاءت مجلة «السمير الصغير» عام 1877، لتحمل أهدافاً تربوية واجتماعية.
نجد حالنا بعد ذلك أمام محطة «المدرسة»، تلك المطبوعة المرموقة التي أصدرها الزعيم مصطفى كامل عام 1893، وجاء في مقدمتها: «لما كانت عموم الجرائد على اختلاف مشاربها لا تفيد الآباء، رأيت أن أهدي أبناء وصغار بلدتي جريدة على الأخص تهذيبية لما في ذلك من النفع والسداد والهداية إلى سبيل الرشاد".
وعلى نهج القصص المصوّرة الذي اتبعته مجلة «المدرسة»، ظهرت مجلة «التلميذ» عام 1893 لتؤكد الدور الإرشادي الذي تؤديه تلك المطبوعات في العملية التعليمية. استمر هذا النوع من القصص المصوّرة لأكثر من 30 عاماً.
دخل المجتمع المصري حقبة جديدة. ظهرت المطبوعات التجارية المصوّرة، فكانت مجلات «الأولاد»، «النونو»، «الأطفال»، و«بابا صادق». لعبت «دار المعارف» المصرية دوراً رائداً في الترسيخ لفن الكوميكس في مصر. كانت المحاكاة الأولى مع مجلة «تان تان» الفرنسية، ثم مجلة «الكتكوت الصغير» لدرية شفيق.
بعد الحرب العالمية الثانية، وجد العالم نفسه أمام عتبة جديدة من الأفكار والتوجّهات البعيدة من القولبة والتنميط. الفنان الكبير حسين أمين بيكار (1913- 2002) كان أحد الفرسان الذين أسهموا بدور فعّال في انتشار الكوميكس في مصر. كان بيكار المشرف على مجلة «سندباد» التي صدر عددها الأول يوم 3 يناير 1952، وتولى رئاسة تحريرها الأديب محمد سعيد العريان. لكن المحطة الأهم كانت مجلة «السمير» التي أصدرتها «دار الهلال» عام 1956. قدّمت المجلة نفسها إلى فئة عمرية راوحت من 8 سنوات إلى 88 سنة في شكل أدبي ساخر مليء بالمواقف الجريئة والطفولية.
كان لدار «الفتى العربي» دور محوري في ازدهار فن الكوميكس في مصر. كانت تلك الكتيبة الفنية المكوّنة من محيي الدين اللبّاد وبهجت عثمان وحاكم وغيرهم من الأدباء والفنانين محاولة حداثية في التنظير لثقافة القصة المصورة والغلاف الملون للطفل.
توهجت بدايات فن القصة المصورة في مصر على أيدي فنانين عظام، كانوا بالأساس رسامي كاريكاتير، كان على رأسهم الفنان الكبير حجازي، الذي استهل المسيرة برائعته «تنابلة السلطان» كواحدة من أهم علامات تأسيس الفن التاسع في الأدب العربي المعاصر.
ثم بدأ محيي الدين اللباد تدشين إرهاصات ما قبل الكوميكس بشكله المعروف في أوائل التسعينيات من القرن العشرين، بالتعاون مع دار الصقر العربي للإبداع العربي بإشرافه على سلسلة "الرماة الصغار" لفن الشرائط المصورة، وكان أغلب ما يعرف منه في البداية منقولاً أو مقتبساً أو مترجماً أو متلفزاً مثل حلقات الكارتون الشهيرة "غراندايزر"، و"سوبرمان"، و"بات مان"، و"دام كوبر"، و"تان تان".. إلخ.
محيي الدين اللبّاد من أهم الفنانين الذين أعطوا للقصة المصورة والجرافيك لونـًا مميزًا. كان مشروع الكشكول لدى محيي الدين اللباد معرضاً من التوثيق البصري والتصميم الابتكاري للأيقونات البسيطة المرتبطة بتاريخنا التراثي الشعبي. اعتمد في أسلوبه على أصالة الرمز العربي وزهوة الألوان التي يمكنها أن تختصر مساحة شاسعة من الكلمات. كان مشروع الكشكول لديه معرضـًا من التوثيق البصري والتصميم الابتكاري للأيقونات البسيطة المرتبطة بتاريخنا التراثي الشعبي.
على امتداد هذا الفن، ظهرت مجموعة من الرواد المصريين في الحقب الجديدة أمثال معلوف وفواز، وصولًا إلى خالد 
الصفتي.
وفي عام 2002، صدر كتاب للقصص المصورة تحت عنوان "مغامرات الأمير سيف بن ذي يزن" ضم تجربة 16 فناناً يتعرضون لقصة سيف بن ذي يزن من جوانب مختلفة ووجهات نظر متعددة. تجربة تمت بتمويل من المركز الفرنسي للثقافة والتعاون، ولم تتكرر بعد ذلك.


لكن مجدي الشافعي كانت له الضربة القاضية، فلقِّب بـ«الأب الروحي للرواية المصرية المصوّرة». ألقى حجرًا في المياه الراكدة، وخرج بأول جرافيك- نوفل مصرية بعنوان «مترو» (2008). كانت "مترو" هي الطلقة الكوميكيسة الأولى في العقد الأول من الألفية الثالثة، بحسب تعبير أحد المهتمين بها، واعتبرها النقاد والمهتمون بفن الكوميكس “الرواية المؤسِّسة (بكسر السين)، الأولى لأحد أهم فنون التعبير التي تنتمي للبوب آرت أو “الجرافيك نوفل”. يسعى العمل إلى تجسيد العلل والآفات الاجتماعية في مصر مثل الفقر واليؤس وفساد النخبة المتفشي على نطاق واسع وذلك من خلال قصة بوليسية.
تناولت قصة "مترو" حكاية مهندس كمبيوتر شاب يشعر بالإحباط من المستقبل، فيقرر سرقة مصرف، ويجد حاله متورطاً وسط مجموعة من الفاسدين واللصوص. تتابع الحكايات على مدار الخط في مغامرة شيقة في شوارع القاهرة المزدحمة. نجح الشافعي في منح صورة بصرية مكثفة حول شوارع القاهرة، وميادينها، وأنفاق المترو. كانت تشريحـًا لمجتمع مفكك ينتظر لحظة ثورية تطيح بركام الفساد الذي عشش في أجزائه. رغم النجاح الذي حققته تلك التجربة، إلا إنها صُودرت ومُنعت من السوق بدعوى أنها "خادشة للحياء". مع ذلك، تُرجمت الرواية إلى لغات أوروبية. اشتهرت رواية "مترو" المصورة لمجدي الشافعي سريعًا خارج حدود البلاد بعد أن تم حظرها، واستطاعت أن تحدث موجة من التضامن. وبمناسبة انعقاد الدورة الـ ١٥ من صالون إرلانجن الدولي للكوميكس، أصدرت دار إديتسيون مودرنه للنشر النسخة الألمانية من الرواية. الشافعي كان عرّاب تلك اللحظة.
منذ اندلاع ثورة 25 يناير بدأ يظهر عدد أكبر من الكوميكس الأكثر تطوراً في الأسواق المصرية. يقوم المؤلفون والرسامون بانتقاد الأوضاع السيئة في المجتمع وفي السياسة – ويتمنون أن يحققوا أي تغيير من خلال فنهم.
استطاعت الاحتجاجات والمظاهرات في ميدان التحرير أن تجد طريقها إلى الورق؛ وقد ساهمت في ذلك أيضًا ورش عمل 
الكوميكس، ومن أبرزها تلك الورشة التي عُقدت في معهد جوتة القاهرة تحت قيادة باربارا يلين.
ويمكن القول إن ثورة 25 يناير جاءت لتفتح الباب على مصراعيه نحو أنماط جديدة من التعبير باستخدام الصورة المحكيّة.

كانت كلمة السر «الزحام»، فتولدت المطبوعات المختلفة التي تأخذ من الزحام حصتها اليومية، لتعيد طرح تلك الأفكار بعد التماهي معها. ظهرت بعد ذلك مجلة «توك توك» (2011) على أيدي مجموعة من الشباب الطموح الذي يمتلك من المهارة والموهبة ما يؤهله للخروج بمطبوعة ذات مقاييس عالمية. فتحت تلك المجلة أبوابها للشباب بهدف النشر المجاني، وقامت على الجهود الفردية، وحظيت باهتمام كبير ودعم من المعاهد الثقافية الأوروبية. المجلة كانت نافذة لمجموعة من الفنانين الذين أصبحوا نجوم شباك على الساحة المصرية أمثال آنديل، مخلوف، توفيق، شناوي، هجرسي وغيرهم. تلك المشروعات المستقلة لها نكتها الخاصة.
وأصدر طبيب الأسنان شريف عادل مجلة الكترونية للقصص المصورة بعنوان «الرجل البرباطوظ»، وجعل منها حلقات ثابتة لتناول الوضع العام المصري والتفاعل مع مقتضياته اليومية من خلال الرسم.
الدمج بين الصورة والنصّ المكتوب جعل من الدور تولي اهتماماً بتلك المشروعات الفنية، فظهرت الكتب المصوّرة. من تلك التجارب المميزة كتاب «خارج السيطرة» (2011) الذي نشرته «دار العين» لأكثر من 19 فناناً بمعاونة الرسامة الموهوبة رانية حسين أمين، وكذلك كتاب «الفن التاسع»، و«أوتوستراد»، و«تأثير الجرادة» للكاتب أحمد خالد توفيق ورسوم حنان الكرارجي. كما صدرت رواية "18 يومـًا" التي كتبها محمد هشام عبية ورسمتها حنان الكرارجي، ونشرت بشكل مستقل من خلال دار نشر "كوميكس".
أما الكاتب الشاب ميشيل حنا فقد أخرج بالاشتراك مع الفنانة رانية حسين أمين كتابهما اللافت «أنا وأنا» في عام 2012 عن دار (كوميكس للنشر)، وهو كتاب يحوي بين دفتيه 14 قصة قصيرة مصورة، وهو المحاولة الثانية للمؤلف ميشيل حنا (الحاصل على عدة جوائز في القصة القصيرة، وله كتب عديدة)، ولرسامة الكتاب والقاصة أيضا رانية أمين (كاتبة وقاصة ومترجمة أيضـًا، وحاصلة على جوائز عديدة في مجال أدب الأطفال)، بعد اشتراكهما في كتاب الكوميكس السابق "خارج السيطرة".   


 ورغم أن الكوميكس الموجه للبالغين مازال في أطواره الأولى في مصر، فإننا شهدنا أعمالًا تحاول التجريب بجرأة مثل كتاب "ألبوم الثوار الأبطال" للمصور الفوتوغرافي أحمد فودة الذي صور عددًا من الثوار أثناء الأحداث ثم قام بتعديل الصور قليلًا وإضفاء بعض المؤثرات عليها، مع تعليقات ساخرة في بالونات حوار.
على مستوى الترجمة، صدرت، عن دار التنوير بالقاهرة، الترجمة العربية الأولى لكتاب القصص المصور الشهير "فلسطين"، لفنان وكاتب الكوميكس الأميركي الشهير جو ساكو، من ترجمة محمد عبدالنبي، وتصدير الراحل إدوارد سعيد، ضمن موجات هادئة، لكنها متتابعة ومتأنية من انتشار وذيوع فن الكوميكس أو الفن التاسع في الثقافة العربية، ليسد عجزًا كبيرًا في المكتبة العربية في هذه النوعية من الكتب.
كما صدرت أيضاً الترجمة العربية لرواية الكوميكس الشهيرة "جنة زهراء"، عن دار النشر ذاتها، في مغامرة جريئة لنشر أهم أعمال فن الكوميكس الصادرة خلال الأعوام الماضية، وهي تجربة متميزة بموضوعها ورسوماتها ومحتواها وتمثل رأس حربة في تبني نشر أعمال القصص المصورة عالمياً، بإخراج فني عال، وترجمات أمينة، بما يفتح الباب لمزيد من انتشار ورواج هذا الفن في المجتمعات العربية.
امتلك فن الكوميكس زمام الأمور، أصبح تأثيره في الشارع واسعاً وخصصت له معارض مستقلة. بدأ بتكوين مجتمعه الخاص الذي يحاكي الواقع بأسلوب ساخر ورشيق يبتعد عن القولبة ويؤكد ليبرالية النقد والانتصار للمنتج الفني.
في سبتمبر 2014 اختتم في القاهرة حدث فريد من نوعه على الساحة الفنية. إنّه «أسبوع الكوميكس الأول في مصر» الذي أقيم في فضاءات مختلفة من العاصمة المصرية برعاية مجموعة من الهيئات المستقلة والرسمية.
بدأت الفعاليات بعرض «بين الكادرات» (بيكا) الذي ضمّ مجموعة من المعارض الفنية المتنوعة، وورش الأعمال التي شارك فيها فنانون وناشرون، إضافة إلى ندوات ولقاءات نقاشية حول ماهية فن الكوميكس وتأثيره في الفضاء العام وأنماط التعبير المختلفة.
وكرّم المنظمون الفنانين «فواز» و«معلوف» باعتبارهما من رواد فن الكوميكس المصورة على الصعيدين المحلي والعربي. فواز فنان يمتلك خبرة تربو على 30 عاماً من إبداع الرسوم المتحركة والقصص المصورة. نشرت أعماله في أكثر المطبوعات شهرة في المنطقة العربية مثل مجلة «صباح الخير» ومجلة القصص المصورة الاماراتية «ماجد» والمجلة السعودية «باسم». أما «معلوف» فهو من أصل لبناني، تخرّج في كلية الفنون الجميلة عام 1985 بتفوق. منذ ذلك الوقت وهو يمارس الإبداع بأشكال مختلفة، إما عن طريق رسم اللوحات، أو عن طريق تصميم ورسم قصص الأطفال. نشرت أعماله في مجلة «الشباب» عام 1980، ومجلة «باسم» التي أصدرت أعداداً خاصة للشخصيات التي ألّفها منذ عام 1987 حتى 1997، وقام أيضاً بتصميم وابتكار شخصية بلبل في مجلة «بلبل».
أسبوع الكوميكس الأول في مصر هو جزء من تطوّر فن الكوميكس في مصر بسرعة مذهلة في السنوات الأخيرة. جاء هذا التغيير على مستوى الشكل والمضمون. وربما كانت الجرافيك نوفيل «مترو» (2009) التي أصدرها الفنان مجدي الشافعي خير مثال على ذلك. صودرت الرواية من السوق، ونفذ بعدها الشافعي مشروعاً بديلاً بعنوان «الدشمة»، وأصدر عددها 
الأول بالتزامن مع «ثورة يناير».


إن القائمين على مجلة الكوميكس "الدشمة" التي تحتوي على ٦٥ صفحة ورسومات وتصاوير بالأبيض والأسود، يتبعون نهجاً مختلفاً. "اعرف حقوقك!"، هذا هو الشعار الذي نراه مكتوبـًا على الصفحة الأولى. حيث يتم تمويل تلك المجلة من قبل مركز "هشام مبارك" لحقوق الإنسان.
ثم جاءت مجلة «توك توك» التي صدرت في مطلع عام 2011 وحظيت باهتمام واسع من القراء والنقَّاد؛ إذ حملت فكراً نقدياً وروحاً مرحة تغلب عليها خفة العصر.
لعل أفضل مجلة استطاعت أن تثبت نفسها في السوق المصري هي مجلة "توك توك"، التي اشتق اسمها من العربات الأجرة ذات الثلاث عجلات التي تخدم الأحياء الأكثر فقراً في مصر. وسيلة "تشعر بما يدور في الشارع"، على حد وصف بعض الرسامين العاملين فيها. 
في أول أعدادها الذي صدر بتمويل ذاتي كامل، نُشِر مقال حول الرسام والكاريكاتير حجازي، أحد أبرز رسامي الكاريكاتير في الستينيات، والذي اشتهر برسوماته حول معاناة "رجل الشارع العادي".
يواجه فنانو مجلة "توك توك" مصدر قلق كبير يتمثل في سعيهم إلى إثبات أن فنهم لم ينشأ من العدم وأنه ليس مجرد نسخة من النماذج الأوروبية بل ويرتكز بكل تأكيد إلى التقاليد المحلية.
يرى محمد توفيق أحد رسامي مجلة «توك توك» أنّ «أسبوع الكوميكس» خطوة مهمة في تفعيل دور هذا الفن وانتشاره وتعريف المجتمع المصري به. لكنه يرى أيضاً أن الكوميكس يواجه تحديات ومعوقات تكبح مسيرته ودوره، وتنقسم إلى قسمين: قسم مادي يتمثّل في التمويل، لأن الكوميكس صناعة يجب دعمها مادياً كي تنتشر وتصبح أداة قوية وفعالة، طبعاً من دون تأثير التمويل في حرية التعبير التي تعدّ إحدى أهم عناصر الكوميكس. أما القسم الثاني فمعنوي يعتمد على التفاعل بين الكوميكس والمجتمع، هذا الفنّ الذي يعدّ مرآة صادقة للمجتمع، يجب أن يحظى بدعم واهتمام واستيعاب ورعاية من المجتمع. «لدى فن الكوميكس أداتا السخرية ومواجهة الواقع؛ فالكوميكس مرآة للمجتمع عما يحدث فيه سلباً أم إيجاباً بهدف تعزيز الحراك الانساني وتغييره إلى الأفضل أو حتى إحداث صدمة لتنبيه المجتمع إلى ضرورة الالتفات إلى متغيرات حدثت أو تحدث لعله يتداركها»، يقول توفيق قبل أن يضيف أنّ «الكوميكس يؤدي دوراً تأريخياً لفترة زمنية قد تزول مع الزمن".
أما أحد مؤسسي «بوابة الكوميكس العربية» أحمد عبده، فيرى أنّ الكوميكس ما زال يواجه تحديات كثيرة تعيق انتشاره ووصوله إلى كل الناس، خصوصاً مع عدم توافر الجهات الداعمة له بشكل مستمر سواء كانت ثقافية تابعة للدولة، أو خاصة، بالإضافة إلى أن هناك من يعتبره فناً موجهاً إلى الأطفال فقط! يتابع عبده حديثه عن خصوصية الكوميكس، بـ «أنه يعتمد بشكل أساسي على الرسومات المتقنة والألوان والأفكار الخيالية والكادرات المتتابعة التي تعتمد بدورها على التأمل والتدقيق في التفاصيل للوصول إلى المعنى، كما تتيح استمرارية الكادرات للقارئ الرجوع إلى بعض المشاهد أكثر من مرة مما ينشئ صداقة مميزة بينه وبين الشخصيات الخيالية في العمل». أما بالنسبة إلى الكوميكس المصري، فهو«يتأثر بحضارة البلاد وثقافتها العميقة، حيث يظهرالعمل الأجواء والأحياء الشعبية المصرية بألوانها وأزيائها والملامح الحادّة والبشرة السمراء التي يتميز بها الشعب المصري». وعن تأثيره في المجتمع، يردف عبده «إن الكوميكس وسيط فني، يمكن أن تعرض من خلاله أي فكرة مهما كان تعقيدها أو تفاصيلها تماماً كالسينما». صاحب «دار صفصافة للنشر» وأحد القائمين على «أسبوع الكوميكس» الناشر محمد البعلي، يثق بأنّ الكوميكس «أصبح شديد التأثير، فقدرة الصورة على نقل الفكرة والمشاعر تكون أحياناً أكبر من قدرة الكلمات، خصوصاً أننا نعيش في عالم تتغلب فيه ثقافة الصورة». وعن رصده للمعوّقات، يقول «إن أهم تحدٍ يعوق انتشار الكوميكس في مصر هو ندرة الأعمال المحلية الجيدة فنياً وفكرياً، فأغلب رسامي الكوميكس في مصر يتجهون نحو الكاريكاتور الذي تغلب روحه على معظم المجلات المتخصّصة في هذا الفن». ينتقل البعلي للحديث عن دور المؤسسات الرسمية الذي لا يزال «هزيلاً»، فبرأيه أنّ مجلة الكوميكس التي أصدرتها «الهيئة المصرية العامة للكتاب» في يناير الماضي، «بدت سيئة على صعيدي الإخراج والمحتوى»، هذا طبعاً من ضمن الجهود الحكومية الناقصة لمؤسسات الدولة في هذا المجال. بين هذا وذاك، يظل الكوميكس من أكثر الفنون البصرية تطوراً في مصر في الفترة الأخيرة، خصوصاً أنه شهد رواجاً غير مسبوق عن طريق مطبوعاته المستقلة، وأصبح رساموه من نجوم الشباك، فعبارتهم القصيرة مع الألوان الموحية الممزوجة بالسخرية اللاذعة تختصر أسطراً طويلة من النقد المباشر الجاف.
ومع ذلك، فإنه لا يزال من الصعب العثور على دار نشر مصرية لديها استعداد لطبع الكوميكس على هيئة كتب أو مجلات.
وعلى ذلك اتجه مروان إمام منذ عام إلى تأسيس دار "ديفيزيون بابليشينج" للنشر بالتعاون مع صديقه محمد رضا. وكانت أولى مشروعاتهم: "الأوتوستراد": مجلة من ١٢٠ صفحة تتيح للفنانين إمكانية التعبير عما يجول في خاطرهم وما يحركهم ولكن في شكل كوميكس. لقد صدرت الطبعة الأولى، والوحيدة حتى الآن، من تلك المجلة في يوليو 2014.
بعض القصص تم كتابتها باللغة العربية والبعض الآخر باللغة الإنجليزية. وجميعها تقريباً يتناول ويعالج مشكلات وقضايا في المجتمع المصري. مثل قصة "مراحل الحياة" التي تسرد في حلقات المشكلات التي يواجها أحد العاطلين، ومعاناة امرأة تتحدث مع والدتها حول مسألة الزواج. ولقد كان من المفترض أن تصدر تلك المجلة كل شهرين، إلا أن ارتفاع سعرها بالنسبة لمصر،  بالإضافة إلى احتدام المنافسة أدى إلى انخفاض التوقعات.
يعد مجدي الشافعي رائد الكوميكس السياسية في مصر. لقد عبرت رسوماته في الماضي عما لم يجرؤ أحد على التعبير عنه. ولقد أخذ اليوم على عاتقه استكمال الثورة والوصول بها إلى بر الأمان. مجدي الشافعي يؤمن أيضاً بالقوة الكامنة في مجلات الكوميكس في مصر، والتي غزت الأسواق منذ قيام الثورة. 
ويتميز رسام الكاريكاتير أنديل، المولود عام 1986، بأسلوبه السار وفكره الجريء، ولديه تسجيلاته الخاصة به، أشهرها "راضيو كفر الشيخ الحبيبة"، كما يكتب السيناريو لأعمال سينمائية وتليفزيونية.
ويعد مخلوف أحد مؤسسي مجلة "توك توك" وتنشر رسوماته في جريدة "المصري اليوم"، في حين كان زميله هشام رحمة من مؤسسي "توك توك" أيضاً، وله العديد من الأعمال في مجال كتب الأطفال.
أما شناوي، فهو من مواليد القاهرة عام 1978، ودرس الفنون التطبيقية قسم الإعلان وتخرج عام 2000. أسس مجلة القصص المصورة للكبار "توك توك" بالتعاون مع أربعة رسامين آخرين، وأدار مؤسسة "الفن التاسع" لنشر ثقافة الثقصضص المصورة.
ويقدم فريد ناجي المولود عام 1989 نموذجاً للاهتمام بفن الكوميكس، فقد عمل رسام كاريكاير في عدد من الصحف والمجلات، ونشرت له قصص كوميكس في مجلات الأطفال: قطر الندى، سمير، وغيرهما، كما شارك في كتاب الكوميكس الجماعي "حدث بالفعل" نتاج ورشة "24 ساعة كوميكس".
أما محمد السيد توفيق، المولود في القاهرة عام 1982، فقد درس الفنون الجميلة وتخرج في قسم الرسوم المتحركة عام 2005، وعمل في مجلات: قنبر، ماجد، علاء الدين،، باسم، وجريدة "الشروق". شارك في تأسيس مجلة "توك توك" ويعمل في مجلة "سمير".
مختار زين، بدأ العمل في مجال الجرافيكس في 2008، كمصمم مواقع إلكترونية وجرافيك، ثم ترك عمله في 2012 وتفرغ لتعلم الرسم والعمل كرسام حر. وعمل في "الشروق" و"علاء الدين". وهناك أيضاً محمد الهجرسي الذي عمل في "توك توك" والشكمجية"، و"إس" الذي بدأ مع أصدقائه مطبوعة كوميكس مجانية اسمها بالعربي "مجاذيب" عام 2012، ورسم مجلات كوميكس على الإنترنت.
ومن رسامي الكوميكس المعروفين أحمد عكاشة، خريج فنون جميلة الزمالك عام 2002، وعمل رسام قصص مصورة في مجلات "علاء الدين" و"باسم" و"أبطال اليوم" ومجلتي "توك توك" و"الشكمجية"، وميجو، الذي يعيش حاليًا في الويات المتحدة ونشر أعماله في "توك توك" ومن أحدث شرائطه مجلات "سوبرمان" بالتعاون مع الكاتب محمد إسماعيل أمين، كريم أحمد الذي عمل في عدد من شركات الإعلانات والتحريك، وأحمد سعد الذي يعمل في مجال الإعلانات، ومحمد صلاح الذي يكتب ويرسم القصص المصورة، ومحمد أنور، وهو رسام كاريكاتير وشرائط مصورة، تخرج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وعمل في عدد من الصحف والمجلات المصرية والعربية، ونشر قصصه المصورة في العديد من الدوريات التي تهتم بهذا الفن.
اشتهر فنان الكوميكس أحمد عمر على وجه الخصوص من خلال رسوماته في مجلة الكوميكس "الدشمة". قام أسطورة الكوميكس المصرية مجدي الشافعي هذه المجلة لأول مرة بعد وقت قصير من اندلاع الثورة وذلك تحت رعاية إحدى منظمات حقوق الإنسان المصرية. في مجلة "الدشمة" تتمحور رسومات أحمد عمر حول التوترات داخل المجتمع المصري: يتناول أحمد عمر عدة موضوعات كم خلال الكوميكس منها الفساد والظلم - والبحث عن حياة أفضل.
وفي طريق بحثه عن شريك يكتب له بعض النصوص من أجل رسوماته، التقى بالفنان أحمد إسلام أبو شادي. وروى له إسلام أن الرسام المعروف مجدي الشافعي يخطط لمشروع كوميكس كبير – مجلة الكوميكس الدشمة.
منى أحمد، فنانة الكوميكس التي ترعرعت في اليابان، تجسد في أعمالها من الكوميكس، المشكلات الاجتماعية والنفسية التي يعاني منها المجتمع المصري. وتسعى خلال ذلك، إلى إسناد دور ترفيهي إلى قصصها ورسومها في المقام الأول، بدلاً من اتخاذ موقفًا أخلاقيًا متعاليًا.
قضت منى أحمد أولى عشر سنوات من طفولتها في اليابان، حيث بدأت الرسم في سن ست سنوات. خلال هذه الفترة، قرأت منى العديد من الكوميكس اليابانية من أمثال سايلور موون أو سوجو كوميكس، تلك الأعمال التي تعد رائدة الكوميكس اليابانية الحديثة. ولم يخفت أبدًا شغفها بالكوميكس حتى بعد عودتها إلى مصر؛ فلم تتغير فقط سوى الموضوعات التي تثير اهتمامها: "أرى اليوم، أن الكوميكس التي تتناول قضايا اجتماعية ونفسية، هي التي تثير الاهتمام على وجه الخصوص". ونظرًا لأن والدها قد ألحقها بمدرسة يابانية تقليدية، استطاعت منى أن تندمج سريعًا في الثقافة اليابانية - وهو ما ينعكس في أسلوبها الحالي في الرسم. تميل ملامح شخصياتها إلى الأسلوب المبسط في معظم الأحيان، على غرار المانجا اليابانية.
بشكل عام، ما يزعج منى هو تركيز الكوميكس المصرية على جانب واحد فقط، على القضايا السياسية.




ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على " الكوميكس.. الفن التاسع في مصر"

أكتب تعليقا