عزلة حميمة

| |



أجلس على حافة الوجود، وفوقي سماء بلون الزعفران.
أسير في عروق المدن، كأنني الأنشودة التي ترتفع في قلب الظلام المهيب.
أخوض مواجهاتٍ مفتوحة بيني وبين ذاتي فأخسر دائمـًا، حتى حين أفوز.
حكمتي الوحيدة: إذا الأيام تلوَّنتْ بالصمت، فتكلم حتى لا تتألم. و الصمتُ، عارنا الأثير الذي يفاخر به البعض.
لعامٍ كامل، كنتُ حصاة في مجرى النهر، تبتهل كل صباح كي تتوسع فينا جميعـًا شرايين الأمل.
أنا سيزيف، الحجارة التي تلسع ظهره، لن تحني يومـًا هامته النحاسية المكينة. تتساقط الكلمات الحجرية فوق صدري لتردمه، لكنني على يقين من أن يدي ستوقد يومـًا شعلة انتصاري على قدري. سوف أكون راسخـًا وحسب، فأعيش مرّة أخرى في هذا العالم؛ لأتقن أخطائي أكثر.
يقيني هو أنه بالمشاعر الجميلة نقاوم القبح الذي حولنا، وبالإيمان بالكلمات نغرس وردة لتعويض أشجار يحاول البعض اقتلاعها من حياتنا وأوطاننا.
بقليل من الرعونة، أحتفل بالذكرى العاشرة لإنشاء مدونة "قبل الطوفان".
في هذا العام، طرقتُ الأبواب السميكة المقهورة، وهزمتُ الهزيمة الشخصية، الإحباط الكُلي، الوحدة الضجرة، وقاومتُ هستيريا الحشود، وحاولتُ الاحتفاظ بالحد الأدنى من الأمل، مُسمّرًا النسيانَ في رحم الليالي.
لكنني في كل الأحوال ممتنٌ للدهشة؛ ﻷنها تُعلِّمني فن البقاء على قيد الحياة. فنٌ عزيز المنال في مصر الحائرة المحيرة، التي هي كل شيء ونقيضه. هي المروءة التي تمنح الغرباء بعض سكينتها، والضحك الليلي المخلوط بمسحوق السهر. هي فقر وأبهة في ثوب وطن.
وفي عنق هذا الوطن مدية اسمها: الدولة العاجزة.

ولأن الكلمة روحٌ تقاوم، فقد كتبت في العام الذي انقضى عن ضرورة إصلاح الجهاز الأمني الذي تيبست مفاصله، وتحدثت عن "خطايا محمد إبراهيم السبع"، وشرحت كيف أن "الضرب على القفا.. تاريخ من الاستباحة"، ورصدت وقائع التاريخ "في مواجهة عنف "الباشا"، وحملت الريح عنوان "في إصلاح أجهزة الأمن.. والربيع المنتظر!".
هكذا دوَّى هتاف المقهورين: أيها القاتل في زيه الرسمي، أليس من حقنا أن نلقى حتفنا في هدوء؟!
في خطوط موازية، تناولت ملف الإعلام عبر موضوعات حملت عنوان "ريم.. وإعلام من جهة أمنية"، و"الإعلام الذي نريده أن ينضج"، ثم تكلمت بوضوح عن "ماسبيرو.. مريض على النيل"، قبل أن أتولى تشريح قضية "الرئيس والإعلام.. من التأميم إلى اللوم".
ونحن في مصر حلمنا بعصر التليفزيون الملوَّن، فعشنا كابوس التليفزيون المتلوِّن!
في الشأن العام أيضـًا، كتبتُ عن "الخطاب الديني وحروب المتلونين"، وأثرتُ قضية الدعوات المتهافتة عبر "الحجاب في الميدان". كما حذرتُ بالأرقام والمعلومات من خطورة "غول الجهاز الإداري".
لم تغب عن البال موضوعات تتعلق بالفن والسياسة، مثل "فنانو الحكام.. من أم كلثوم إلى منير"، و"مونولوجست الرئيس". كذلك فتحت ملف "الكوميكس.. الفن التاسع في مصر". وعلى المدونة أيضـًا استعرضت موضوع "مجانين الحُكم في الرواية العربية"، الذي نُشِرَ على صفحات مجلة "الهلال" العريقة.
على المستوى الإقليمي، كانت لنا وقفة مع موضوع "مصر بين حربين في اليمن"، بحسابات تعرف التاريخ وتتدبر مشاهد الحاضر.
ولأن الرياضة حاضرة في البال، فقد كشفت بتأنٍ وتروٍ عن "مافيا الفساد في إمبراطورية "الفيفا"، بعد سقوط سيب بلاتر وأعوانه.
وحدها الكتب التي حملت حبر المطابع كانت عنوان البهجة، مثل قبلة تغوص في راحة اليد وشهوة تجري في خطوط الكف. في عام واحد، صدرت لي كتب "حروب الهوانم"، "المتلاعبون بالعقول: سقطات الإعلام في مصر"، "وطن محلك سر"، "العصا والمطرقة: صراع السلطة والقضاء"، "الموت على الطريقة المصرية"، "جمرتان"
حصيلة وفيرة وثمرة غنية من المعرفة المتنوعة والإبداع التي يحلم دومـًا بأرضٍ جديدة.
وفي العزلة الحميمة سبع فوائد، أغلاها الكتابة.



ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "عزلة حميمة"

أكتب تعليقا