جمرتان: تمارين على النسيان

| |




من يرمم النسيان؟
ربما تنام الإجابة على صدر صفحةٍ أخرى من سِفر الغرام المستحيل.
محبة تهزم الوقتَ والمسافة، قبل أن تهزم نفسها، وتنهار مثل لوح وصايا مهشم.
سطور هذا الكتاب ملحُها رسائلُ عاشقين أشعلا النار في القصائد، حتى اشتهى الماءُ طعمَ الحريق.
رسائل تبوح بأسرارها المعلنة، وأشواقها المكتومة وتقلصات روحها، وتحمي قبلاتٍ مسروقة في قلب الليل، وهي تُوقن بأنه بخيانة الأوجاع ينبع الحُبُّ وينتشر الفرح.
أسرار تشبه طائرًا يهبطُ رشيقــًا، وندى يفكّر في الشعاع.
حكايات من يدور في فلك الهواء، كأنه أماننا.. نحن الخائفين.
أوراق من دفتر الفراق، الذي يشبه ركوبكَ الموت، ولكن من دون أن تموت.
في هذه السطور كلماتٌ صامتْ وصمتتْ لسنواتٍ ضوئية، لكن حتى الكلمات تحلم بالحرية. والذي يكتم حُبَّه كمن يمارس لعبة الكراسي الموسيقية مع نفسه.. ويخسر دائمـًا!
هناك رسائل مصيرها الضياع. كلمات سابقة أو لاحقة إلى المرسل إليه، ثم فراغٌ مؤلم يشبه مصير غرفةٍ بعد رحيل الضيوف. والرسائل الضائعة تبتكر على الدوام هذا الذي عليه أن يجدها.
لكن ليست كل الرسائل سواء. بعضها جُرحٌ يُعلمك الألم، وبعضها الآخر قبلة تُعلمك الأمل.
ونصوص هذا الكتاب ليست سوى رسائل منحتني الاثنين معـًا.
إنها كلماتٌ صادقة عذَّبتني مثل خليةٍ نهشها الأرق، وحكاية حُبٍّ أنجبَتها الأيام والأحلام في الفضاء الإلكتروني، قبل أن تخرج إلى أرض الواقع لتضيء الزنابق السائلة وينمو الجلنار على راحة اليد. تلك المشاعر السيَّالة المتدفقة، حفرتْ عميقـًا في نفسي، وقطفتُ لها كروم عينَي، واصطدتُ من أجلها ورد النيازك، وكنتُ لها.. لكن لم يكن مُقدرًا لها أن تبقى لي، فأخذتْ سعادتي وهرَبتْ.
رشق الغياب في قلبي جملة فراقٍ.. فانطفأ!
فَخَّخَتني الرسائل، ولسعتني. تركتني مثل إطارٍ فارغ للوحةٍ مسروقة، وأنا ملاكٌ هرِمٌ كان يراقص الحُلمَ حتى يغفو، ويؤمن بأنه لا ابتداء للأمل، ولا انتهاء. ربما نتساءل بعد ذلك كله عن مدى صدق مقولةٍ مفادها أنه: كلما اقتربنا من الواقع، يتبعثر الحلم. ليس لي من عزاء سوى أننا التقيتُ صاحبتها ذات يوم، وكان يمكن أن لا نلتقي، قبل أن تغيب وتخدش في قلبي اسمها.
وفي أبراج الحُبِّ، لا توجد مخارج طوارئ إن اشتعل حريق.
ربما تنام رسائلي الآن في أحد ملفات حاسوبها الشخصي، أو أنها لا تزال تسعل بسبب غبار أوراق أخرى تعلوها في درج مكتبها، ولعلها مسحتها أو أحرقتها إلى الأبد، لكنني كنتُ في قارب الوقت على يقين من أننا سنصير أسطورة وتحشرنا أجيالٌ تالية في عباراتٍ لم نقلها، ويضيفنا أدباء شبان إلى عناوين روايات غرائبية، قبل أن يكتشف باحثٌ أننا لم نكن هنا مطلقـًا.
الرسائل رسول، وهي في النصوص التي بين أيديكم عنوانُ الشغف الذي صنعته.. أو أضعته، قبل أن يكسرني الغياب.
وأنا لا هائبٌ ولا راهب، وإنما عاشقٌ يترجم الكلام العاديّ، ويعيش مع كلماته قبل أن يكتبها، حتى صارت حواسه الخمس معمل ذكريات.
حتى اللحظات العابرة، أبدية في الذاكرة؛ وكل أدوية الدنيا لا تستطيع إذابة الحنين المتكور في دمك.
كم تنام الأسرار على سرير الاستعارة!
وإذا كانت الرسائل هي "اللحظات الصافية التي يشعر فيها الكاتب أنه غير مراقب وغير خاضع للإقامة الجبرية" كما يقول الشاعر نزار قباني في كتابه "100 رسالة حُبّ"، فإنني لم أتخل في تلك الرسائل عن "الضعف الإنساني"، الذي يعتبره الشاعر محمود درويش في "الرسائل"، كتابه المشترك مع سميح القاسم، أحد "جماليات" كتابة الرسائل.
بين السطور، ينبتُ كلامٌ عن هيام المتحابين، وأوجاع المدن، ومتاعب العمل، ونصوص الأدب. وهي شهادة على الزمن والحياة والناس، تتضمن آراء في الفن والمرأة والجنس والحياة والموت. هي ببساطة حروفٌ كتبتُها بأناقة ذاهبٍ إلى موعدٍ غرامي، وسطَّرتها كلما اشتجرتْ الأهواء وغامتْ اللحظة.
إنها أجمل الرسائل، لأجمل النساء.
تلك التي كنتُ النقطة في آخر سطر قلبها، وكانت تؤثث بصيرتي، وهي في أقصى الخريطة هناك. تمكنتْ السُّحبُ أخيرًا مِن تفريقنا. بعدها ضاعتْ مني مفاتيح مدينتي، ولم أعد منذورًا إلا للغياب.
ما أشق فِطام الروح عن البكاء!
والكتابة عن حُبٍّ رحل تشبه فهرسة الخرائب، أو تسويد صفحاتٍ بيضاء بحبرٍ نأخذه معنا خلسة إلى القبر.
كأنني أردمُ اليوم هوة بيني وبين الحياة؛ في البدءِ أزهرت المَحَبَّة المُطلقة، وفي الختام صارت الحكاية مَثل قوسين يُغلق أحدهما الآخر.
وفي الحُبِّ والفراق، نحن ضعفاء جدًا للحد الذي يمكن أن تهشم عنده عظامنا دون أن ندري. ربما يتعين علينا أن نعتاد فكرة أن لا نعتاد.
قصتنا، لم تكنْ لها بقيّة، وإن كانت باقية.
لسنوات، ظلت هذه الرسائل حبيسة الأدراج، مثل أقفال مربوطة في سياج الجسر، لا يعرف قصتها إلا من رمى المفاتيح في النهر.
في تلك الفترة، أدركتُ أن الذين يتركون حُبَّهم عالقـًا بين جسرين.. بين روحين.. يتمنون لو أن هناك بندقية صيد تحت وسائدهم؛ ليقنصوا طائر الشوق، فيستريحوا!
هناك جزءٌ من الألم لا نبرأ منه في حكايات عشقنا القديمة، ونحن من النبل والترفع، نداريه، ولا نداويه.
هأنَذا أحطم عتمتي وأهدم الزمن.
أنفض الخريفَ عن كتفَي، مثل حارسٍ ليلي أنهى للتو وردية الأسى. أسير حافي القلب وأحصي قناديلي الغائبة، وأتصرف مثل أي كاتبٍ يتبرأ من وجهه أمام مرآة الأيام وصروف الدهر. وربما أبدو لنفسي مجرد مسافرٍ هائم، دس الحياة في حقيبته، ورحل.
قررتُ أن أطلق سراح الرسائل، لعل غريبـًا في بلاد غريبة يقرؤها، فيخفق قلبه لسطرٍ يشبه حياته.
ها أنا أرتِّبُ حيرتي وأطلق في سمائكم فراشاتٍ حامتْ يومـًا حول نبع الأمل.
أنشرها الآن، كي أشفى من تبعات الغياب، وحتى لا تنفد من رصيدي احتمالات الخلود.
كم أود وأنا أفك رزمة الرسائل، أن أكتب بلغةٍ شفيفة تحاكي الحزن وتبتكر اللهفة.. تهيمن على الحرف حتى تذوب منها الكلمات؛ لغة تكتشف الجحيم وتقيم في الجنة، تخمش قلب الأبدية وتصيب الجلود برعدة.. تحِبُّ الحياة، لكنها لا تحترس من الموت.
كم أود..
لكن حبر العالم لا يكفيني!
الحبر، هذا الكنز السائل الذي يعطر الدفاتر ويفترش البياض، حتى يغدو نهر الأحاديث والغبطة، هو زمان الوصل ومكانه ومداده أيضـًا في أي قصةٍ ترفض أن تموت.
يقول المفكر الفرنسي ميشيل دو مونتيني (1533-1592) في نص "الحديقة الناقصة" إن الحديقة بطبيعتها هي المكان الذي نتعلم فيه أن نخلق الدائم من العابر، وهي المكان الذي تتحول داخله صدفة اللقاء إلى ضرورة حياة.
تلك هي هويتنا المُجَرَّحة، نحن الكُتَّاب والقراء على حدٍ سواء.
على الجمر المتقد، أسترجع حكاياتٍ لا تستكين، في ألبوم صور خبأه الحنين. أضعُ إصبعي على طرف كل صفحةِ وأقلِّبُ في حكاياتٍ طائشةٍ، فأتعلم كيف أتقبل هشاشتي بكل سهولةٍ ويُسر.
في الضوء الخافت للنجوم، قد نحِنُ إلى هواء مدينةٍ نسيناها، لكن فراقنا المقدّر يقول لنا:
فلنُبقِ على مسافة، كي تتنفس الحكاية.
وها هي تتنفس.. أخيرًا!

من مقدمة كتابي "جمرتان: تمارين على النسيان"، دار اكتب، القاهرة، 2016.


أماكن التوزيع

 القاهرة :
1-     مكتبة ديوان 
159 ش 26 يوليو، الزمالك
هاتف: 26908184
مصر الجديدة : 105 ش أبو بكر الصديق
هاتف:  27362582 - 26908184
2-مكتبة دار الشروق – ميدان طلعت حرب
هاتف: 0223930643
سيتي ستارز - مدينة نصر
هاتف:  23912480 - 25735035- 24802544
3-روعة بوك ستور - 30 ش حسن عاصم، من ش البرازيل - الزمالك
هاتف:
01140178144
4- عمر بوك ستور - ش طلعت حرب، فوق فلفلة
هاتف: 23960047 / 01003361217
5- مكتبة ليلى - وسط البلد، بجوار الخطوط الجوية الليبية
6- مكتبة ألف -  ش الميرغني، مصر الجديدة, القاهرة
هاتف: 0224192396
7- مكتبة تنمية بوسط البلد، 18 ش هدى شعراوي متفرع من ش طلعت حرب، خلف مول البستان 
هاتف: 01005029128/01111139636
8- مكتبة مدبولي - ميدان طلعت حرب
هاتف: 0225756421
9- مكتبة فكرة - سيتي ستارز - مدينة نصر
10- مكتبة كتب خان- المعادي
11- مكتبة الشرق الأوسط والجمل بالمطار
المنصورة:
1-      مكتبة بوكس آند بينز: 7 ش جزيرة الورد - المشاية السفلية
هاتف: 0502242285
2-    المكتبة العصرية: المشاية السفلية، بجوار فندق مارشال الجزيرة
3-    مكتبة كلمات: أمام كلية طب الأسنان - عمارة غانم، الدور الأول علوي
4-   مكتبة الشوبري: أمام بوابة الجامعة، ش جيهان
5-   مكتبة الصحافة
الإسكندرية:
1-     مكتبة منشأة المعارف:
44 ش سعد زغلول - محطة الرمل
هاتف: 01221214657
2-     مكتبة روايات الشباب
3-     مترو سان ستيفانو مول
هاتف: 01003528603
4-     مكتبة ديوان بالإسكندرية
5-     مكتبة أكمل مصر
6-     مكتبة ليليت
7- الخياط بوك ستور
طنطا:
‏المكتبة القومية الحديثة: 6 شارع القاضي
هاتف: 0403349069
الشرقية /الزقازيق:
1-     الميدان
2-     مكتبة حروف
بورسعيد:
1-     كتابيكو
2-     أولاد نسيم
أسيوط:
مكتبة ألف
مكتبة ومضة
الأقصر:
مكتبة حرف - حي الفيروز، ش عبدالله بن مسعود، أمام مديرية الأمن

*       الإمارات:
1-     مكتبة زين المعاني
2-     كينكونيا - دبي مول
3-     بوردرز
*      الكويت:
مكتبة ذات السلاسل
** يمكن طلب الكتاب من دار اكتب للنشر ليتم توصيله لكم في أي مكان داخل مصر
هاتف:
01147633268
01144552557
كما يمكن طلب مؤلفاتي أونلاين من:
مكتبة اكتب أونلاين
https://www.facebook.com/oktobbookstore?ref=hl&ref_type=bookmark
موقع النيل والفرات الإلكتروني


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

2 التعليقات على "جمرتان: تمارين على النسيان"

أكتب تعليقا