مكرم عبيد.. خطيب الثورة وفارس المواطنة

| |





تظل شخصية وسيرة مكرم عبيد أبرز النماذج الدالة على وحدة مصر الوطنية، وقدرة الخطباء المفوهين على قيادة العمل السياسي والحركة الوطنية، عبر بناء جسر بينهم وبين جماهير المواطنين.
نتحدث عن الرجل الذي قال في مذكرة له إلى المستشار القضائي: "إن رأيي السياسي هو رأي الجماعة "مصر للمصريين"، وحرية بلادي واستقلالها والسلام وحب الخير للناس أجمعين، وأن المناهج السياسية التي يعنى بوضعها لهذه البلاد لثمة تعتور جمالها الرائع في شرفه وبساطته".
إنه مكرم عبيد، خطيب الثورة وفارس مفهوم المواطنة، الذى كان أكثر الخطباء استشهادًا فى خطبه بآيات بينات من القرآن الكريم، وحين كان المسلمون يتخاصمون فى قنا كان هو الحكم العدل بينهم يرضون طائعين وقانعين بحكمه وعدله وموضوعيته وحكمته.
وليس أدل على هذا الدور المؤثر لمكرم عبيد في مجال الحركة الوطنية، من محتوى كتاب «مكرم عبيد كلمات ومواقف» الذي وضعته   منى مكرم عبيد، التي يعد مكرم في مقام جدها، علمـًا أنه كان يكبر شقيقه (والد منى) بثماني عشرة سنة. 
تقول منى مكرم عبيد فى مقدمتها للكتاب الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب إن صدوره كان مواكبـًا للمتغيرات التى شهدها المجتمع المصرى خلال المرحلة الانتقالية التى مر بها فى إطار ما أطلق عليه البعض «ثورات الربيع العربى» وأن مشهد المرأة المصرية ما بين ثورتى 1919 و2013 قد استوقفها بعد أن بدا لافتـًا للنظر مشاركة النساء بشكل موسع فى المطالبة بالتغيير وترجمت مواطنتها فعليـًا من خلال الخروج بأعداد كثيفة حرصا على مستقبل أفضل لها ولأبنائها كما كانت طوابير الاستفتاء على الدستور والانتخابات الرئاسية خير شاهد على المشاركة الفعالة للمرأة وتأكيدًا لحقوقها التى تعمدت حكومات سابقة انتهاكها وصولًا لتغير الأمر، حين صارت عنصرًا مرجحـًا فى أى عملية انتخابية مقبلة، ثم انطلاقـًا من 25 يناير والإطاحة بنظام سياسى استبدادى ومرورًا بمرحلة من عدم استقرار، وصولًا لرئيس عمل على ترسيخ الاستبداد الدينى على حساب التعددية واحترام حقوق الإنسان والمواطنة وصولًا إلى التغيير الذى دشنته ثورة 30 يونيو 2013. ومثلما شهد المجتمع ثمار تلاحم المصريين فى ثورة 1919 والتى كان شعارها "يحيا الهلال مع الصليب" و"الدين لله والوطن للجميع". وبالرغم من تلاحم المصريين فى ثورة 25 يناير وما شهده ميدان التحرير من صلوات مشتركة بين المسيحيين والمسلمين، فإن الجرائم الطائفية التى شهدها المجتمع عملت على تغييب الصورة الحقيقية حيث شهدت الفترة من مارس 2011 حتى إبريل 2013 عددًا من الجرائم المؤسفة، وكان من الطبيعى أن يثور المصريون من جديد حفاظـًا على دولتهم وتلاحمهم الوطني، فكانت المشاركة الخلاقة لملايين الأقباط مع إخوانهم المسلمين فى ثورة 30 يونيو التى مثلت استرداد مصر.
 يمكن القول إن فترة المنفى كانت بمنزلة العنصر الأساسي الذي دعم فكرة مكرم عبيد (1889-1961) ورؤيته الوطنية، ودعم ارتباطه الوثيق بالوطن، حيث يقول عبيد: "لم نشعر في حياتنا أننا مصريون عاشقون لمصر بمقدار ما شعرنا بذلك في المنفى"، "وما أحسست طوال عمري أن الوطن قريب إلى قلبي وفكري إلا عندما أبعدوني عنه إلى سيشل".
كما أصبح لعبيد علاقة وثيقة الصلة بسعد زغلول، ففي هذه الفترة تم التبني وأصبح يعرف "بابن سعد"، وتعلم منه كيف يعيش حيـًا التحدي والقوة المعنوية التي تقهر الصعاب، فيقول: "لم أعرف سعدًا ولم أعرف مبلغ حبي له، ذلك الحب النادر الذي يغذيه القلب والعقل معـًا، إلا عندما أتاح الله لي أن أخلو به في سيشل، في انتظار قدوم إخواننا".
ثم أن فترة المنفى كانت هي الأساس الذي تم عليه بناء الصداقة والعلاقة الوثيقة بينه وبين مصطفى النحاس، إلى جانب أن المنفى منحه فرصة ذهبية لإثراء لغته العربية على يد عاطف بركات، الذي كان فيما مضى ناظرًا لمدرسة القضاء الشرعي، حسث ساعده طوال عامين على تأكيد فصاحته في اللغة العربية، حتى قدر له أن يصبح واحدًا من أشهر الخطباء في تاريخ الحياة السياسية المصرية.
كان ارتباط مكرم عبيد بشخصية سعد زغلول وثيقـًا، حتى إنه يقول في خطبة له في 6 مايو 1921 عن الموظفين ودورهم التاريخي: "موظفو الحكومة يجتمعون ولا دافع لهم سوى وطنيتهم ووجدانهم ليعلنوا الآن ما أعلنوه من قبل، أنهم يكرمون أب الشعب، وينضمون إلى صفوف الشعب ويستظلون بلواء قائد الشعب. هذا هو المغزى الأسمى من حفلتنا اليوم، بل ومن نهضتنا العجيبة التي قمنا بها –نحن الموظفين- منذ أن خفق قلب مصر لأول مرة سمع فيها صوت سعد".
وعقب نجاة سعد زغلول من محاولة اغتيال في يوليو 1924 إبان توليه منصب رئيس الوزراء، ألقى مكرم عبيد خطابـًا كان كل مقطع منه يقابل بالتصفيق والهتاف، قال فيه:
"هنيئـًا لك الشفاء يا سيدي، بل هنيئـًا لنا شفاؤك يا أبانا، هنيئـًا لنا بمقدار ما تألمنا، فقد كان لجرحك جرحٌ في قلوبنا، وحرام علي أن أدمي ما ضمد من جروحنا أو أثير ما سكن من أشجاننا بوصف ما كان، وما أفظع وما أجبن وما أخس ما كان. كلا لن أعود إلى ذكر ما مضى، فقد آلينا على أنفسنا أن نمحو غدر الجاني بإخلاصنا، وأن ننتقم من أحزاننا بأفراحنا".
ويضيف في آخر رسالة له من المنفى: "بقيت لي كلمة أخيرة، عن تلك الدسيسة المنكرة التي يقوم بها المستعمرون في هذه الأيام للتفريق بين المسلمين والأقباط، يقولون أقباط مسلمون، كلا، بل هم مصريون ومصريون وآباء وأمهات وبنون، أو قولوا هم أخوة لأنهم بدين مصر مؤمنون، أو أشقاء لأن أمهم مصر وأباهم سعد زغلول، أيقال هذا القول في مصر وعن مصر، التي علمت العالم والشرق خاصة معنى الاتحاد المقدس، حتى أن الهنود في ممباسا يقولون إن مصر أستاذة الهند، ومثلها الأعلى في اتحاد طوائفها".
وفي عيد الجهاد في 13 نوفمبر عام 1926، ألقى مكرم عبيد خطابـًا جاء فيه:
"إني لا أعرف، وأكره أن أعرف، أن هناك موظفين أقباطـًا ومسلمين ، فإن الموظفين الذين خلدت وطنيتهم وتضحياتهم في كتاب النهضة المصرية، هم الموظفون المصريون، ولا أعرف سواهم، ومن الحرام أن تثار مسألة قبطي ومسلم بعد أن قبرناها وغسلنا ما خلفته من أرجاس بدماء شهدائنا الزكية".
كما يتطرق الكتاب إلى زيارة عبيد إلى كل من فلسطين والشام، حيث استقبلته الوفود هناك على رأسهم الشقيري، في محطة عكا بترحاب وحفاوة بالغة، ويقول في خطبته التي ألقاها هناك: "هنا مصر، هذه الحماسة الجارفة والهتاف لذكرى سعد، كل هذا يدل على أن مصر خالدة في قلوبكم، كما أن فلسطين تسكن قلبي الصغير".


ولما كان مكرم عبيد محاميـًا، فإنه ببلاغته في مرافعة له في إحدى القضايا السياسية، تصدى دفاعـًا عن محمود فهمي النقراشي وأحمد ماهر اللذين اعتقلا بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنجليز، في فبراير 1926:
"ليس أفظع من قتل البريء، ولكني أعرف شيئـًا واحدًا أفظع منه، هو أن يُقتل معه بريء آخر معه. هو أن يذهب بريء ضحية اتهام خاطئ، وإنه لأهون على العدالة أن يفلت مجرم من العدالة فتبقى الجريمة قائمة، من أن يعاقب بريء فتضاف إلى الجريمة جريمة أخرى".
على المستوى الإنساني، يلقي الكتاب الضوء على رسالة مكرم إلى خطيبته، عايدة كريمة مرقس حنا باشا، في أغسطس عام 1922، حيث يقول: "يا أسفاه: ماذا عسى الإنسان أن يقول أو يكتب حين تدهمه حوادث هذا مقدار ظلمته، ولو أن النور المنبعث من قلوبنا كفيل باختراق تلك الظلمه المحيطة بنا من جميع الجهات، على أني لم أفقد الأمل وإنك لتعلمين مبلغ متانة إيماني واعتقادي أننا بهذه الآلام نصل إلى آمالنا السامية، فإن قضيتنا مقدسة، وهي لذلك في حاجة إلى قديسين وشهداء".



في خاتمة هذا الكتاب الذي يقدم سيرة الرجل ومحطات مسيرته النضالية الوطنية الحافلة وجاء مشفوعـًا بباقة من الصور والوثائق والخطابات النادرة، تقول منى مكرم عبيد: "أخذ مكرم أقل مما يستحق في الإعتراف بدوره في تمتين رابطة الوطنية المصرية، من حيث أنه المسيحي القبطي المتمثل لروح الحضارة العربية، الذي استطاع لسنوات طويلة أن يجعل من نفسه ومن دوره رمزًا بالغ الأهمية في الحياة السياسية المصرية، وإذا كان مصطفى النحاس هو زعيم الوفد، لكن قيادة الوفد الفعلية كانت لمكرم، ولقب "بالمجاهد الكبير"، واستحق هذا الوصف من ناحية فكرية بحتة، حتى قبل الناحية السياسية الأوسع، وكان ذلك حتى باللاوعي تجسيدًا حيًا لتجاور دينين على أرض وطن واحد، في ظروف لم يترسخ فيها بعد مفهوم الوطنية، ولم يتأكد فيها بعد معنى المواطنة".

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "مكرم عبيد.. خطيب الثورة وفارس المواطنة"

أكتب تعليقا