سيناء.. أرض المقدس والمحرم

| |




لأنها سيناء "أرض الفيروز"، ولأنها جزء غال ونفيس من جغرافية مصر وتاريخها، ولأنها أيضـًا مسرح لغزوات واعتداءات وعمليات إرهابية تحاول النيل من أمن مصر واستقرارها، فإن القراءة عنها معرفة ضرورية ومتعة إضافية.
من هنا تأتي أهمية كتاب "سيناء.. أرض المقدس والمحرم" الذي وضعه الخبير الأمني خالد عكاشة وصدر عن دار نهضة مصر. ففي هذا الكتاب الذي يقع في نحو 440 صفحة من القطع المتوسط، نبحر في قضايا تخص تاريخ شبه جزيرة سيناء وصولاً إلى حاضرها وواقعها وقضاياها والتحديات الناجمة عن ظاهرة الإرهاب التي تهدد سيناء وأهلها، بل وتهدد الوطن بأكمله. والكتاب في مجمله وثيقة مهمة عن سيناء و كيف خطا التاريخ فوق رمالها بدءاً من العصر العثماني، مرورًا بمطامع الصهاينة، وانتهاءً بالتنظيمات الإرهابية المسلحة، وكيف خُضّب الرمل المقدس بالدم المحرّم.
بداية، ينطلق خالد عكاشة من بوابة التاريخ، حيث يقول إن هناك خلافـًا بين المؤرخين حول أصل كلمة "سيناء"، فقد ذكر البعض أن معناها "الحجر" وقد أطلقت على سيناء لكثرة جبالها، بينما ذكر البعض الآخر أن اسمها في الهيروغليفية القديمة "توشريت" أي أرض الجدب والعراء، وعرفت في التوراة باسم "حوريب"، أي الخراب، لكن المتفق عليه أن اسم سيناء، الذي أطلق علي الجزء الجنوبي من سيناء، مشتق من اسم الإله "سين" إله القمر في بابل القديمة، حيث انتشرت عبادته في غرب آسيا وكان من بينها فلسطين، ثم وفقوا بينه وبين الإله "تحوت" إله القمر المصري الذي كان له شأن عظيم في سيناء وكانت عبادته منتشرة فيها.
ومن خلال نقوش سرابيط الخادم والمغارة يتضح لنا أنه لم يكن هناك اسم خاص لسيناء، ولكن يشار إليها أحيانـًا بكلمة "بياوو" أي المناجم أو "بيا" فقط أي "المنجم"، وفي المصادر المصرية الأخرى من عصر الدولة الحديثة يشار إلى سيناء باسم "خاست مفكات" وأحيانـًا "دومفكات" أي "مدرجات الفيروز".
 وقد ظل الغموض يكتنف تاريخ سيناء القديم حتى عام 1905، حين تمكن عالم المصريات الألماني بتري من اكتشاف اثني عشر نقشـًا عرفت "بالنقوش السينائية"، عليها أبجدية لم تكن معروفة في ذلك الوقت، وفي بعض حروفها تشابه كبير مع الهيروغليفية، وبقيت هذه النقوش لغزًا حتى عام 1917 حين تمكن عالم المصريات الألماني جاردنر من فك بعض رموز هذه الكتابة والتي أوضح أنها لم تكن سوى كتابات كنعانية من القرن الخامس عشر قبل الميلاد من بقايا الحضارة الكنعانية القديمة في سيناء.
بدأت مصر مع بداية القرن التاسع عشر أحداثـًا جديدة مع تولي محمد علي حكم مصر عام 1805، وكان أهمها إنشاؤه لمحافظة العريش عام 1810 ضمن التشكيلات الإدارية التي وضعها في هذا العام، والتي كانت تمثل أول شكل إداري منظم في سيناء في العصر الحديث، ولها اختصاصات وحدود إدارية، ووضع تحت تصرف محافظ العريش قوة عسكرية لحماية حدود مصر الشرقية، وقوة نظامية لحماية الأمن داخل المدينة. كما أنشأت نقطة جمركية ونقطة للحجر الصحي (كورنتينة) بالعريش. أما الطور فقد كانت تابعة إداريـًا لمحافظة السويس، في حين أدخلت نخل ضمن إدارة القلاع الحجازية التي كانت تتبع قلم الروزنامة بالمالية المصرية.
في عام 1956 شنت كل من إسرائيل وفرنسا وإنجلترا هجومـًا منظمـًا على مصر فيما يسمى بالعدوان الثلاثي وقد قامت المقاومة الشعبية باعمال بطولية لصد القوات المعتدية. أما إسرائيل فاستولت على سيناء بالكامل، ولكن صدر قرارمن مجلس الأمن آنذاك برد جميع الأرض المحتلة إلى مصروعدم شرعية الهجوم على مصر، ثم قامت إسرائيل في 5 يونيو 1967 م بشن هجوم على مصر وسوريا والأردن واحتلت سيناء والجولان والضفة الغربية للأردن. واستطاع جيش مصر برغم فداحة الخسارة أن يعبر هذه المحنة في صموده أمام القوات الإسرائيلية ودخوله حرب الاستنزاف، وفى ذلك الوقت توفي جمال عبدالناصر في سبتمبر 1970.
تولى أنور السادات الحكم بعد جمال عبدالناصر، عمل على تسوية مشكلات الدولة الداخلية وإعداد مصر لخوض حرب لتحرير سيناء. في 6 أكتوبر 1973 في تمام الثانية ظهرًا، نفذت القوات المسلحة المصرية والقوات المسلحة العربية السورية هجومـًا على القوات الإسرائيلية في كل من شبه جزيرة سيناء والجولان. بدأت الحرب على الجبهة المصرية بالضربة الجوية التي شنتها القوات الجوية المصرية ضد القوات الإسرائيلية، وعبرت القوات المصرية إلى الضفة الشرقية ورفعت العلم المصري.
الرئيس أنور السادات دخل في تسوية النزاع العربي الإسرائيلي لإيجاد فرصة سلام دائم في منطقة الشرق الأوسط، فوافق على معاهدة السلام التي قدمتها إسرائيل (كامب ديفيد) في 26 مارس 1979 بمشاركة الولايات المتحدة بعد أن مهدت زيارة الرئيس السادات لإسرائيل في 1977، وانسحبت إسرائيل من شبه جزيرة سيناء في 25 أبريل 1982 مع الاحتفاظ بشريط طابا الحدودي، ثم استرجعت الحكومة المصرية هذا الشريط فيما بعد، بناءً على التحكيم الذي تم في محكمة العدل الدولية وصدر حكم بشأن عودة الحق لأصحابه في جلسة تاريخية في جنيف بتاريخ 29 سبتمبر 1989.
وفي فصل بالغ الأهمية بعنوان "لماذا الإرهاب في سيناء"، يتحدث المؤلف خالد عكاشة عن مساحة سيناء البالغة تقريبـًا 60 ألف كم مربع وتتماس جغرافيـًا مع قطاع غزة في جزء من الشريط الحدودي الشرقي، ومع الجانب الإسرائيلي في بقية المساحة من هذا الحد الشرقي نفسه، فضلًا عن المسطح المائي الذي يتجاوز ألف كم، والطبيعة الجبلية الوعرة لسيناء من جبال شاهقة ووديان عميقة وكذلك الصحراء الشاسعة.


 ويرى عكاشة أن هذه العناصر مجتمعة ساعدت على إمكانية تهريب الأسلحة والأشخاص وإخفاء المطلوبين للعدالة في دروب الصحاري وكهوف الجبال، مما صعب معه إمكانية المواجهات الأمنية الناجحة. وقد حدثت مواجهات أمنية كبيرة في الفترة السابقة لثورة يناير وكان آخرها في عامَي 2005-2006 في جبل الحلال. وقبل هذه المواجهات وبعدها كانت هناك مواجهات أمنية بصورة محدودة للغاية وفقـًا لظروف كل حدث.
وقبل ثورة يناير حدثت موجة من التغيرات السياسية والاجتماعية بصورة حادة، أدت إلى وجود خلل أمني كبير في الشارع المصري بشكل عام وفاقمت من معضلة سيناء الأمنية بشكل خاص. ولهشاشة الوضع الأمني في سيناء زادت صعوبة المواجهات الأمنية وأصبح الأمر يمثل عبئـًا كبيرًا على كاهل الشرطة التي فقدت جزءًا لا يستهان به من قدرتها على المواجهة. استلزم الأمر أن تكون المواجهة شاملة وفي خطوط متوازية اقتصاديـًا واجتماعيـًا وسياسيـًا للوصول إلى نتائج أمنية مرضية.
وإذا كانت السنوات الأخيرة، وخاصة في عام حكم الإخوان المسلمين، قد شهدت نشاطـًا ملحوظـًا للجماعات التكفيرية الجهادية في شبه جزيرة سيناء، فإن اللافت للانتباه هو أن تلك التنظيمات سرعان ما نمت وتضخمت وأتخمت بالمال والسلاح وأضيف إلى ذلك تدفق العنصر البشري من التكفيريين والجهاديين إلى سيناء. استفحل الأمر في عهد الرئيس محمد مرسي، الذي غض الطرف عن هذه الجماعات ونشاطها التنظيمي والعملياتي المتزايد، مما جعل سيناء في شهور معدودة تصبح أحد أهم وأخطر معاقل التنظيمات الجهادية المسلحة في المنطقة.
يقسِّم خالد عكاشة التنظيمات الإرهابية المسلحة في سيناء إلى نوعين، أولها التنظيمات التكفيرية، وهي مجموعة التنظيمات التي يقوم فكرها على تبني تفسيرات مغلوطة تقوم بالأساس على تكفير المجتمع ككل. ثانيـًا: التنظيمات الجهادية، وهي تلك الجماعات أو التنظيمات المسلحة التي تنتهج العنف كغاية ضد "النظم السياسية العلمانية" -من وجهة نظرهم- المسيطرة على الدولة، بهدف إلحاق الهزيمة بها.
ويتحدث المؤلف عن جماعة "التوحيد والجهاد" بوصفها من أقدم وأخطر الجماعات المسلحة في سيناء، وهو تنظيم مصري متطرف شديد العنف يقدم نفسه على أنه أحد تنظيمات السلفية الجهادية، لكن واقع التنظيم يضعه في مربع الفكر التكفيري أكثر من اقترابه من الفكر السلفي، فمؤسس التنظيم (الدكتور خالد مساعد) الذي ينتمي إلى قبيلة السواركة، انشق عن "الجماعة السلفية الدعوية" في نهاية عام 1997 وبدأ منذ ذلك التاريخ في تأسيس تنظيم هو الأشرس والأكثر عنفـًا في جميع التنظيمات التي اتخذت من سيناء ملاذًا لها. نفذت هذه الجماعة عدة عمليات إرهابية منها الهجوم على قسم ثان العريش لمرتين متتابعتين، ثم محاولة استهداف مبنى مديرية أمن شمال سيناء بقذائف "آر بي جي"، وهناك شبهات قوية حول التورط في الجريمة المعروفة إعلاميـًا باسم "مذبحة رفح" والتي راح ضحيتها 16 جنديـًا مصريـًا في شهر رمضان وتحديدًا في 5 أغسطس 2012.
أما تنظيم "أنصار بيت المقدس" فإن جذوره تعود إلى الجماعات المسلحة التي فرت إلى شبه جزيرة سيناء وتوجهت إلى حمل السلاح من نهاية تسعينيات القرن العشرين. ويرجع تأسيسها وصولًا للشكل الذي أصبحت عليه الآن إلى القيادي الفلسطيني هشام السعيدني، كطور جديد من أطوار جماعة "التوحيد والجهاد" التي تسمى أم الجماعات المسلحة في سيناء.
يضم هذا التنظيم عناصر من جنسيات مختلفة، ففضلًا عن العناصر المصرية يأتي في المقدمة القادمون من غزة حيث الجذر الأساسي للتنظيم، ويضم أيضـًا ليبيين ويمنيين وسودانيين وعراقيين وجنسيات أخرى غير عربية.
ظهر التنظيم في الأيام الأولى لثورة يناير 2011 معلنـًا في أول بيان له أنه سيتخصص في تفجير خط تصدير الغاز المصري لإسرائيل والأردن، لحرمان إسرائيل من الغاز المصري، ونفذ أولى عملياته بالفعل في فجر 5 فبراير 2011 قبل رحيل نظام مبارك، ثم توالت العمليات تباعـًا فيما بعد والتي تجاوزت 25 عملية تفجير لخط الغاز و50 هجومـًا انتحاريـًا أو مسلحـًا على النقاط الأمنية الثابتة وأشهرها "كمين الريسة" الواقع على الحد الشرقي لمدينة العريش.
تبنى التنظيم تفجير مديرية أمن الدقهلية في ديسمبر 2013 والذي أسفر عن مقتل 16 بينهم 14 من ضباط الأمن، كما نفذ التنظيم عملية تفجير مديرية أمن القاهرة في يناير 2014. وفي 10 نوفمبر 2014، أعلن تنظيم "أنصار بيت المقدس" مبايعته لتنظيم "داعش" وقائده أبو بكر البغدادي.
كما يتحدث المؤلف عن تنظيمات إرهابية وتكفيرية أخرى، أخطرها "كتائب الفرقان" التي خرجت بعد 30 يونيو 2013 لتنفذ أعمالًا إرهابية في سيناء وباقي المحافظات المصرية، كما يشير إلى تنظيم السلفية الجهادية الذي يتخذ من شمال سيناء مركزًا له ولتحركاته، ويعد من أكبر التنظيمات المسلحة الموجودة في سيناء من ناحية أعداد المنتمين إليه، حتى إنه يوصف بأنه تنظيم فضفاض يضم العديد من الأجنحة ترتبط ببعضها البعض فكريـًا، لكنها تتقاطع تنظيميـًا. وقد نفذ التنظيم عمليات إرهابية ضد قوات الجيش والشرطة ، معظمها في محيط مدينة العريش العاصمة وشرقـًا بالقرب من مدينتَي رفح والشيخ زويد. وهناك أيضـًا تنظيم "التكفير والهجرة" الذي غيَّر اسمه إلى "الرايات السوداء"، وهي جماعة تتبنى أفكارًا قائمة على تكفير الحاكم الذي لا يطبق شرع الله وينسحب مفهوم التكفير على من دونه من أركان نظام حكمه وصولًا إلى قاعدة المجتمع البعيدة عن شرع الله. ويطلق أهالي سيناء خاصة سكان المدن الساحلية الرئيسة على أعضاء هذا التنظيم اسم "التكفيريين". ولا ترى تلك الجماعة غضاضة في استهداف المدنيين، كما استهدفت عناصر من قوات الشرطة والجيش في عمليات أخرى،  بينها عملية في "نقطة الماسورة" في شهر مايو 2012.
أما تنظيم "جند الإسلام" فرغم محدودية عدد أفراده والذي يقدر بنحو 500 عنصر مقاتل، فإنه يعد من أخطر الجماعات والتنظيمات المسلحة في سيناء؛ حيث إنه يمتلك أسلحة كثيرة متطورة منها قذائف "آر بي جي" ومضادات الطائرات والدبابات، فضلًا عن الألغام ومدافع الجرينوف التي تثبت على سيارات الدفع الرباعي. انضم التنظيم إلى "أنصار بيت المقدس" على أرجح الأقوال، عندما بدأت الحملة العسكرية والأمنية تأخذ منحىً أكثر صرامة ضد كل من يرفع السلاح في هذه المنطقة.
ويضاف إلى هذه التنظيمات كل من تنظيم "جيش الإسلام" الذي يعد أحد أبرز التنظيمات الجهادية المسلحة في قطاع غزة،  وتنظيم "أنصار الجهاد" الذي يسعى إلى إقامة إمارة إسلامية في سيناء، و"جماعة الدعوة السلفية" التي تشكل أقدم التيارات الإسلامية وأوسعها انتشارًا في سيناء، وتأسست في أواخر سبعينيات القرن العشرين.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "سيناء.. أرض المقدس والمحرم"

أكتب تعليقا